خبر عاجلمقالات

وسط تعثر التسوية واستمرارالصراع أين موقع المصلحة الوطنية؟ – زكــي طه

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

وسط تعثر التسوية واستمرارالصراع أين موقع المصلحة الوطنية؟ – زكــي طه

 

كتب زكــي طـه في بيروت الحرية

 

لا تكمن الصعوبة في قراءة اللحظة اللبنانية الراهنة في نقص المعطيات، إنما في كثرتها وتناقض الإشارات الصادرة عنها. التفاوض قائم ومتعثر في آن، والوسطاء كُثر وقدرتهم على إنتاج التسويات محدودة، والضغوط العسكرية والسياسية والمالية تتصاعد بالتوازي مع الحديث عن الضمانات والمخارج، ولبنان يقف عند تقاطع مسارين أكبر منه: الصراع الأميركي – الإيراني من جهة، والمشروع الإسرائيلي بنسخته الجديدة الحاشدة بشروط الأمن والاخضاع والعلاقات الإقليمية من جهة أخرى.

 

من الخطأ التعامل مع كل رسالة أو تسريب أو قناة خلفية بوصفها حقيقة مكتملة، لكن تراكمها يسمح بقراءة الاتجاه العام لمسار الاحداث والتطورات، في مرحلة البحث عن وقف للحرب والتفاوض على شكل التوازنات التي تعقبها، بما فيها موقع حزب الله وسلاحه والدولة اللبنانية. وعليه يصبح السؤال الأساسي: أي لبنان يُراد له أن يخرج من هذه المفاوضات؟

 

تعثر اتفاق الإطار لا يعني سقوطه

 

أظهرت الجولات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي عقدت برعاية أميركية، أن اتفاق الإطار الذي وُقع بينهما، لم يفتح طريقاً سريعاً نحو التسوية. فالجولة السابعة في روما لم تنتج اختراقاً حاسماً، لأن مسائل الانسحاب الإسرائيلي، والمناطق التجريبية، ودور الجيش، والتحقق، وسلاح حزب الله، بقيت موضع خلاف وتفاوض. في المقابل، لم تعلن واشنطن التخلي عن الاتفاق، وظلت تتحدث عن استمرار مسار التفاوض، ولو مع تأخير أو تعديل في آليات التنفيذ.

 

من المؤكد أن جوهر المشكلة يكمن في الاتفاق الذي يستهدف معالجة قضية سياسية وأهلية كبرى بأدوات أمنية وعسكرية. ولذلك يُطلب من الدولة توسيع سلطتها واحتكار السلاح، وهي أهداف وطنية لا خلاف على ضرورتها من موقع بناء الدولة، لكن تحقيقها لا يمكن أن يتم عبر الاتفاق على خرائط الانتشار العسكري، أو تحت ضغط الاحتلال الإسرائيلي.

 

والدولة التي يفترض أن تستعيد قرارها لا تستطيع أن تفعل ذلك إذا تحولت مؤسستها العسكرية إلى أداة لتنفيذ شروط إسرائيلية، أو إذا دُفعت إلى مواجهة داخلية مع شريحة لبنانية واسعة. وفي المقابل، لا تستطيع الدولة أن تكون دولة إذا بقي حزب مسلح يحتفظ لنفسه بحق قرار الحرب والسلم وربط لبنان باستراتيجية دولة أخرى.

 

لا عودة إلى ما قبل الاتفاق

 

إن تعثر التطبيق لا يعني أن العودة إلى الوضع السابق باتت ممكنة. لقد تغيرت موازين القوى، وتعرض حزب الله لضربات عسكرية وسياسية كبيرة، وتوسعت السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وانتقل لبنان من التفاوض غير المباشر إلى المفاوضات المباشرة. كما أن ملف السلاح أصبح جزءاً معلناً من أي تصور دولي لترتيبات المرحلة المقبلة.

 

لذلك فإن الرهان على أن الوقت يعيد عقارب الساعة إلى الوراء لا يبدو واقعياً. وفي المقابل، فإن الرهان الآخر، الذي يفترض أن الضغط الإسرائيلي والأميركي قادر وحده على إنتاج دولة لبنانية قوية ونزع السلاح وإنهاء الأزمة، لا يقل عنه تبسيطاً. لأن المصلحة اللبنانية لا يمكن اختزالها في نجاح الوساطة الاميركية أو فشلها، فإسرائيل لا تخوض هذه الحرب لبناء الدولة اللبنانية. وهي تنطلق من مفهوم أمنها ومصالحها، وتسعى إلى توسيع هامش حريتها العسكرية وفرض ترتيبات تحول دون قيام قوة تهددها مستقبلاً.

 

والولايات المتحدة، حتى عندما تضبط الإيقاع الإسرائيلي أو تمنع بعض أشكال التصعيد، لا تتحرك بوصفها ضامناً محايداً للمصلحة اللبنانية، بل من صلب استراتيجيتها الإقليمية وتحالفها مع إسرائيل.

 

حزب الله بين السلاح والبقاء السياسي

 

في المقابل يواجه حزب الله، بدوره انتقالاً بالغ الصعوبة. فالقضية لم تعد فقط كيف يحتفظ بالسلاح، بل بكيفية الحفاظ على موقعه السياسي والاجتماعي في لبنان بعد تغير البيئة الإقليمية وموازين القوى الداخلية.

 

و في هذا السياق تكتسب الأنباء المتكررة عن رسائل أو قنوات غير مباشرة بينه وبين الأميركيين أهميتها من هذه الزاوية، لا بوصفها حقائق نهائية يمكن البناء عليها، بل باعتبارها مؤشراً إلى أن جميع الأطراف تبحث عن مخارج تتجاوز الخطابات العلنية.

 

قد تكون واشنطن معنية بمعرفة ما الذي يمكن أن يقبله الحزب، وقد يكون الحزب معنيا باستكشاف الضمانات الممكنة لمستقبله السياسي والاجتماعي مقابل انتقال تدريجي في قضية السلاح. لكن ذلك لا يجعل التفاهم سهلاً. فبالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، المطلوب هو إنهاء الوظيفة العسكرية المستقلة للحزب ومنع إعادة بناء قدراته. أما الحزب، فيربط أي بحث في السلاح بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وإعادة الإعمار والضمانات المتعلقة بمستقبل بيئته ودوره. وبين الموقعين توجد مسافة لا تعالجها قناة خلفية وحدها.

 

هل لبنان ملف إيراني؟

 

وتزداد المسألة تعقيداً عند الانتقال إلى العلاقة الأميركية – الإيرانية. لا يعني ذلك أن كل تفاصيل الملف اللبناني تنتظر تلقائياً اتفاقاً بين واشنطن وطهران. لقد سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى بناء مسار لبناني مستقل نسبياً، والنتيجة تفاوض مباشر بين لبنان وإسرائيل، شكل محاولة لفصل هذا المسار عن القرار الإيراني.

 

لكنه من غير الواقعي أيضاً الاعتقاد أن الفصل يمكن أن يكون كاملاً. فحزب الله جزء من شبكة النفوذ الإقليمية الإيرانية، ومستقبل سلاحه ووظيفته يرتبطان بمستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

 

والتطورات الأخيرة تزيد هذه الحقيقة وضوحاً. فبعد فترة من المحاولات التفاوضية والضغوط الاقتصادية، تكرر الاشتباك العسكري الأميركي – الإيراني خلال شهر آب، ما أعاد إلى الواجهة احتمال انتقال الصراع مجدداً من حافة التفاوض إلى حافة المواجهة المفتوحة. وبذلك بات لبنان محشوراً بين خيارين معقدين: تسوية إقليمية أو حرب إقليمية. والأدق أنه أصبح أسير مسار متحرك يجمع التفاوض والضغط والعقوبات والعمليات العسكرية والرسائل غير المباشرة في وقت واحد.

 

تزامن فصل وربط المسارات

 

ليس صعباً فهم ما يبدو تناقضاً في السياسات الأميركية. فواشنطن تستطيع أن تصر على أن التفاوض الرسمي يجري مع الدولة اللبنانية، وأن تسعى في الوقت عينه عبر وسطاء لمعرفة موقف حزب الله. ويمكنها أن تفصل التفاوض اللبناني – الإسرائيلي عن المسار الإيراني، لكنها تدرك أن التسوية النهائية لمسألة الحزب يصعب أن تكون منفصلة كلياً عن إيران.

 

من الواضح أن السياسة الأميركية قادرة على فصل الملفات إجرائياً كي تمنع امتلاك إيران حق النقض على المسار اللبناني، وعلى إعادة ربطها استراتيجياً عندما يتعلق الأمر بالتسوية الإقليمية الأوسع.

 

ويتوافق هذا الأداء مع الوجهه الاسرائيلية، وإن من موقع أكثر تشدداً، لأنها تريد أن يبقى الملف اللبناني محكوماً بصورة مباشرة بميزان القوة الخاص بها، لا بمقايضة أميركية – إيرانية قد تمنح طهران أوراقاً في لبنان.

 

وهنا يكمن أحد وجوه التباين بين واشنطن وتل أبيب: ليس على الهدف المتعلق بإضعاف حزب الله وإنهاء وظيفته العسكرية المستقلة، بل على كيفية تحقيقه، وعلى مقدار ما يمكن أن يدخل منه في تسويات إقليمية أوسع.

 

إدارة طويلة للمرحلة الانتقالية

 

وعليه، لا تبدو التسوية الشاملة قريبة، كما أن الحرب الشاملة ليست قدراً محتوماً، رغم ارتفاع مستويات التصعيد الأميركي – الإيراني. والأرجح، إذا لم يحدث تحول كبير في موازين القوى، نشهد عندها استمرار مرحلة انتقالية طويلة نسبياً:

 

ضغط إسرائيلي عسكري وأمني مستمر، تفاوض لبناني – إسرائيلي متعثر يتقدم في بعض التفاصيل ويتراجع في أخرى، ضغط أميركي متزايد على الدولة وحزب الله، بحث عن صيغ مرحلية للسلاح وانتشار الجيش، رسائل وقنوات تفاوض مباشرة وغير مباشرة، وربط متحرك بين الملف اللبناني والتطورات الإيرانية.

 

يعني ذلك، أننا أمام إدارة لملفات الصراع قبل نضوج شروط التسوية. وهذا أكثر خطورة مما قد يبدو، لأن الزمن ليس محايداً. فاستمرار الاحتلال والاعتداءات المتواصلة، يدعم حجة حزب الله في الاحتفاظ بالسلاح. واستمرار السلاح يقدم لإسرائيل الذريعة لمواصلة الاحتلال والعمليات العسكرية. وبين الاثنين تتآكل الدولة، وتتزاحم ملفات الازمة الاقتصادية – الاجتماعية، ويتواصل تهجير الجنوبيين، وتتأخر إعادة الإعمار، ويتعمق الانقسام الداخلي.

 

المصلحة اللبنانية الغائبة

 

هنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: أين لبنان في كل هذه الحسابات؟ فليس من المصلحة اللبنانية أن يبقى حزب الله ورقة تفاوض إيرانية، أو أن تصبح الدولة أداة لتنفيذ تصور إسرائيلي للأمن، ولا أن تنتظر القوى الحاكمة التسوية التي سيصنعها الآخرون كي تتكيف معها.

 

إن استعادة القرار الوطني تبدأ من رفض هذه الخيارات الثلاثة معاً. لأن المصلحة اللبنانية تقتضي الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف الاعتداءات، كما تقتضي في الوقت نفسه مساراً لبنانياً واضحاً لاستعادة الدولة احتكار استعمال السلاح وقرار الحرب والسلم.

 

وتحقيق هكذا انجاز يستدعي الخروج على معادلة تبادل التعطيل: لا إسرائيل تستطيع أن تجعل الانسحاب مكافأة مسبقة على نزع السلاح، ولا حزب الله يستطيع أن يجعل استمرار الاحتلال مبرراً دائماً لاستمرار سلاحه خارج الدولة. يعني ذلك أن الحل لا يكون بإرسال الجيش إلى مواجهة أهلية، بل ببناء تسوية وطنية تعيد السلاح والقرار إلى الدولة بالتوازي مع استعادة الأرض والحقوق.

 

من انتظار التسوية إلى صناعة الموقع الوطني

 

المشكلة الأساسية في اللحظة الراهنة أن لبنان ما يزال، إلى حد بعيد، موضوعاً للمفاوضات أكثر منه طرفاً يصنع شروطها.

 

واشنطن تفاوض وتضغط، إيران تدافع عن موقعها وأوراقها، إسرائيل تسعى إلى تثبيت نتائج تفوقها العسكري، وحزب الله يحاول الحفاظ على دوره وموقعه.

 

أما لبنان، فمصلحته الوطنية لا تزال موزعة بين رهانات متعارضة. ولهذا فإن القضية لا تختصر في نجاح اتفاق الإطار أو فشله، ولا في وجود اتصال أميركي بحزب الله أو عدم وجوده، ولا حتى في مصير الجولة المقبلة من المفاوضات.

 

القضية الأعمق هي ما إذا كان اللبنانيون قادرون، في قلب هذا التحول الإقليمي، على إعادة بناء مجال وطني مستقل، يرفض أن تكون بلادهم ساحة للمشروع الإيراني، أو امتداداً للأمن الإسرائيلي، أو مجرد ملف في خزائن الإدارة الأميركية للمنطقة.

 

فالمرحلة التي نمر فيها لا تقود حكماً إلى السلام، كما أنها لا تعني العودة الحتمية إلى الحرب الشاملة. إنها مرحلة صراع على إعادة انتاج توازنات وشروط المرحلة المقبلة. ومن لا يدخل هذا الصراع بمشروعه الوطني الخاص، سيدخل في نهاية المطاف ضمن مشروع الآخرين.

 

لذلك فإن السؤال اللبناني اليوم ليس فقط: إلى أين تتجه المفاوضات؟ بل: بأي دولة، وبأي قرار وطني، وبأي موقع في المنطقة يريد لبنان أن يخرج منها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى