خبر عاجلسياسةمقالات

لبنان وخطر استمرار الحرب وخطاب الكراهية والتخوين المتبادل – زكي طه

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

لبنان وخطر استمرار الحرب وخطاب الكراهية والتخوين المتبادل – زكي طه

 

كتب زكـي طـه في بيروت الحرية

لم تعد خطورة الحرب المفتوحة على لبنان تقاس فقط بما تخلّفه من قتل ودمار واحتلال ونزوح، ولا بما يمكن أن تحمله جولات التصعيد المقبلة في ظل تعثر مسارات التفاوض وتبادل التهديدات. ثمة خطر آخر يتنامى في الداخل، هو التفكك المتدرج للمجال الأهلي اللبناني، وتحول الخلاف السياسي حول الحرب والسلاح وموقع لبنان إلى صراع متجدد حول هوية البلد نفسه ومعنى العيش المشترك فيه.

لقد كشفت سنوات الحرب هذا الخطر، لكن الحرب لم تصنعه من عدم. إنها أعادت إيقاظ انقسامات موروثة، ودفعت بها إلى السطح، وأظهرت مدى هشاشة ما راكمه اللبنانيون منذ انتهاء الحرب الأهلية من قدرة على العيش مع اختلافاتهم.

ومن هنا لا يعود خطاب الكراهية، كما خطاب التخوين المقابل له، مجرد انفلات لغوي في زمن استثنائي. إنهما وجهان لأزمة سياسية وأهلية أعمق، يتبادلان خلالها إنتاج الخوف، ويهددان بتحويل الانقسام السياسي إلى قطيعة بين الجماعات اللبنانية.

حين يصبح النازح ممثلاً لطائفته

كانت موجات النزوح الواسعة أحد أكثر الاختبارات قسوة. فقد خرج مئات الآلاف من الجنوب والضاحية والبقاع هرباً من القصف الإسرائيلي، لكن بعضهم وجد نفسه أمام سؤال آخر: هل سيُعامل بوصفه مواطناً منكوباً، أم باعتباره ممثلاً لطائفة وحزب وخيار سياسي؟

كثيرة كانت حالات رفض لتأجير مساكن بسبب الحجاب أو الهوية الطائفية، وكثرت أيضاً المخاوف من استقبال النازحين في بعض المناطق، والدعوات إلى إبعادهم. وتصاعد الحديث ولم يتوقف عن “خطر ديموغرافي” و”بيئات حاضنة” و”بؤر أمنية”. ولم تبقِ وسائل التواصل هذه اللغة داخل فضائها الافتراضي، بل ساهمت في تحويلها إلى مزاج قابل للانتقال إلى العلاقات بين الناس.

لكن اختزال هذه الظاهرة بتوصيف “خطاب الكراهية” وحده لا يكفي. فما ظهر أثناء النزوح كشف أن جزءاً من اللبنانيين لا يزال ينظر إلى مواطنه، في لحظة الخطر، من خلال هويته الطائفية أولاً. وعندما يحدث ذلك، تصبح الحرب الخارجية قادرة على استدعاء حدود الحرب الداخلية حتى من دون أن تبدأ تلك الحرب.

المسؤولية السياسية والعقاب الجماعي

لا يمكن مواجهة هذا الخطر عبر إنكار الأسباب السياسية التي غذته. فحزب الله يتحمل مسؤولية أساسية عن إبقاء قرار الحرب والسلم خارج الدولة، وعن ربط لبنان بمسارات الصراع الإقليمي والاستراتيجية الإيرانية. وما ترتب على ذلك من حروب ودمار ونزوح وخسائر يفرض مساءلة سياسية لا يجوز تعطيلها باسم المقاومة أو الطائفة.

لكن مساءلة الحزب شيء، وتحميل الشيعة أو الجنوبيين أو النازحين مسؤولية خياراته شيء آخر. ليس كل شيعي حزب الله، وليس كل جنوبي مسؤولاً عن قرار الحرب، وحتى المواطن المؤيد للحزب لا يفقد بسبب موقفه السياسي حقه في الأمن والسكن والحماية والكرامة.

وحين تتحول المسؤولية من قيادة سياسية إلى جماعة أهلية بكاملها، نكون قد غادرنا السياسة إلى العصبية. وبالمقابل، لا يمكن لحزب الله أن يحتمي بالطائفة كلما تعرضت خياراته للنقد، أو أن يصنف معارضيه في خانة التآمر والخيانة وخدمة إسرائيل. فخطاب التخوين يؤدي الوظيفة نفسها التي يؤديها خطاب الكراهية: إلغاء الآخر اللبناني بوصفه شريكاً وطنياً وتحويل الاختلاف معه إلى شبهة في الانتماء. وهكذا يتقاطع الخطابان أحدهما مع الآخر باعتبارهما وجهان لقضية واحدة.

الاستثمار الإسرائيلي في الخوف

ليس كل ما ظهر من مخاوف أثناء النزوح وهماً طائفياً. فقد استهدفت إسرائيل مواقع وأشخاصاً في مناطق بعيدة عن جبهات القتال، وأنتج ذلك خوفاً حقيقياً لدى مجتمعات استقبلت النازحين من احتمال انتقال الاستهداف إليها.

لكن الدولة هي التي يفترض أن تعالج المخاطر الأمنية، لا الهوية الطائفية للنازح. فعندما يتحول الخوف من وجود شخص مستهدف إلى الاشتباه بكل نازح، وتصبح العباءة أو الحجاب أو المنطقة التي جاء منها المواطن قرينة أمنية، تكون إسرائيل قد حققت نتيجة تتجاوز الاستهداف العسكري نفسه: جعل اللبناني يخاف من وجود اللبناني الآخر إلى جانبه.

وإسرائيل تدرك أهمية هذا الانقسام وتستثمر فيه. فهي لا تحتاج إلى اختراع التناقضات اللبنانية؛ يكفيها تعميق الموجود منها وتحويل ضعف الدولة والانقسام حول السلاح والحرب إلى عناصر إضافية في تفكيك المجتمع وإضعاف قدرته على بناء موقف وطني موحد في مواجهتها.

نتائج الحرب ومخاطر الحاضر

لكن المسألة لم تعد اليوم مجرد مراجعة لما جرى خلال موجات النزوح السابقة. فالحرب لم تنتهِ، والاحتلال لم ينتهِ، والعودة إلى مناطق واسعة من الجنوب ما زالت متعذرة أو قلقة، ومسار التفاوض يواجه صعوبات، والتهديد بالتصعيد مستمر، وتجدد النزوح احتمال قائم في كل آن.

وهذا يعني أن الظروف التي أنتجت الاحتقان لم تختفِ. بل إن استمرار الحرب وتراكم الخسائر والإفقار والنزوح يمكن أن يجعلها أكثر خطورة.

فماذا يحدث إذا وقعت موجة نزوح جديدة؟ وكيف ستتعامل المناطق معها بعدما راكمت السنوات الماضية الخوف والشك المتبادل؟ وهل ستكون الدولة أكثر قدرة على إدارة النزوح وحماية المواطنين، أم سيترك الأمر مجدداً للطوائف والبلديات والأحزاب وردود الفعل المحلية؟

هذه ليست أسئلة إنسانية فقط. إنها أسئلة تتعلق بالسلم الأهلي نفسه. فالبلد الذي يدخل كل جولة حرب وهو أكثر انقساماً مما كان عليه في الجولة السابقة يصبح أقل قدرة على تحمل الحرب، وأشد قابلية لأن تتحول نتائج العدوان الخارجي إلى صراع داخلي.

خطاب يعكس أزمة هوية

لهذا ينبغي الذهاب أبعد من نقد المفردات المسيئة. المشكلة في العمق هي أن اللبنانيين لم يحسموا بعد تصورهم المشترك لوطنهم. هل لبنان دولة مواطنين متساوين أم اتحاد مناطق وجماعات لكل منها أرضها وهواجسها ومرجعياتها؟ هل الجنوب قضية وطنية أم قضية الشيعة؟ وهل المناطق التي تستقبل النازحين فضاء لبناني مشترك أم ممتلكات سياسية وطائفية مغلقة؟

وفي المقابل: هل يحق لطائفة أو حزب أن يقرر الحرب باسم لبنان كله؟ وهل يصبح الاعتراض على هذا القرار خروجاً على الوطنية أو المقاومة؟

هنا يقع جوهر المأزق. فمنطق مناطقنا ومناطقهم هو الوجه الاجتماعي لمنطق سلاحنا وقرارنا. وكلاهما ينطلق، وإن من موقعين متعارضين، من أولوية الجماعة الطائفية على الدولة.

ولهذا لا يمكن مواجهة مشروع طائفي بمشروع طائفي مضاد، ولا مواجهة مصادرة حزب لقرار الدولة بتحويل البيئة التي ينتمي إليها إلى جماعة مشتبه بها.

الدولة هي الحد الفاصل

المخرج يبدأ باستعادة قاعدة تبدو بديهية لكنها باتت شديدة الصعوبة في لبنان: المسؤولية فردية وسياسية، أما الحقوق فمتساوية بين المواطنين.

من يقرر الحرب يُسأل عن قراره. ومن يحمل السلاح خارج الدولة يُسأل عن سلاحه. ومن يحرض طائفياً يُسأل عن تحريضه.

لكن المواطن لا يحاسب على طائفته. ومن هنا تصبح الدولة أكثر من مطلب دستوري. إنها الإطار الوحيد القادر، إذا أعيد بناؤه، على منع تحويل الاختلافات إلى حروب أهلية صغيرة ومتراكمة.

الدولة التي تحتكر السلاح وقرار الحرب والسلم هي نفسها التي ينبغي أن تحمي النازح، وتطمئن المجتمع المضيف، وتنظم الإيواء، وتحمي الملكيات، وتمنع التمييز، وتعيد إعمار المناطق المدمرة، وتتعامل مع الجنوب وأهله باعتبارهم قضية وطنية لا ملفاً خاصاً بطائفة أو حزب.

امتحان القوى الديمقراطية

أما مسؤولية القوى اليسارية والديمقراطية والوطنية المستقلة، فهي أصعب من الانضمام إلى أحد معسكري الانقسام. عليها أن تقول بلا التباس إن احتكار حزب الله للسلاح وقرار الحرب وربط لبنان بالاستراتيجية الإيرانية أمر لا يمكن أن يستمر، وإن مواجهة الاحتلال والعدوان الإسرائيليين مسؤولية وطنية لا يجوز تحويلها إلى وظيفة حزبية أو طائفية أو إقليمية.

وعليها، بالقوة نفسها، أن ترفض تحويل الشيعة والجنوبيين والنازحين إلى كتلة متهمة، وأن تواجه التحريض الطائفي مهما كان مصدره.

فالبديل عن هيمنة حزب على طائفة وعلى القرار الوطني ليس عزل الطائفة، بل تحرير المواطن من الحاجة إلى الاحتماء بطائفته وحزبه من خلال دولة تحميه وتصون حقوقه. وهنا تكمن إحدى أهم معارك إعادة بناء المجال الوطني اللبناني.

قبل أن يصبح الانقسام قدراً

الحرب الإسرائيلية مستمرة، ومخاطر اتساعها قائمة، والتسويات متعثرة، والبلد المنهك اقتصادياً واجتماعياً لا يملك ترف انتظار انفجار جديد لكي يكتشف مجدداً هشاشة وحدته الداخلية.

لذلك فإن مواجهة خطاب الكراهية والتخوين لم تعد مسألة أخلاقية أو إعلامية فقط، بل أصبحت جزءاً من الدفاع عن السلم الأهلي وعن قدرة لبنان على البقاء وطناً واحداً.

فالخطر ليس أن يختلف اللبنانيون. الاختلاف طبيعي وسيبقى. الخطر أن يتحول الاختلاف حول الحرب والسلاح وإيران وإسرائيل والدولة إلى اختلاف حول حق اللبناني الآخر في أن يكون شريكاً في الوطن.

وعندما يصل المجتمع إلى هذه النقطة، لا تعود الحدود الأخطر هي تلك التي يرسمها الاحتلال على الأرض وحدها، بل الحدود التي تبدأ الجماعات برسمها بينها.

لذلك فإن المعركة الوطنية المقبلة ليست فقط من أجل وقف الحرب وإنهاء الاحتلال واستعادة قرار الدولة، بل أيضاً من أجل منع الحرب من إعادة تشكيل المجتمع اللبناني على صورتها: جماعات خائفة بعضها من بعض، يتبادل أبناؤها التخوين والكراهية فيما يقرر الآخرون مصير بلدهم.

إن استعادة الدولة تبدأ من استعادة السياسة من الطوائف، واستعادة المواطن من الجماعة، واستعادة حق اللبنانيين في أن يختلفوا من دون أن يتحول اختلافهم إلى مشروع حرب أهلية جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى