احتلالٌ منخفض الكلفة، ومقاومةٌ تبحث عن نهاية

زياد ضاهر
الحرب في الجنوب لم تنتهِ. تغيّر نمطها، وتراجعت وتيرتها، وتبدّلت أدواتها، لكنّها لم تصل إلى نهايتها. ولعلّ الأخطر من استمرارها هو اعتياد استمرارها: قتلٌ متقطّع، تدميرٌ متدرّج، قرى معلّقة بين العودة والنزوح، وأرضٌ محتلّة، من دون أفقٍ واضحٍ لنهاية الحرب أو الاحتلال.
إنها رتابةٌ قاتلةٌ قد تتحوّل، مع الوقت، من وضعٍ استثنائي إلى واقعٍ مستدام. فالاحتلال يستولد، حكماً، وجوبَ مقاومته. لكنّ السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس عمّا إذا كان الاحتلال يستوجب مقاومةً، بل عن المعادلة التي يمكن أن تنشأ حول الاحتلال إذا طال أمده: مَن يدفع كلفة استمراره؟ ومَن يستطيع التكيّف معه؟ ومَن يستفيد سياسياً من بقائه؟ وهل يمكن أن نجد أنفسنا، بعد سنوات، أمام إعادة إنتاجٍ مشوّهةٍ لتجربة الجنوب بين عامي 1990 و2000؟
عندما كان الاحتلال مكلفاً
عاش لبنان بين عامي 1990 و2000 عشر سنواتٍ من حربٍ شبه مستمرّة في الجنوب، ضمن قواعد اشتباكٍ تبدّلت وتطوّرت مع الوقت. كانت إسرائيل تحتلّ شريطاً من الأرض اللبنانية، لكنَّ الأرض المحتلّة لم تكن أرضاً فارغة. كان فيها سكانٌ وبلداتٌ وقرى وحياةٌ يومية، وكان على الاحتلال أن يدير وجوده العسكري والأمني داخل بيئةٍ مأهولة.
احتاج ذلك إلى عديدٍ وعتاد، ومواقعَ وقواعدَ عسكرية، وطرق إمداد، ومنظومةٍ أمنيةٍ واسعة، في مقابل مقاومةٍ كانت تحاول باستمرار اختراق هذه المنظومة وضرب قوات الاحتلال وحلفائه، داخل الشريط المحتلّ وعلى خطوط التماس معه. كانت، إذن، للاحتلال كلفةٌ يومية، وهذا عاملٌ أساسي لفهم ما انتهت إليه تجربة عام 2000.
ماذا لو أصبح الاحتلال أقلّ كلفة؟
ماذا لو كانت إسرائيل قادرةً على الاحتفاظ بأرضٍ أو مواقعَ لبنانية، أو فرض منطقةٍ أمنيةٍ فعلية حولها، من دون أن تتحمّل الكلفة نفسها التي تحمّلتها في التسعينيات؟
إنَّ إفراغ مساحاتٍ حدودية من سكانها، وتدمير جزءٍ كبير من مقوّمات الحياة فيها، وتحويل العودة إليها إلى مسألةٍ شديدة الصعوبة، قد يجعل إدارة الوضع الجديد أقلّ كلفةً على إسرائيل من احتلال أرضٍ مأهولة كما كان الحال سابقاً. وهنا تنقلب المعادلة.
فالمشكلة لا تعود فقط في وجود الاحتلال، بل في احتمال نشوء احتلالٍ منخفض الكلفة لإسرائيل، مرتفع الكلفة على لبنان. إسرائيل تستطيع أن تقيس كلفة استمرار الوضع بحساباتٍ عسكرية وأمنية. أما لبنان فيدفع كلفةً مختلفة: أرضاً خارج السيطرة، وقرىً لا يعود أهلها إليها، ومنازل مدمّرة، واقتصاداً حدودياً مشلولاً، واستثماراتٍ مؤجّلة، وإعماراً لا يبدأ، وحياةً طبيعيةً لا تستعيد انتظامها. بذلك يصبح الزمن نفسه جزءاً من المعركة. عملياً إسرائيل قد قلبت المعادلة، فأصبحت استراتيجيتها رفع كلفة عودة اللبنانيين إلى الجنوب وإعادة إعماره، مع إبقاء كلفة وجودها العسكري محدودة
استيلاد المقاومة من الاحتلال
هنا نصل إلى الوجه الآخر للمعادلة. إذا طال الاحتلال، فإنّه سيستولد، بالضرورة، سؤال مقاومته. وهذا ليس موقفاً أيديولوجياً، بل منطقٌ سياسي وتاريخي عرفته الشعوب الواقعة تحت الاحتلال. وعندها سيقول حزب الله، ببساطة” هناك أرضٌ لبنانيةٌ محتلّة، وبالتالي هناك مقاومة”. فنعود إلى الحلقة نفسها احتلالٌ يستولد مقاومةً، ومقاومةٌ تستمدّ شرعيّة استمرارها من وجود الاحتلال.
وهنا تصبح عبارة فريدريك نيتشه شديدة الدلالة:”مَن يعيش من خلال محاربة عدوّ، تكون له مصلحةٌ
في بقاء عدوّه حيّاً”
ليس المقصود بذلك القول إنَّ حزب الله يريد الاحتلال الإسرائيلي، فهذا استنتاجٌ لا يمكن إثباته بهذه البساطة، بل إنَّ السؤال أكثر تعقيداً: هل يستطيع الحزب أن يستثمر موضوعياً في استمرار الاحتلال لإعادة إنتاج الوظيفة التي قام عليها في مرحلة التسعينيات؟
فماذا يحدث عندما لا يكون العدو مصدر التهديد فقط، بل يصبح أيضاً مصدراً للهويّة والوظيفة والشرعيّة؟ عندها قد يصبح إنهاء الصراع معضلةً بالنسبة إلى التنظيم، لأنّه لا يفقد عدوّاً فقط، بل يفقد معه جزءاً من مبرّر وظيفته. هكذا يمكن أن تتلاقى، من دون اتفاقٍ بينها، مصالح متناقضة ظاهرياً: احتلالٌ إسرائيلي منخفض الكلفة، وحالة مقاومةٍ تجد في استمرار الاحتلال مبرّراً متجدّداً لوجودها والخاسر بينهما هو لبنان.
لكنّ 2026 ليست 1996
وهنا تكمن خطورة استنساخ تجربة التسعينيات، قد تتشابه الصورة ظاهرياً: إسرائيل تحتلّ، وحزب الله يقاوم، والجنوب يتحوّل مجدّداً إلى ساحة حرب استنزاف. لكنّ الظروف المحيطة بالصورتين مختلفةٌ جذرياً.
فلبنان التسعينيات كان خارجاً من حربٍ أهلية، لكنّه دخل، في الوقت نفسه، مرحلة إعادة إعمار واسعة بقيادة الرئيس رفيق الحريري وبدعمٍ عربي ودولي كبير. وكانت الدولة تعيد بناء مؤسساتها واقتصادها وبنيتها التحتية، بالتوازي مع استمرار المواجهة في الجنوب.
وكانت المقاومة تعمل ضمن بيئةٍ سياسية وإقليمية مختلفة، وصولاً إلى تفاهم نيسان 1996 الذي أسّس لقواعد اشتباكٍ أخذت في الاعتبار واقع المقاومة ضد الاحتلال. أما اليوم، فقد تغيّرت البيئة بالكامل.
تغيّر النظام في دمشق، وتغيّرت موازين المنطقة، وتغيّرت النظرة الدولية إلى حزب الله، وتراجع الغطاء العربي الذي أحاط بالمعادلة اللبنانية في التسعينيات، فيما أصبحت علاقة الحزب بإيران جزءاً مركزياً من الصراع الإقليمي حول دوره وسلاحه.
والأهم أنَّ الاقتصاد اللبناني الذي سيدخل هذه الحرب الطويلة المحتملة ليس اقتصاد لبنان التسعينيات، ولا تبدو في الأفق حتى الآن إرادةٌ عربية أو دولية لتمويل إعادة إعمارٍ واسعة في ظل استمرار الصراع حول سلاح حزب الله والدور الإيراني في لبنان.
ومن هنا يصبح حساب الكلفة مختلفاً تماماً.
مَن يستطيع الانتظار أكثر؟
في حرب الاستنزاف، لا ينتصر دائماً مَن يطلق النار أكثر، بل قد ينتصر مَن يستطيع تحمّل الزمن وكلفته أكثر.
فإذا كانت إسرائيل تستطيع إبقاء مواقعَ أو أراضٍ تحت سيطرتها بكلفةٍ عسكرية محدودة، بينما يدفع لبنان في المقابل كلفة النزوح وتعطّل الإعمار وهروب الاستثمار وشلل المناطق الحدودية وتراجع الاقتصاد، فإنَّ الزمن لا يعمل بالضرورة لمصلحة لبنان.
وإذا كان حزب الله، في الوقت نفسه، قادراً على استخدام استمرار الاحتلال لإعادة تعريف نفسه باعتباره “المقاومة” المطلوبة لتحرير الأرض، فإنّ الزمن قد يعمل لمصلحة إعادة إنتاج دوره أيضاً.
وهنا تظهر المفارقة الأخطر فقد يصبح استمرار هذا الوضع قابلاً للتحمّل، كلٌّ لأسبابه، لدى إسرائيل وحزب الله، فيما يصبح أكثر كلفةً على لبنان نفسه، فاسرائيل تستطيع التعايش مع احتلالٍ محدود، وحزب الله يستطيع التعايش مع مقاومةٍ طويلة، لكن، هل يستطيع لبنان التعايش مع الاثنين؟
فالمشكلة تكمن في تحوّل العلاقة بين الاحتلال والمقاومة إلى نظامٍ مستدام لإدارة الصراع، لكلّ طرفٍ فيه حساباته ومصالحه وقدرته على الاحتمال، فيما يدفع لبنان الكلفة الأكبر.
وعندها لا نكون أمام إعادة إنتاج تجربة 1990–2000 فعلاً، بل أمام نسخةٍ أكثر خطورةً من التسعينيات حيث كان الاحتلال مكلفاً لإسرائيل، وكانت المقاومة جزءاً من مسارٍ انتهى بانسحاب عام 2000. هل تقود هذه المقاومة إلى نهاية الاحتلال، أم أنّنا دخلنا في معادلةٍ يستولد فيها الاحتلالُ المقاومة، وتستولد المقاومةُ بدورها صراعاً يمتدّ إلى ما لا نهاية؟.



