خبر عاجلسياسةمقالات

مضيق الخردلي… هرمز الجنوب اللبناني – رياض عيسى

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365
مضيق الخردلي… هرمز الجنوب اللبناني – رياض عيسى
رياض عيسى
ليس كل مضيقٍ يفصل بين ضفتين، وليس كل طريقٍ يُقاس بعرضه أو بطوله. هناك طرقات تتحول، بفعل الجغرافيا والتاريخ، إلى شرايين حياة. وإذا انقطع الشريان، لا يتوقف السير فقط، بل تضيق الحياة نفسها.
هكذا هو مضيق الخردلي بالنسبة إلى أبناء حاصبيا ومرجعيون والقرى المحيطة بهما.
فالطريق الذي يربط هذه المنطقة بالنبطية وصيدا وبيروت ليس مجرد خط على خارطة، ولا طريقاً يمكن استبداله ببضعة كيلومترات إضافية. إنه الممر الطبيعي الذي حمل، لعقود، الطلاب إلى جامعاتهم، والموظفين إلى أعمالهم، والعسكريين إلى مراكز خدمتهم، والمزارعين إلى أسواقهم، والتجار إلى زبائنهم، والأهالي إلى قراهم، والزوار إلى واحدة من أجمل مناطق لبنان.
لكن حين يُغلق هذا الطريق، يصبح الوصول إلى هذه المنطقة رحلة شاقة، مكلفة، طويلة، وأحياناً محفوفة بالخطر.
طريق أُغلق بالأمس… ويُغلق اليوم
للخردلي ذاكرة ثقيلة.
فقد أُغلق هذا الممر منذ عام 1977، وبقي مقفلاً حتى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. واليوم، وبعد عقود، يعود المشهد نفسه بصورة جديدة، إذ يُغلق الطريق منذ أشهر بالتزامن مع الاحتلال الإسرائيلي لقلعة الشقيف وعدد من قرى النبطية، فيما دفع مواطنون وعسكريون حياتهم ثمناً لمحاولات العبور على هذا الطريق.
وهنا لا تعود المسألة مسألة «طريق بديل».
فالطريق البديل قد يكون حلاً عندما يكون الأمر متعلقاً بأعمال صيانة أو حادث سير أو إغلاق مؤقت. أما عندما يصبح الطريق الرئيسي مغلقاً لأشهر، وتُفرض على الناس طرقات أطول وأكثر كلفة وإرهاقاً، فإننا نتحدث عن حصار جغرافي واجتماعي واقتصادي لمنطقة بأكملها.
عندما يصبح الطريق أداة ضغط
أخطر ما في إغلاق الخردلي ليس فقط المسافة التي يضيفها إلى رحلة المواطن، بل الرسالة التي يحملها.
أن يشعر أبناء منطقة كاملة بأن الطريق الذي يسلكونه إلى عملهم أو جامعتهم أو مستشفاهم أو أرضهم الزراعية لم يعد قراراً لبنانياً، وأن هناك من يستطيع أن يحدد لهم أي الطرقات يمكنهم سلوكها وأيها ممنوع عليهم، فهذه ليست مشكلة سير.
إنها مشكلة سيادة وحياة وكرامة.
الموظف الذي يستيقظ قبل ساعات إضافية ليصل إلى عمله في صيدا أو بيروت، والعسكري الذي يقطع مسافة مضاعفة للوصول إلى مركز خدمته، والطالب الذي يخوض رحلة طويلة للوصول إلى جامعته، والمزارع الذي يبحث عن سوق لمنتجاته، والعائلة التي تفكر مرتين قبل أن تزور قريتها في عطلة نهاية الأسبوع، جميعهم يدفعون ثمن إغلاق هذا الممر.
والمؤلم أكثر أن هذه الكلفة لا تظهر في رقم واحد.
إنها تظهر في ساعات ضائعة، ووقود إضافي، ومصاريف نقل، وإرهاق، وانخفاض في الحركة التجارية، وتراجع في تصريف المنتجات الزراعية، وتراجع في حركة الزوار والسياحة، وفي شعور متزايد لدى أبناء المنطقة بأنهم يعيشون في جزيرة معزولة عن بقية وطنهم.
الخردلي وهرمز… ممران مختلفان ووظيفة واحدة
قد تبدو المقارنة بين مضيق الخردلي ومضيق هرمز للوهلة الأولى مبالغاً فيها.
فهرمز ممر مائي دولي تعبره ناقلات النفط والسفن التجارية، بينما الخردلي طريق بري محلي.
لكن التشابه ليس في الحجم ولا في الجغرافيا، بل في الوظيفة.
كلاهما يمثل نقطة اختناق في شبكة أكبر.
في هرمز، يؤدي تعطيل الملاحة إلى التأثير في التجارة والطاقة والأسواق والاقتصاد، ولذلك يصبح المضيق ورقة ضغط تتجاوز حدوده الجغرافية.
وفي الخردلي، يؤدي تعطيل الطريق إلى خنق حركة منطقة بأكملها: الموظف، الطالب، العسكري، المزارع، التاجر، السائح، والمواطن العادي.
الفرق أن العالم عندما يسمع كلمة «هرمز» يفكر فوراً في النفط والأسواق العالمية.
أما عندما يُغلق الخردلي، فهل يفكر أحد في الإنسان الذي يسكن خلفه؟
هرمز يخيف الأسواق العالمية عندما يتهدد أمنه.
أما الخردلي، فعندما يُغلق، يخيف أبناء المنطقة على حياتهم ومستقبلهم.
حصار لا يظهر على الخرائط
ربما لا تظهر معاناة الخردلي على الخرائط السياسية الكبرى.
لكنها تظهر في كل بيت في حاصبيا ومرجعيون.
تظهر عندما يقرر أهل المنطقة عدم الذهاب إلى بيروت لأن الطريق أصبحت رحلة مضاعفة.
وتظهر عندما يصبح حضور الطالب إلى جامعته معركة لوجستية.
وتظهر عندما يفكر الموظف في كلفة التنقل اليومية.
وتظهر عندما تتكدس المنتجات الزراعية أو يصبح إيصالها إلى الأسواق أقل جدوى.
وتظهر عندما تتراجع حركة الناس بين القرى، فتتحول المنطقة تدريجياً إلى مساحة أقل حركة وأكثر عزلة.
والحصار لا يحتاج دائماً إلى الأسلاك الشائكة.
أحياناً يكفي أن تُغلق الطريق الوحيدة التي تصل الناس ببقية وطنهم.
لسنا نطلب طريقاً للسياحة فقط
قد يقول البعض: هناك طرق أخرى.
نعم، هناك طرق أخرى.
لكن السؤال الحقيقي هو: إلى متى يستطيع المواطن أن يعيش على الطرق البديلة؟
وكم يستطيع أن يدفع من وقته وماله وأعصابه؟
وهل يُطلب من منطقة حدودية، تعاني أصلاً من آثار الحرب والاحتلال، أن تتحمل وحدها كلفة العزلة؟
ثم أين هي مسؤولية الدولة؟
أين خطة النقل العام؟
أين الإجراءات الاستثنائية لتأمين انتقال الطلاب والموظفين والعسكريين؟
أين الدعم للمزارعين والتجار الذين تتأثر مصالحهم؟
وأين الجهد السياسي والأمني لفتح هذا الشريان عندما تسمح الظروف؟
لا يستطيع الناس أن ينتظروا إلى ما لا نهاية.
فالطريق بالنسبة إلى الدولة يجب ألا يكون مجرد إسفلت، بل جزءاً من الأمن الاجتماعي والاقتصادي والوطني.
أنا ابن الجنوب
لو كنتُ واحداً من أبناء حاصبيا ومرجعيون، لما قلت إنني أريد طريقاً أقصر فقط.
كنت سأقول:
أريد أن أذهب إلى جامعتي من دون أن أخاف من الطريق.
أريد أن يصل الموظف إلى عمله في بيروت أو صيدا من دون أن يخسر ساعات من يومه.
أريد للعسكري أن يصل إلى مركز خدمته من دون أن تكون الرحلة مغامرة.
أريد للمزارع أن يخرج بمحصوله من أرضه ويصل به إلى السوق.
أريد للتاجر أن يتحرك.
أريد للعائلة أن تزور قريتها في نهاية الأسبوع من دون أن تحسب ثمن البنزين والوقت والخطر.
وأريد قبل كل شيء أن أشعر أن قريتي ليست محاصرة.
أنا لا أريد امتيازاً.
أريد حقاً بديهياً: أن أتحرك داخل بلدي بحرية وأمان.
فالخردلي بالنسبة إلينا ليس «مضيقاً».
إنه باب.
وإذا أُغلق الباب، لا تُغلق الطريق فقط، بل يُغلق معه جزء من حياة الناس.
من يفتح الخردلي؟
قد يكون السؤال الأهم اليوم ليس: لماذا أُغلق الخردلي؟
بل: من يملك قرار فتحه؟
لأن أبناء المنطقة لا يستطيعون أن يبقوا أسرى لقرار عسكري أو سياسي إلى أجل غير مسمى.
وكما أن إغلاق ممر بحري دولي يمكن أن يتحول إلى قضية تتجاوز حدود المكان بسبب تأثيره في حياة الملايين، فإن إغلاق ممر بري حيوي في جنوب لبنان يجب ألا يُنظر إليه كحادث محلي عابر.
إنه قضية أهل، واقتصاد، وتعليم، وزراعة، وعمل، وسياحة، وتنمية، وسيادة.
وإذا كان مضيق هرمز يستطيع أن يهز أسواق العالم عندما يُهدد، فإن مضيق الخردلي يهز حياة أهله كل يوم عندما يُغلق.
هناك فرق واحد فقط:
في هرمز، العالم كله يراقب المضيق.
أما في الخردلي، فأبناء المنطقة هم الذين يدفعون الثمن بصمت.
ولذلك، فإن فتح الخردلي ليس مجرد فتح طريق.
إنه فتح باب الحياة أمام منطقة كاملة.
…………………………………………………………
ملاحظة : الصور لجسر الخردلي في أول يوم لوقف إطلاق النار بعد حرب تموز 2006

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى