خبر عاجلمقالات

الإعلام والتحريض: بين الهشاشة والتفرقة – خالد العزي

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الإعلام والتحريض: بين الهشاشة والتفرقة – خالد العزي

 

د. خالد العزي

 

لم يعرف الإعلام مرحلة من الهشاشة والفراغ كما هي الحال اليوم. فقد تحول إلى أداة تنشر التحريض والتأجيج بدلًا من أن يكون وسيلة الحقائق وتقديم المعلومات المتنوعة. هذه المرحلة تتسم بالفراغ الفكري والثقافي الذي ينعكس في تقديم شخصيات تُروج للتطرف والكراهية على حساب الحوار البناء والمجتمع المتماسك. في هذا السياق، يبرز فادي أبو دية كأحد الأمثلة الواضحة على هذه الظاهرة.

فادي أبو دية: الغباء والحقد الدفين

فادي أبو دية هو أحد الأسماء التي تجسد مشكلة غياب التميز بين الخصم والعدو في الساحة السياسية. ففي السياسة، العدو ثابت بينما الخصم هو من يمكن أن يختلف معه أو يتفق معه حسب الظروف والقضايا المختلفة. لكن فادي، مثل كثيرين آخرين، لا يستطيع التميز بين الخصم والعدو، مما يؤدي إلى المبالغة في الأعداء المزعومين. فبدلاً من أن يكون له موقف سياسي ناضج وهادئ، يعبر فادي عن حقده وغبائه وسقوطه، ولا يعكس موقفه رأيًا سياسيًا حول إيران أو حزب الله، بل هو مجرد تعبير عن تأجيج الكراهية والتحريض على التطرف.

المشاهد الإعلامية والتحريض على العنف

فادي أبو دية لم يكن وحده في هذا المشهد المحبط. سبقته شخصيات أخرى تساهم في نشر الكراهية مثل الزجال رامي نعيم الذي أعلن عبر المنصات الإعلامية أنه سيقف في وجه الجيش والقوى الأمنية، وكذلك الصبي علي برو الذي يهدد بشكل مستمر رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية. هؤلاء الأشخاص وغيرهم يمثلون جزءًا من الظاهرة المنتشرة اليوم في الإعلام: التحريض والتحريف ونشر مشاعر الكراهية.

 

فادي بو دية والتحريض على القتل

إن فادي بو دية لم يقتصر على التحريض السياسي فحسب، بل وصل به الأمر إلى استدعاء إيران لضرب المؤسسات التعليمية في لبنان كرد على ضرب مؤسساتها ، مشيرًا إليها على أنها استثمارات أمريكية. هذا النوع من التحريض يتجاوز حدود الخلاف السياسي إلى التحريض على العنف والقتل. فدعوته إلى استهداف المؤسسات التعليمية، وهي من الأعمدة الأساسية التي تبني الأجيال المستقبلية وتساهم في تطور المجتمع، لا يمكن أن تُعتبر مجرد دعوة للحوار أو النقد، بل هي دعوة تهدف إلى تدمير أسس المجتمع اللبناني. هذا التحريض على القتل، في القانون، يعادل جريمة القتل نفسها، حيث يُعتبر المحرض على القتل مسؤولًا عن الجريمة بنفس الدرجة التي يتحملها القاتل. في العديد من الأنظمة القانونية، مثل القانون اللبناني، يُعاقب المحرض على القتل بنفس العقوبة التي يُحاكم بها القاتل، وقد تصل العقوبة إلى الإعدام.

الإعلام والتحريض: دور “الفلاش باك” في إثارة الفتنة

اليوم، يعمل الإعلام في الكثير من الحالات على نشر المحتوى الذي يعزز الانقسام والتحريض بين الناس. إحدى الظواهر الإعلامية المقلقة هي “الفلاش باك”، تلك اللحظات التي يتم فيها التركيز على التصريحات والأحداث المثيرة للجدل، مثل تلك التي يظهر فيها أشخاص مثيرون للانقسام كعلي برو. هذه المشاهد يتم استخدامها بشكل متكرر بهدف جذب الانتباه، ولكن ما يترتب على ذلك هو انتشار خطاب الكراهية والتحريض.

في هذه اللحظات، يظهر المحرضون مثل علي برو وغيره في الإعلام كأبطال للمواقف المتطرفة. الإعلام بدلاً من أن يعرض هؤلاء الأشخاص كجزء من الخطاب السلبي الذي يعزز الانقسام، يعيد نشر صورهم ومواقفهم مرات عديدة، مما يزيد من تأثيرهم السلبي على الرأي العام. بدلاً من أن يكون الإعلام أداة لنشر الحقائق وتقديم وجهات النظر المتنوعة، يتحول إلى منصة لنشر السلبية والتحريض.

الإعلام: كثرة المنصات كضرر على حرية التعبير

من الجدير بالذكر أن كثرة المنصات الإعلامية أصبحت تشكل ضررًا كبيرًا على الإعلام وحرية التعبير. فتح هذه المنصات للأشخاص الذين يروجون للتحريض والكراهية، مثل الزجالين والأسماء غير المؤهلة فكريًا وثقافيًا ، يترك آثارًا سلبية على الكلمة وحرية التعبير نفسها. هذه المنصات تُسهم في نشر الفتن الداخلية، وتعزز من الانقسامات المجتمعية بدلًا من أن تكون أداة للحوار البناء. إن غياب الضوابط في هذه المنصات يعكس مشكلة كبيرة في الساحة الإعلامية، حيث تترك تأثيرات سلبية في تشكيل وعي الجمهور، خاصة عندما تُفتح هذه المنصات للأشخاص الذين يهدفون فقط إلى إثارة الفتنة بدلاً من تقديم أفكار وتحاليل هادفة وموضوعية.

المقاطعة: الحل الفعّال لمكافحة التحريض

إن هذا النوع من المحتوى يجب أن يُقابل بالمقاطعة من قبل الجمهور. لا يكفي أن نتحدث عن سلبيات هذا النوع من الإعلام، بل يجب أن يتخذ الجميع موقفًا عمليًا ضد المحتوى الذي يعزز الفتنة والانقسام. يجب على الناس أن يدركوا تأثير هذا النوع من الإعلام على المجتمع ويجب أن يرفضوا مشاركته أو دعمه بأي شكل من الأشكال.

يجب على الإعلام أن يكون أكثر التزامًا بالقيم الأخلاقية، وأن يتجنب نشر المحتوى الذي يؤدي إلى تصعيد التوترات المجتمعية. بدلاً من أن يركز الإعلام على نشر الوجوه المثيرة للفتنة، يجب أن يركز على القضايا التي تساهم في بناء المجتمع وتوحيده. في السياسة، كما في الحياة بشكل عام، لا يوجد صديق دائم أو خصم دائم. السياسة هي فن الممكن والمصالح، وليست فن الغباء كما يتصرف فادي والكثيرون مثله. هؤلاء الأشخاص يلوثون أفكار الناس وينشرون العداء. المشكلة الحقيقية تكمن في القنوات والمنصات الإعلامية التي تسمح لهم بالظهور لإثارة الفتنة.

ضرورة ميثاق الشرف الإعلامي

إن الإعلام ليس مجرد أداة لنقل الأخبار والترفيه، بل هو مسؤول عن تشكيل وعي المجتمع. لذلك يجب أن يكون للإعلام دور إيجابي في بناء السلام الاجتماعي والمساهمة في نشر الحقائق والأفكار البناءة. وإذا استمر الإعلام في نشر الوجوه المحرضة التي تبث الكراهية والانقسام، فإن من مسؤولية الجميع مقاطعتها.

على الإعلام أن يضع ميثاق شرف ينص على عدم السماح لهذه الشخصيات باستخدام المنصات الإعلامية للتحريض والفتن. يجب أن تكون هناك مقاومة شعبية ضد هؤلاء الذين يساهمون في نشر الكراهية. “كلهن يعني كلهن” هو الشعار الذي يجب تبنيه في هذه المرحلة. المقاطعة يجب أن تشمل كل من يساهم في نشر الكراهية والمحتوى المتطرف، وفادي أبو دية هو أحد هؤلاء الأشخاص الذين يجب أن يُقاطعوا. ليس فقط بسبب أفكاره المتطرفة، بل أيضًا بسبب تأثيره السلبي على الرأي العام.

إن مسؤولية الإعلام في تشكيل الرأي العام لا تقتصر على نقل الأخبار، بل تشمل أيضًا التأثير على توجهات المجتمع ومواقف الأفراد. وعندما يتحول الإعلام إلى أداة لتأجيج الفتن وإثارة الكراهية، فإن الواجب يحتم على الجمهور رفض هذه المنصات والمطالبة بميثاق شرف إعلامي يوقف هذا الانحراف. الإعلام يجب أن يكون وسيلة لتوحيد المجتمع وبناء الجسور بين الأفراد وليس أداة لتدمير نسيج المجتمع وتفريقه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى