التعليم لمن استطاع اليه سبيلاً.. حتى في المدارس الوقفية والخيرية… فمن يحاسب ويسأل..؟
التعليم لمن استطاع اليه سبيلاً.. حتى في المدارس الوقفية والخيرية… فمن يحاسب ويسأل..؟
خاص مناشير
لم يعد التعليم في لبنان “حقاً” كما تنص عليه المواثيق والشرائع، بل تحول إلى امتياز لمن استطاع إليه سبيلاً. هذه الحقيقة المُرّة باتت تؤرق آلاف العائلات، لا سيما في المناطق المهمّشة كالبقاع، حيث تعيش غالبية الأسر تحت خط الفقر أو على حافة الحد الأدنى للأجور.
في السنوات الأخيرة، شهدنا انقلاباً كاملاً على فلسفة التعليم “الرسالي” و”الخيري” و”الوقفي”، اما المدارس الخاص فحدث ولا حرج، والمحزن انه لطالما رفعت شعارات واقيمت ندوات وتحركات للوصول الى التعليم المجاني أو شبه المجاني.
فمدارس الإرساليات الإنجيلية، الوقف الإسلامي، وحتى بعض الجمعيات الخيرية، ومنها مدارس المقاصد الخيرية باتت تتصرف كأنها مؤسسات ربحية، تفرض أقساطاً تفوق قدرة الأهالي على التحمل في وقت يعيش غالبية اللبنانيين تحت خط الفقر، رغم استمرار هذه المدارس في تلقي التبرعات والمساعدات من الميسورين والجمعيات الدولية. ورغم ان رواتب المعلمين في هذه المدارس لم تتوازى زيادتها بزيادة الاقساط.
أزهر البقاع: من المجانية إلى الفاتورة الباهظة
خذوا مثلًا أزهر البقاع، المؤسسة التي أنشأها الراحل الشيخ خليل الميس عام 1985 كصرح تعليمي وقفي مجاني، هدفه خدمة الفقراء واليتامى وأبناء ذوي الدخل المحدود. لسنوات، شكّلت هذه المؤسسة نموذجاً يحتذى في العدالة التعليمية والتوازن بين جودة التعليم ومجانيته، بفضل دعم المغتربين والمتمولين، بالتوازي مع بناء مزيد من المؤسسات في الازهر.
لكن الأمور تغيرت. اليوم، ومع الإدارة الجديدة، أصبح التعليم في الأزهر يُباع بثمن باهظ، على اعتبار ان القسط اقل من باقي المدارس. حيث يفيد أولياء الأمور أن القسط المدرسي بلغ 1200 دولاراً للطالب، واذا اضفنا اليه النقل، الزي، والكتب، يصبح الرقم يفوق الـ 1700 دولار، اي يتجاوز ما تطلبه مدارس خاصة ربحية في بيروت أو جبل لبنان!، واذا افترضنا ان رب اسرة من ذوي الدخل المحدود كما العاملين والمدرسين في هذه المدارس لديه اربعة تلاميذ عليه ان يدفع 6400 دولار، فكيف يعقل أن يبرمج معيشته ومعيشة ابنائه وتعليمهم.
والأدهى أن هذه الزيادة جاءت بالتوازي مع إلغاء المنامة المجانية للطلاب، وخفض في الخدمات التي كانت تُعتبر جزءاً من رسالة المؤسسة.
أين تذهب التبرعات؟
السؤال البديهي الذي يطرحه الأهالي: طالما أن المؤسسة ارسالية او وقفية او خيرية، غير ربحية، وتستمر في تلقي التبرعات من الميسورين، فأين تذهب هذه الأموال؟ ولماذا لم تنعكس على تخفيف كلفة التعليم؟ هل تحوّلت رسالة الوقف إلى مشروع استثماري بغطاء ديني؟
الواقع أن انعدام الشفافية المالية وغياب الرقابة الفعلية على هذه المؤسسات يفتحان الباب للتساؤل المشروع، بل للشك، في النوايا والأولويات.
المدارس الرسمية: فرصة ضائعة أم بديل حقيقي؟
في الوقت الذي تنهار فيه المدارس الرسمية على صعيد التمويل والكوادر، بدأت بعض المدارس الرسمية تُظهر أداءً لافتاً في الجودة والمخرجات التعليمية، لكنها لا تزال عاجزة عن استقطاب الطلاب الهاربين من جحيم الأقساط، لأن الثقة مفقودة، والدعم الحكومي خجول، والإعلام لا يُنصف قصص النجاح الرسمية القليلة.
فإذا استمرت الأمور على هذا المنوال، فنحن نتجه نحو تكريس طبقية تعليمية خطيرة:
- من يملك المال يتعلّم.
- ومن لا يملكه، يُترك لمصيره.
وهذه وصفة خطيرة لتفكك المجتمع، وتعميق الفجوة بين فئاته، وربما للانفجار الاجتماعي القادم.
بناءً عليه، ندعو إلى:
- إجراء تدقيق مالي شفاف في كل المؤسسات التعليمية غير الربحية، خصوصاً تلك التي تستفيد من التبرعات.
- إلزام هذه المؤسسات بنشر ميزانياتها ومصارف أموالها، إن كانت فعلاً تعمل باسم الوقف أو الخدمة المجتمعية.
- دعم المدارس الرسمية الرائدة وتوسيع تجاربها الناجحة.
- إطلاق صندوق وطني لدعم التعليم المجاني، تموّله البلديات والمغتربون والمؤسسات الدولية، لضمان تعليم عادل ومنصف.
واخيرا لا بد القول أن التعليم ليس ترفاً، ولا خدمة تجارية، بل حق أساسي، وأداة للعدالة الاجتماعية، والاستقرار الوطني. فليتّقِ القائمون على هذه المؤسسات الله في الناس، وليُعيدوا للتعليم رسالته، قبل أن يتحوّل إلى عبء يُقصم ظهور العائلات ويقصي أبناءهم عن مستقبلهم.




