خبر عاجلمقالات

التقارب بين الصدر والزيدي.. هل يقود إلى إعادة صياغة الدولة العراقية؟ – محمد المشهداني 

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

التقارب بين الصدر والزيدي.. هل يقود إلى إعادة صياغة الدولة العراقية؟ – محمد المشهداني

 

 

محمد المشهداني _ مناشير

في السياسة العراقية نادرا ما تتقاطع الإرادة الشعبية مع السلطة التنفيذية بصورة مباشرة والأندر من ذلك أن يتحول هذا التقاطع إلى مشروع سياسي متكامل يعيد رسم موازين القوة داخل الدولة و لذلك فإن أي تقارب بين زعيم التيار الوطني الشيعي السيد مقتدى الصدر ورئيس الوزراء علي الزيدي لا يمكن النظر إليه بأعتباره مجرد تنسيق ظرفي أو توافق مؤقت فرضته تطورات المرحلة بل قد يمثل إذا أستمر وتوسع نحو بداية لتحول سياسي عميق قد يغير شكل النظام العراقي الذي تأسس بعد العام 2003.

 

فإن العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق تأريخي فمنذ أكثر من عقدين تشكلت الدولة على قاعدة التوازنات الحزبية والمحاصصة السياسية حيث أصبحت مراكز النفوذ الأقتصادي والأمني موزعة بين قوى متعددة وهو الأمر الذي جعل أي حكومة عاجزة عن خوض مواجهة شاملة مع منظومة الفساد أو تفكيك شبكات المصالح التي تراكمت عبر السنوات و لكن المشهد الحالي يبدو مختلفا في نظر كثير من المراقبين، فإذا صح أن الدعم الذي يقدمه الصدر لحكومة الزيدي أصبح خيارا إستراتيجيا معلنا و فإن هذا الدعم لا يقتصر على توفير الغطاء السياسي بل يمنح الحكومة ما هو أكثر أهمية في البيئة العراقية حيث أن هنا الشرعية الجماهيرية.

 

و لقد أثبتت التجارب أن الحكومات العراقية غالبا ما كانت تمتلك الصلاحيات الدستورية و لكنها كانت تفتقر إلى القوة الشعبية التي تمكنها من مواجهة القوى المتنفذة وفي المقابل أمتلكت بعض القوى الشعبية قدرة كبيرة على الحشد والضغط و لكنها لم تكن في موقع القرار التنفيذي أما إذا أجتمعت القوتان في معادلة واحدة فإن المشهد السياسي برمته يصبح مرشحا للدخول في مرحلة جديدة و إن الوقفات الجماهيرية التي خرجت في التزامن مع بيانات داعمة لرئيس الوزراء إذا صحت قراءتها بهذا الإتجاه لا تعني مجرد تأييد سياسي بل ترسل رسائل متعددة المستويات.

 

الرسالة الأولى _ موجهة إلى القوى الداخلية التي قد تفكر بعرقلة حملات مكافحة الفساد ومضمونها أن الحكومة لا تتحرك وحدها وإنما تستند إلى قاعدة جماهيرية واسعة مستعدة للدفاع عن مشروعها.

 

الرسالة الثانية _ فهي موجهة إلى الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة في الملف العراقي ومفادها أن أي محاولة لإيقاف أو إضعاف الحكومة لن تكون مواجهة مع مؤسسة رسمية فقط وإنما مع شارع يمتلك قدرة كبيرة على التعبئة.

 

وفي الوقت ذاته فإن الرسالة الثالثة _ موجهة إلى الرأي العام العراقي نفسه لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة وهي الثقة التي تعرضت لتآكل مستمر خلال السنوات الماضية بسبب تعاقب الأزمات الإقتصادية والسياسية والأمنية.

 

ويبدو أن جوهر هذا التقارب إذا أستمر يقوم على توزيع واضح للأدوار و فإن الرئيس الزيدي يمثل سلطة الدولة بما تمتلكه من أدوات قانونية وأجهزة تنفيذية ومؤسسات رقابية و بينما يمثل الصدر بحكم حضوره الإسلامي و الشعبي والتنظيمي قوة إجتماعية قادرة على توفير الحاضنة الجماهيرية لأي إصلاحات قد تواجه مقاومة من أصحاب النفوذ وطبعا هذه المعادلة قد تمنح الحكومة مساحة غير مسبوقة للتحرك ضد شبكات الفساد خصوصا إذا توسعت عمليات المداهمة والتحقيق لتشمل شخصيات كانت تعد حتى وقت قريب بعيدة عن المساءلة.

 

ولكن القراءة الأعمق لا تتوقف عند حدود مكافحة الفساد فقط .

 

حيث أن الفساد في العراق لم يكن مجرد ظاهرة مالية بل أصبح جزءا من بنية النظام السياسي ولذلك فإن أي مواجهة حقيقية معه قد تستدعي إعادة النظر في القواعد التي أنتجته منذ البداية ومن هنا يبدأ الحديث عن مشروع سياسي أكبر.

 

فقد يرى بعض المحللين أن التحالف بين القوة الجماهيرية والقوة التنفيذية قد يفتح الباب أمام إصلاحات دستورية وتشريعية واسعة تتجاوز ملاحقة الفاسدين إلى إعادة هيكلة النظام السياسي نفسه وقد تشمل هذه الإصلاحات إذا توفرت الإرادة السياسية والتوافق الوطني مراجعة آليات توزيع السلطة و تقليص نفوذ المحاصصة الحزبية وتعزيز مفهوم الدولة المدنية القائمة على الكفاءة و المؤسسات بدلا من الإنتماءات الضيقة وإذا حدث ذلك،ة فإن العراق سيكون أمام مرحلة إنتقالية تختلف جذريا عن كل المراحل التي أعقبت العام 2003.

 

و غير أن الطريق نحو هذا الهدف لن يكون سهلا حيث أن القوى السياسية التي راكمت نفوذها خلال العقدين الماضيين لن تتخلى عن أمتيازاتها طواعية كما أن شبكات المصالح الإقتصادية والسياسية تمتلك أدوات عديدة للمقاومة سواء داخل المؤسسات أو عبر الحملات الإعلامية أو الضغوط السياسية أو حتى خلق الأزمات ولهذا فإن نجاح أي مشروع إصلاحي لن يعتمد فقط على قوة الحكومة أو حجم التأييد الشعبي وإنما على قدرتها على تحويل الزخم الجماهيري إلى إصلاحات مؤسسية دائمة لا ترتبط في الأشخاص بل تستند إلى القانون والدستور و كما أن التحدي الأكبر يتمثل في الحفاظ على التوازن بين الحزم في تطبيق القانون وبين ضمان إستقلال القضاء و إحترام الإجراءات القانونية حتى لا تتحول معركة الإصلاح إلى صراع سياسي يفقدها مشروعيتها.

و أما إقليميا تراقب الدول المؤثرة المشهد العراقي بحذر بالغ فأي تحول في طبيعة النظام السياسي العراقي ستكون له إنعكاسات مباشرة على معادلات المنطقة خاصة أن العراق يمثل نقطة التقاء لمصالح إقليمية ودولية متشابكة ولهذا فإن أي مشروع لإعادة بناء الدولة سيحتاج إلى إدارة دقيقة للعلاقات الخارجية بما يحفظ إستقلال القرار الوطني ويجنب البلاد الأنزلاق إلى صراعات المحاور.

وفي الداخل يبقى العامل الحاسم هو ثقة المواطن فإن الشعب العراقي سمع خلال السنوات الماضية عشرات الوعود في الإصلاح ومحاربة الفساد و لكن النتائج كانت محدودة في كثير من الأحيان حيث أن الأمر الذي جعل الشارع أكثر ميلا للحكم على الأفعال لا على الخطابات ولهذا فإن إستمرار أي مشروع إصلاحي مرهون بتحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية سواء في الخدمات أو الأقتصاد أو فرص العمل أو العدالة وفي المحصلة فإن الحديث عن جمهورية جديدة لا ينبغي أن يفهم بأعتباره إعلانا سياسيا قائما بل بأعتباره إحتمالا يرتبط بقدرة القوى الفاعلة على تحويل شعارات الإصلاح إلى مشروع دولة متكامل و فإذا نجح التقارب بين زعيم التيار الصدري سماحة السيد مقتدى الصدر ورئيس الوزراء علي الزيدي في الجمع بين الشرعية الشعبية والشرعية الدستورية وتمكن من تفكيك منظومات الفساد وإطلاق إصلاحات سياسية حقيقية فقد يشهد العراق في الفعل بداية مرحلة مختلفة في تأريخه السياسي.

 

أما إذا بقي هذا التقارب في حدود الدعم السياسي والإعلامي دون أن يترجم إلى إصلاحات مؤسسية عميقة فإنه سيظل محطة مهمة في المشهد العراقي و لكنه لن يكون كافيا لإحداث التحول التأريخي الذي يتطلع إليه العراقيون وفي النهاية يبقى السؤال مفتوح؟. هل يقف العراق بالفعل على أعتاب ولادة جمهورية سياسية جديدة أم أن تعقيدات الواقع ستعيد إنتاج النظام ذاته بأدوات مختلفة؟. الإجابة لن تحددها الخطابات وحدها بل ستحددها الوقائع وميزان القوى وقدرة الدولة على تحويل الإرادة السياسية إلى مشروع وطني مستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى