من نقص المدرسين إلى أزمة الدولة.. لماذا تصاعدت احتجاجات الطلاب في فرنسا؟ – سعيد عيسى

د. سعيد عيسى
يكشف غياب المدرسين في المدارس الفرنسية كيف يمكن لخلل يومي في خدمة عامة أن يتحول إلى احتجاج سياسي يضع الدولة أمام أسئلة العدالة الاجتماعية والمساواة وتراجع الثقة بمؤسساتها. في 17 أيلول\سبتمبر، انضم طلاب ثانوية سانت-إكزوبيري في كريتاي، جنوب شرقي باريس، إلى إضراب مدرّسيهم احتجاجًا على نقص المدرسين والموظفين، وتدهور المرافق وتسرب المياه وارتفاع درجات الحرارة داخل الفصول. وخلال الأسابيع التالية، انتقلت الاحتجاجات إلى مدارس وجامعات أخرى، وانضمت إليها نقابات وأهالٍ، لتتحول أزمة التعليم من مجموعة شكاوى محلية إلى مواجهة حول قدرة الدولة على ضمان خدمة عامة عادلة في ظل الضغوط المالية.
تكمن أهمية هذه الاحتجاجات في أنها لا تقتصر على المطالبة بتحسين ظروف الدراسة. فالمدرس الغائب والفصل المكتظ والمبنى الذي لا يحمي الطلاب من الحر ليست تفاصيل إدارية منفصلة عن السياسة العامة. إنها تجارب يومية تكشف الفجوة بين ما تعد به الدولة وما يستطيع المواطن الحصول عليه فعليًا. وعندما تتكرر هذه التجارب وتتسع، يصبح الخلل في المدرسة مدخلًا إلى مساءلة أوسع عن توزيع الموارد والفرص، وعن معنى المساواة في مجتمع يفترض أن التعليم العام أحد أدوات تحقيقها.
مدرسة تحت الضغط
تظهر الأرقام المتداولة في النقاش الفرنسي حجم المشكلة. فبحسب بيانات نقابية أوردتها التغطيات، تفتقد نسبة كبيرة من المدارس المتوسطة والثانوية مدرسًا واحدًا على الأقل، فيما تواجه مؤسسات أخرى نقصًا في موظفي الدعم. وقد يصل عدد الطلاب في بعض الفصول إلى 35 طالبًا. وفي الوقت نفسه، تعاني مهنة التعليم ضعف الجاذبية الاجتماعية والمهنية، بما يطرح سؤالًا يتجاوز سد الشواغر الآنية إلى قدرة النظام على استقطاب المدرسين والاحتفاظ بهم.
وتضيف أزمة المناخ بُعدًا آخر. فقد أظهر مسح لنقابة SNES-FSU شمل 623 مدرسة أن 78 في المائة منها سجلت درجات حرارة تتجاوز 30 درجة مئوية، وأن مدرسة من كل خمس سجلت أكثر من 33 درجة. ولم تكن سوى 21 في المائة من المدارس قد خططت لإجراءات لمواجهة الحرارة الشديدة. بهذه المعطيات، لم تعد أزمة المناخ موضوعًا بعيدًا عن الحياة اليومية للطلاب؛ إنها تدخل الفصل الدراسي، وتؤثر في شروط التعلم، وتكشف مدى استعداد المؤسسات العامة للتكيف مع واقع يتغير بسرعة.
وفي الجامعات، تتخذ الأزمة شكلًا آخر. فقد ارتفع عدد الطلاب في جامعة باريس الأولى من نحو 35 ألفًا إلى 45 ألفًا خلال عقد، من دون زيادة متناسبة في الميزانية. وتواجه الجامعة، وفق تقرير Franceinfo عن نقص تمويل الجامعات، ضغوطًا مالية تهدد قدرتها على مواصلة التدريس والبحث وصيانة الأبنية. وتكشف هذه الحالة مشكلة أوسع: توسيع فرص الوصول إلى التعليم لا يحقق المساواة إذا لم تواكبه موارد كافية تضمن جودة التعليم نفسه.
لا تتوزع آثار هذه الأزمة بالتساوي. ففي الضواحي الفقيرة المحيطة بباريس، ولا سيما سين-سان-دوني، تتقاطع الأبنية المتدهورة ونقص المدرسين مع الفوارق بين المدارس العامة والخاصة. ويشير تحليل مؤسسة روزا لوكسمبورغ عن احتجاجات الطلاب في فرنسا إلى الصلة بين التفاوت الاجتماعي والفرص التعليمية. فحين تستطيع الأسر الميسورة تعويض بعض أوجه القصور في المدرسة العامة عبر الدروس الخاصة أو خيارات تعليمية أخرى، تصبح قدرة الطلاب على النجاح مرتبطة، جزئيًا، بالموارد التي تمتلكها أسرهم، لا بجهدهم وحده.
من الخدمة إلى السياسة
تفسر هذه الظروف انتقال الاحتجاج من المطالب المدرسية المباشرة إلى برنامج اجتماعي أوسع. فقد شملت مطالب اتحاد الطلاب الفرنسي ترميم المدارس والجامعات، وتوظيف مدرسين وممرضين وأخصائيين نفسيين ومرشدي توجيه، وزيادة المنح، وبناء مساكن جامعية، وتوفير وجبة منخفضة الكلفة للطلاب، إلى جانب الاعتراض على آليات الانتقاء الجامعي والرسوم التفاضلية المفروضة على الطلاب من خارج الاتحاد الأوروبي. ويمكن الاطلاع على هذه المطالب في برنامج اتحاد الطلاب الفرنسي.
لا تمثل هذه المطالب بالضرورة موقف كل طالب شارك في الاحتجاج، لكنها تكشف الاتجاه الذي يحاول الاتحاد تنظيمه سياسيًا: التعليم ليس مجرد خدمة ينبغي إدارتها بأقل كلفة، بل حق عام يتطلب تمويلًا يراعي حاجات الطلاب والفوارق الاجتماعية بينهم. ومن هنا، يصبح الاعتراض على نقص المدرسين مرتبطًا بالاعتراض على محدودية المقاعد الجامعية، وارتفاع كلفة السكن والطعام، وضيق فرص المنح. إنها حلقات في تجربة واحدة يشعر فيها الطلاب بأن الانتقال من المدرسة إلى الجامعة، ثم إلى العمل، أصبح أكثر خضوعًا للانتقاء الاجتماعي وأقل ضمانًا.
في خلفية هذه المطالب تقف معضلة مالية وسياسية. فالحكومة مطالبة بخفض العجز والدين العام، في وقت يتسم بالنمو الضعيف وارتفاع كلفة الاقتراض، بينما تواجه المؤسسات التعليمية احتياجات متراكمة. لكن الاختيار بين الانضباط المالي وتمويل الخدمات العامة ليس مسألة محاسبية محضة؛ إنه يتصل بتحديد الأولويات الاجتماعية وبكيفية توزيع كلفة الأزمات. وإذا كان نقص المدرسين والصيانة نتيجة سنوات من عدم مواكبة الموارد لأعداد الطلاب، فإن معالجة الشواغر وحدها لن تعالج الأسباب التي أنتجتها.
تكتسب المسألة بعدًا سياسيًا إضافيًا لأن التعليم العام يشكل أحد الوعود الأساسية للجمهورية الفرنسية: أن تمنح المدرسة أبناء الأسر المختلفة فرصة للترقي الاجتماعي، بصرف النظر عن خلفياتهم. وعندما تتسع الفجوة بين هذا الوعد والخبرة اليومية، لا يعود الاحتجاج دفاعًا عن راحة الطلاب، بل يصبح اعتراضًا على تراجع إحدى المؤسسات التي تستند إليها شرعية الدولة الاجتماعية.
وقد تعهدت الحكومة، في 9 تشرين الأول\أكتوبر، بإرسال ثلاثة آلاف مدرس مؤهل لم يبدأوا عملهم بعد إلى المدارس التي تعاني نقصًا، في خطوة وصفتها رويترز بأنها أول مكسب ملموس للمحتجين. غير أن الاستجابة للشواغر لا تعادل خطة طويلة الأمد لمعالجة النقص في الكوادر والتمويل والبنية التحتية. وسيظل الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت التعهدات ستتحول إلى مدرسين داخل الفصول، ومبانٍ صالحة، وموارد تتناسب مع أعداد الطلاب.
جيل مختلف
تستدعي الاحتجاجات المقارنة مع أيار\مايو 1968، حين بدأ تحرك طلابي في الجامعات الفرنسية ثم اتسع وانضم إليه العمال، وصولًا إلى إضراب عام واسع. لكن المقارنة تصبح مضللة إذا افترضنا أن طلاب اليوم يعيدون إنتاج التجربة نفسها. فقد تحركت قطاعات مؤثرة من طلاب الستينيات داخل فضاء فكري كانت حاضرة فيه الماركسية والتيارات التروتسكية والماوية والاشتراكية المناهضة للإمبريالية، إلى جانب نقد السلطة الأبوية والجامعة الهرمية والمجتمع الاستهلاكي. وكانت الأحزاب والنقابات والمنظمات الطلابية أدوات أساسية للتعبئة.
أما الاحتجاجات الحالية، فلا تظهر بوصفها حركة موحدة خلف عقيدة سياسية واحدة. يبدأ كثير من المشاركين من تجربة مباشرة: مدرس غائب، فصل مكتظ، مبنى غير صالح للدراسة، أو قلق من مستقبل تعليمي ومهني أكثر صعوبة. ثم تتسع المطالب لتلامس قضايا العدالة الاجتماعية والمناخ والحقوق والعلاقة بالشرطة. وهذا لا يعني أن الحركة خالية من الأيديولوجيا، بل إن الأفكار السياسية لا تصل إلى المشاركين بالضرورة عبر حزب أو تنظيم، وإنما قد تتشكل من خلال الخبرة اليومية والاحتكاك بالمؤسسات والتواصل مع طلاب يعيشون مشكلات مشابهة.
هنا تظهر أهمية الشبكات الرقمية. لم تصنع وسائل التواصل الاجتماعي نقص المدرسين أو تدهور الأبنية، لكنها ساعدت في تحويل المشكلات المحلية إلى دليل على أزمة وطنية. يستطيع طالب في ضاحية باريس أن يرى أن ما يحدث في مدرسته يتكرر في أماكن أخرى، وأن يربط تجربته الفردية بمطالب أوسع. وتمنح هذه الشبكات الحركة سرعة الانتشار، ولغة ساخرة، وأشكالًا من التنسيق لا تتطلب بالضرورة قيادة مركزية واحدة. لكنها لا تضمن، في المقابل، بناء تنظيم مستدام أو الاتفاق على برنامج سياسي موحد.
لهذا ينبغي التعامل بحذر مع وصف المشاركين بأنهم «جيل زد». فالتسمية تساعد في الإشارة إلى بيئة رقمية وثقافية مشتركة، لكنها لا تفسر وحدها أسباب الاحتجاج ولا الفوارق بين المشاركين. كما أن المقارنة مع 1968 لا ينبغي أن تتحول إلى اختبار يبحث عن نسخة معاصرة من الثورة القديمة. وتناقش مقالة TIME عن استعادة رموزأيار\مايو 1968 ودراسة The Conversation عن مخاطر المقارنة السياسية مع 1968 كيف يمكن للذاكرة التاريخية أن تمنح الاحتجاج رموزًا وشرعية، لكنها قد تحجب أيضًا الاختلاف بين السياقات والأجيال.
الأدق أن الحركة تجمع بين مطالب اجتماعية ذات صلة واضحة بأفكار اليسار، وحساسيات بيئية وحقوقية، وأشكال تعبئة رقمية، من دون أن تتطابق بالضرورة مع برنامج حزبي. وقد يجد فيها طالب يساري دفاعًا عن الخدمات العامة، فيما يشارك آخر لأنه يريد مدرسًا في صفه أو مقعدًا جامعيًا أو وسيلة نقل وسكنًا يمكن تحمل كلفتهما. هذا التنوع يوسع قاعدة الاحتجاج، لكنه يجعل الاتفاق على أولوياته ووجهته السياسية أكثر صعوبة.
من يملك الاحتجاج
لم تنشأ المطالب كلها من الأحزاب، لكن اتساع الحركة جعلها موضع تنافس على تفسيرها وتمثيلها. فقد رأى جان لوك ميلانشون وحزب «فرنسا الأبية» فيها تعبيرًا عن غضب اجتماعي، بينما اتهمت الحكومة وقوى من اليمين اليسار الراديكالي بمحاولة استثمار الاحتجاجات سياسيًا. وتناولت نيويورك تايمز هذا التوتر، موضحة كيف يمكن أن تمثل الاحتجاجات فرصة لليسار الراديكالي، وفي الوقت نفسه تحديًا له إذا عجز عن تحويلها إلى دعم سياسي مستقر.
لكن اختزال الحركة في صراع الأحزاب يخطئ في فهم منشئها. فقد كان المدرسون والنقابات التعليمية من أبرز حلفائها، وانضم إليهم طلاب جامعات وأساتذة وموظفون وأهالٍ. وتكشف هذه التحالفات أن القضية تتجاوز العلاقة بين الطالب والمؤسسة التعليمية؛ إنها تمس العاملين في الخدمة العامة والأسر التي تعتمد عليها، وتضع على المحك قدرة الدولة على توفير التعليم بشروط عادلة.
ويزيد التعامل الأمني مع الاحتجاجات من تعقيد المشهد. فقد وثقت التغطيات الصحفية استخدام الغاز المسيل للدموع ووقوع مواجهات واعتقالات وإصابات خلال إغلاق المدارس والتظاهرات. ويقتضي تقييم هذه الأحداث التمييز بين أعمال العنف التي قد تقع خلال بعض التحركات، وحق الطلاب في الاحتجاج السلمي، ومدى تناسب استخدام القوة. كما أن اتساع المواجهة الأمنية قد يدفع النقاش بعيدًا عن الأسباب التي أطلقت الاحتجاج، ويحوّل الاهتمام من نقص المدرسين والتمويل إلى النظام العام وحده. وقد تناولت رويترز في تغطيتها يوم 6 تشرين الأول\ أكتوبر المواجهات والاضطرابات المصاحبة للاحتجاجات.
لا يتوقف مستقبل الحركة على عدد المدارس التي ستُغلق أو حجم التظاهرات المقبلة، بل على قدرتها على تحويل مطالبها إلى تغييرات قابلة للقياس، وعلى قدرة الحكومة على الاستجابة بما يتجاوز الحلول المؤقتة. وفي الوقت نفسه، سيتوقف مسارها السياسي على ما إذا كانت التحالفات بين الطلاب والمدرسين والأهالي ستستمر حول أهداف واضحة، أم ستتفرق تحت ضغط التنافس الحزبي وتباين الأولويات.
لا تكمن دلالة الاحتجاجات الفرنسية في أنها تعيد أيار\مايو 1968، ولا في أنها تمثل جيلًا متجانسًا يحمل تصورًا سياسيًا واحدًا. أهميتها أنها تكشف كيف يمكن لمشكلات تبدو يومية ومحدودة أن تفتح سؤالًا عن الدولة والعدالة والتمثيل. فحين يعجز التعليم العام عن توفير شروط متقاربة للتعلم، تصبح المدرسة أكثر من مؤسسة تعليمية: إنها المكان الذي يختبر فيه جيل جديد ما إذا كانت المساواة التي تعد بها الجمهورية ما تزال قابلة للتحقق.



