خبر عاجلسياسة

واشنطن ليست المحطة الأخيرة… اختبار عون يبدأ في بيروت

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

واشنطن ليست المحطة الأخيرة… اختبار عون يبدأ في بيروت

 

مناشير

لم تعد زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن مجرد محطة دبلوماسية لطلب الضغط الأميركي من أجل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، بل تحولت إلى اختبار سياسي يتجاوز حدود العلاقة اللبنانية – الأميركية، ليطال مستقبل الدولة اللبنانية نفسها وكيفية استعادة قرارها الأمني والعسكري.

فالمؤشرات التي سبقت اللقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب توحي بأن واشنطن تنظر إلى المرحلة المقبلة كوحدة متكاملة: انسحاب إسرائيلي تدريجي، انتشار كامل للجيش اللبناني، وحصر السلاح بيد الدولة ضمن جدول زمني واضح. أما بيروت، فتسعى إلى تعديل ترتيب هذه المعادلة، معتبرة أن أي حديث عن معالجة ملف السلاح لا يمكن أن يسبق إنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات الإسرائيلية.

هذا التباين لا يعكس خلافاً على المبدأ بقدر ما يكشف اختلافاً في الأولويات. فالدولة اللبنانية تعلن منذ سنوات أن احتكار السلاح من ركائز قيامها، لكن تحويل هذا الهدف إلى بند في تفاهم دولي ترعاه واشنطن ويُقدَّم باعتباره شرطاً للانسحاب الإسرائيلي يغيّر طريقة تلقفه داخلياً. ففي السياسة، لا تقل رمزية التوقيت عن أهمية المضمون، وما يُنظر إليه كمشروع وطني قد يُفسَّر، إذا ارتبط بالضغوط الخارجية، على أنه استجابة لإملاءات أكثر منه خياراً سيادياً.

من هنا تبرز أهمية ما تردد عن حمل عون تصوراً مكتوباً لمعالجة ترسانة “حزب الله”. فالمسألة لم تعد محصورة بإعلان نوايا حول حصرية السلاح، بل انتقلت إلى البحث في آليات التنفيذ وضماناته ومراحله. وهذا انتقال بالغ الحساسية، لأنه يفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بالصلاحيات والغطاء السياسي والتوافق الداخلي، وهي عناصر لا يمكن لأي تفاهم خارجي أن يحل محلها.

التحدي الحقيقي لا يكمن في إقناع الإدارة الأميركية، بل في القدرة على بناء توافق لبناني حول أي مسار تنفيذي. فالرئيس، مهما بلغت صلاحياته، لا يستطيع منفرداً إدارة ملف بهذا الحجم. والحكومة والجيش والقوى السياسية ستكون جميعها شركاء في أي قرار، فيما يبقى موقف “حزب الله” عاملاً حاسماً في تحديد فرص نجاح أي خطة أو تعثرها.

في المقابل، تبدو الضمانات الأميركية، مهما بلغت قوتها، محدودة بقدرتها على التأثير في إسرائيل وليس على فرض توافق داخل لبنان. كما أن تجربة السنوات الماضية تجعل اللبنانيين يتعاملون بحذر مع أي وعود تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي، خشية أن تتحول الالتزامات اللبنانية إلى خطوات منفذة، فيما يبقى الانسحاب رهناً بتقديرات إسرائيلية متبدلة.

لهذا، فإن نجاح أي تفاهم لن يتوقف على حجم الضغوط الأميركية، بل على وجود آلية واضحة تربط كل خطوة لبنانية بخطوة إسرائيلية مقابلة، ضمن جدول زمني محدد ورقابة تضمن عدم تبديل الشروط خلال التنفيذ. فغياب هذه المعادلة سيعيد إنتاج الأزمة نفسها، ويجعل كل طرف يتهم الآخر بعدم الالتزام.

في النهاية، قد ينجح جوزاف عون في انتزاع دعم سياسي من واشنطن، وربما يحصل على تعهدات بشأن الانسحاب أو دعم الجيش وإعادة الإعمار. إلا أن الامتحان الفعلي لن يكون في البيت الأبيض، بل في بيروت. هناك فقط سيتحدد ما إذا كانت التفاهمات الخارجية ستتحول إلى مشروع وطني يعزز سلطة الدولة، أم أنها ستدخل في دوامة الانقسامات اللبنانية وتصبح عنواناً لأزمة جديدة.

فالسيادة لا تُستعاد بالوعود وحدها، ولا تُبنى بالضغوط الخارجية، بل بتوافق داخلي يجعل الدولة المرجعية الوحيدة القادرة على حماية الأرض وإدارة السلاح واحتكار قرار الحرب والسلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى