خبر عاجلسياسةمقالات

العدوان يضع اللبنانيين أمام محنة الصراع من أجل البقاء: المهجرون بين “شاقوفي” عجز الداخل وتجاهل الخارج

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

العدوان يضع اللبنانيين أمام محنة الصراع من أجل البقاء: المهجرون بين “شاقوفي” عجز الداخل وتجاهل الخارج

 

الدكتور زهير هواري

قبل أن يجف حبر الإنذار الاسرائيلي لمنطقة أو عدة قرى في الجنوب أو البقاع يصدر آخر لسواها. والحصيلة أن على اللبنانيين أن يغادروا بيوتهم ويتجهوا نحو قرى ومناطق أخرى وسط تخمة في القاصدين وندرة المراكز المتوافرة. حتى بلغ الأمر أن وجهت وزيرة الشؤون الاجتماعية نداء إلى المهجرين للتوجه نحو الشمال وعكار والبقاع بعد أن فاضت العاصمة والجبل والضواحي القريبة بقاصديها، وبات لا مكان لمتسع لوافدين جددا. التقديرات التي أعلنتها الوزارة تشير إلى أن عدد المهجرين فاق المليون ونصف المليون. لكن قسما من الأهالي الذين رفضوا اخلاء قراهم والبقاء فيها تعرضوا لغارات جوية عدوانية أدت إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى. الرقم الاجمالي للضحايا فاق عشرات المئات تبعا لتقديرات وزارة الصحة. ولكن لهذه الحرب قصة أكبر مما شهدته الأيام الأخيرة على خشبة المسرح اللبناني.

حروب ونتائج متداخلة

يمكن أن نجمع وقائع الحرب اليومية التي يعيشها اللبنانيون مع مئات ألوف المهجرين من مناطق الجنوب والبقاع والضاحية، مع أزمة اقتصادية ومعيشية أصلية متصاعدة، مع حرب اقليمية مفتوحة يمكن أن تتحول إلى حرب عالمية كما يحذرنا وليد جنبلاط. حرب واسعة يمكن أن تضغط على الاسواق فتعطل سلاسل التوريد وترفع من معدلات أسعار المواد الأساسية كالقمح والنفط بفعل تراجع الإنتاج و.. لنصل إلى وصفة مثالية لاندلاع أزمة لم يتعود عليها المواطنون في دولة هشة كلبنان لا تملك احتياطيات فعلية. دولة لا تستطيع أن تمد يد العون لمواطنيها الذين أُخرجوا من ديارهم عنوة، بفعل الجبروت الاسرائيلي المدعوم اميركيا والعنتريات التي يطلقها حزب الله استجابة لتعليمات الاسناد الايرانية.

نبدأ بالجوانب الدولية ، فالمعروف أن الحرب على ايران التي تشنها كل من اميركا واسرائيل قادت إلى ارتفاع أسعار النفط بفعل صعوبة التصدير وزيادة كلفة الإنتاج والنقل والتأمين. وعليه فقد قفز سعر برميل نفط برنت عن 93 دولار. بالطبع عطلت المعارك بحرا وجوا وبرا وخصوصا ما شهده مضيق هرمز من امدادات الطاقة من أيران والعراق والخليج العربي بما هي النفط والغاز، مما سيترك بصماته على أسعارهما من جهة، وعلى الكميات المعروضة في الأسواق. ويُعد المضيق من أهم الممرات الاستراتيجية في تجارة الطاقة عالمياً، إذ يمر عبره يومياً نحو 21 مليون برميل من النفط، أي ما يقارب ثلث صادرات النفط الخام في العالم، إضافة إلى نحو 20 في المئة من صادرات الغاز الطبيعي المُسال. وقد أدى تعطّل الملاحة فيه إلى توترات في الأسواق العالمية وارتفاع سريع في أسعار النفط والمحروقات عالمياً ومحلياً وما يتفرع عنهما من منتجات.

القمح الاوروبي بمصادره الشرقية من روسيا وأوكرانيا والغربية من دول أوروبا الغربية وصل بدوره إلى أعلى مستوى له، وبلغ سعره 207.50 يورو للطن الواحد (أي نحو 240.66 دولار)، بعدما لامس في وقت سابق 208.7 يورو، وهو أعلى مستوى له منذ الصيف الماضي. كلاهما أسعار الطاقة والقمح من شأنهما رفع فاتورة الغذاء العالمية على ضوء المخاطر المحدقة. فالحرب بين روسيا واوكرانيا مستمرة، وأضيف إليها الحرب في منطقتنا. وقد لاحظت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن أسعار الغذاء العالمية ارتفعت في شباط بعد خمسة أشهر من التراجع. وبلغ متوسط مؤشر أسعار الغذاء 125.3 نقطة مقابل 124.2 نقطة في كانون الثاني. وتبعا لذلك ارتفعت أسعار اللحوم، مقابل انخفاض أسعار الالبان والسكر.

النازحون واطعامهم

قدرت وزارة الشؤون الاجتماعية بعد أسبوع من الحرب عدد النازحين بأكثر من 454 ألفا. منهم حوالي 113 ألفا قاموا بالتسجيل على لوائح الوزارة، وباتوا في مراكز الإيواء بما هي المدينة الرياضية والمدارس الرسمية التي فُتحت لهم في العاصمة والمناطق. والرقم المذكور اعلاه يحتاج إلى تدقيق خصوصا وأن سكان معظم الجنوب قد نزحوا عنه ومعهم سكان الضاحية الجنوبية وبعض أنحاء البقاع الغربي وبعلبك – الهرمل. إذن تبدو الارقام المسجلة متواضعة بالقياس إلى عدد سكان هذه المناطق، إذ إنه هذه المرة خلافا للمرات السابقة فرغت القرى والبلدات والمدن من سكانها. فسابقا كانت هناك نسبة معتبرة تصر على البقاء، فيما هذه المرة الوضع مختلف. المعضلة تبدو في فقر الحال التي تعانيها الدولة في تأمين تغذية الجموع هذه، لا سيما وأن معظم المهجرين خرجوا بثيابهم لا أكثر ولا أقل، اذا لم نقل أن الكثيرين لم يحملوا من ثيابهم سوى ما كان عليهم. أي أن هؤلاء بحاجة ماسة إلى معظم ضروريات الحياة التي تركوها وراءهم، وخرجوا لا يلوون على شيء سوى سلامتهم وسلامة عائلاتهم.

الرئيس نواف سلام ووزيرة الشؤون الاجتماعية و الخارجية “دبوا الصوت” على الدول الصديقة والشقيقة والمنظمات الدولية، ودعوها إلى اجتماع عاجل عُقد في السراي الحكومي، لمطالبتهم مد يد المساعدات الغذائية والإغاثية بأسرع وقت ممكن، قبل أن ينكشف الوضع على مجاعة فعلية. مجاعة تضاف إلى معاناة التهجير والنوم في عراء الطرقات والسيارات وفقدان الفرش واللحف والبطانيات والتدفئة وكل ما هو من ضروريات البقاء في هذا الطقس الشتوي. وخلافا للمرات السابقة حيث كانت تتلاحق قوافل الإغاثة على المطار أو المرفأ إلى الحد الذي كانت تفيض عن الحاجة، لم يحدث حتى نهاية الاسبوع سوى القليل من التجاوب مع نداءات الإستغاثة اللبنانية، ما يعني أن هناك معضلة ستطل برأسها في القريب العاجل. خصوصا وأن المشكلة أوسع مدى من الأعداد المسجلة لدى وزارة الشؤون. فالمعروف أن الثقل النازح لجأ إلى الإقامة لدى الاقارب أو استأجر مسكنا مؤقتا ريثما تنجلي الأمور. وهؤلاء أو قسما كبيرا منهم فقد مصدر دخله على نحو كامل تقريبا، ولن يستطيع الصمود إلا لوقت قصير ومحدود. وهو محتاج إلى مساندة غير متوافرة إلى الآن. وهي مساعدة لا تقتصر على الطعام والشراب بل تشمل الملابس والكثير من الحاجيات التي لم يتمكن المغادرون ضمن مناخ ورعب التهديدات والوعيد الصهيونية من احضارها من بيوتهم.

تأثيرات على الزراعة وغيرها

لم يكن من قبيل الصدفة مشاهدة قطعان من الماعز والأغنام والأبقار يقودها الرعاة وهم يعبرون طرقات مدينة صيدا وغيرها مبتعدين عن مزارعهم في القرى التي باتت مجرد اهداف للعدوانية الصهيونية. لكن الجنوب لا يتعيش على ما تدره هذه القطعان من موارد فقط، إذ هناك الاشجار المثمرة التي تحتاج إلى قطاف وتشحيل وتسميد وتجهيز لفصلي الربيع والصيف. وهذه لن تجد من يهتم بها مع غياب أصحابها. الخضار والحشائش تبدو أسوأ حالا بالنظر إلى كونها تحتاج إلى من يعمل بها ثم ينقلها نحو الاسواق يوميا. واليد العاملة باتت مفقودة للقيام على قطافها وترتيبها وتعبئتها وتحميلها. ولا شك أن ألوف العائلات خسرت مواردها هذه ، كما أن شح ما هو وارد إلى أسواق الخضار في المدن الكبرى من شأنه رفع أسعارها. والأسعار مرتفعة أصلا مع كل شهر رمضان سنويا. ثم إن المستوى المعيشي لأكثرية المواطنين يعاني من انخفاض ملموس ينعكس على الاستهلاك. أما بذور التبغ التي يزرعها الأهالي تمهيدا لموسم التشتيل فمصيرها مجهول بانتظار تطورات ايجابية قد لا تأتي. قطاع صيد الأسماك فقد مقومات الإبحار في المساحات البحرية القريبة حتى.

لكن الجنوب لا يعيش على الزراعة إذ هناك الصناعات على أنواعها وكذلك الحرف. الكثير من المصانع والمؤسسات والورش تعرضت للتدمير على نحو كلي أو جزئي، وقد خسر أصحابها المال والراسمال كما يقال. وباتت أكلاف إعادتها إلى العمل متعذرة، هذا اذا عادت في ضوء ارتفاع الاكلاف والشكوك التي باتت تحيط بمصير ومستقبل مناطق ولدوا وتربوا وعاشوا وعملوا فيها هم وآباؤهم وأجدادهم.

ماذا عن المحروقات

وعلى وقع التوترات والتطورات العسكرية المرتبطة بالحرب شهدت السوق اللبنانية أيضا تحوّلاً دراماتيكياً تمثل بقفزة هائلة في أسعار المحروقات. وبينما كان المواطنون يئنون من زيادة 300 ألف ليرة على سعر صفيحة البنزين لتغطية مطالب القطاع العام من عسكريين ومدنيين، شهدت الأيام الأخيرة زيادة 90 الف ليرة على سعر صفيحة البنزين بنوعيه و240 ألف ليرة على المازوت. وبذلك ضاعت عملية “التمنين” التي قدمها المسؤولون من أن الزيادة اقتصرت على البنزين، ليلحق به المازوت من خلال الزيادة الكبيرة بفعل ضغوطات أسعار السوق العالمي. يجب أن نتذكر أن المازوت يدخل في ضرورات المواطنين في هذا الطقس الشتوي مثله مثل الخبز. ولذا ليس غريبا أن يعاني اللاجئون أكثر من سواهم من ارتفاع سعره في بيوت عارية مما يغطي أرضياتها في الساحل والجبال على حد سواء.

ومن خلال المقارنة بين جدول الأسعار الصادر قبل الحرب بيوم وما هو عليه اليوم يتبين أن أسعار البنزين ارتفعت بنحو 99 ألف ليرة للصفيحة (20 ليتر) أي بزيادة تقارب 5.4 في المئة، فيما سجّل المازوت ارتفاعاً أكبر بلغ 253 ألف ليرة أي بزيادة بنسبة 18 في المئة.

وقد أصبحت الأسعار على الشكل التالي: البنزين 95 أوكتان: مليون و914 ألف ليرة،  البنزين 98 أوكتان: مليون و957 ألف ليرة .أما المازوت فقد وصل سعر الصفيحة إلى: مليون و651 ألف ليرة، بينما حافظت قاروة الغاز على سعرها وهو مليون و417 ألف ليرة. بالطبع لا يمكن اعتبار هذه الاسعار نهائية إذ إنها مرشحة لمزيد من الارتفاعات طالما أن ليس في الأفق ما يبشر بوقف الحرب وإعادة سوق النفط العالمي وحركة الناقلات في مضيق هرمز إلى ما كانت عليه من انسياب وسلاسة. ومن المعروف ان ارتفاع سعر النفط ومشتقاته ينعكس على كل المنتجات الزراعية والصناعية والخدمات والمواصلات التي تدخل هذه السلعة في حسابات أكلافها.

وما يصح على النفط سيصح على القمح الذي جرى تحرير دعمه منذ سنوات. وعليه، فسعر ربطة الخبز بما تتضمنه من كلفة الطحين والمازوت وأجور عمال الافران والنقل لن تظل على ما هي عليه، إذ سترتفع حكما في ضوء ما يشهده السوق العالمي والمحلي من ارتفاع أسعار.

اختصارا يمكن القول إن أياما عجافا قادمة تنتظر النازحين خصوصا وعموم اللبنانيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى