خبر عاجل

لبنان بين مشروعين.. الشرق الأوسط الجديد يُرسم بالنار – أسامة القادري

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

لبنان بين مشروعين.. الشرق الأوسط الجديد يُرسم بالنار – أسامة القادري

أسامة القادري – مناشير

لم تعد الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران مجرد مواجهة عسكرية محدودة أو جولة ضغط سياسية، بل تحوّلت إلى محطة مفصلية في مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط. فواشنطن وتل أبيب لا تنظران إلى إيران كدولة فقط، بل كمنظومة نفوذ إقليمي تمتد عبر جبهات متعددة، من العراق إلى لبنان وصولاً إلى اليمن.

ولهذا السبب لم تبقِ المواجهة داخل الحدود الإيرانية. فجزء من الرد الإيراني اتجه نحو القواعد الأميركية القريبة من إيران في دول الخليج، وهو تطور يحقق في الوقت نفسه أحد الأهداف الأميركية غير المعلنة: إدخال دول الخليج مباشرة في قلب المواجهة وتعزيز شعورها الدائم بالتهديد الإيراني. فسياسة الخوف هذه شكّلت لعقود حجر الأساس في الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، لأنها تبرّر بقاء القواعد العسكرية الضخمة، وتفتح أبواب صفقات السلاح بمليارات الدولارات، وتعيد رسم التحالفات بما يخدم التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي أولاً وأخيراً.

في المقابل، تواجه إيران اليوم أحد أخطر الاختبارات في تاريخها الحديث. فالضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية والسياسية المتراكمة تضع النظام الإيراني أمام معادلة صعبة: إما الدفاع عن شبكة نفوذه الإقليمية بكل الوسائل، أو المخاطرة بخسارة المشروع الذي بنته طهران على مدى أربعة عقود.

لكن هذه الشبكة لم تعد كما كانت. فإيران خسرت إحدى أهم ساحات نفوذها بسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، ما جعل أوراقها الإقليمية الأخرى أكثر حساسية وأهمية، وفي مقدمتها حزب الله في لبنان.

هنا تحديداً يدخل لبنان مرة أخرى في قلب العاصفة. فحزب الله، الذي يمثل أقوى أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، لا يزال يمتلك قدرة عسكرية وخبرة قتالية تجعله لاعباً أساسياً في أي مواجهة مع إسرائيل. ولذلك لم يكن مستغرباً بعد اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي  أن يدخل الحزب تدريجياً على خط التصعيد عبر إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، في رسالة واضحة مفادها أن جبهة لبنان يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى ساحة حرب مفتوحة. غير أن هذه الرسالة أتى الرد عليها بحرب مفتوحة وقاتلة، منحت إسرائيل الذريعة التي تحتاجها لتوسيع ضرباتها العسكرية، مستهدفةً الضاحية الجنوبية لبيروت وقرى الجنوب والبقاع بضربات مدمرة، أعادت لبنان مجدداً إلى المشهد الذي يعرفه جيداً: بلد تحت النار، وسكان يهربون من قراهم، وبنية تحتية تُدمَّر فوق رؤوس أصحابها. المفارقة الأكثر قسوة أن البيئة الحاضنة للمقاومة، التي قدّمت على مدى عقود التضحيات الكبرى في مواجهة إسرائيل، هي نفسها التي تتحمل اليوم الكلفة الإنسانية والاجتماعية الأكبر لهذه الحرب. شهداء، تهجير، دمار، وانهيار معيشي في مناطق تعاني أصلاً من الفقر والإهمال.

وفي ظل هذا الواقع، يطرح اللبنانيون سؤالاً بسيطاً لكنه موجع: إلى متى سيبقى لبنان ساحة لحروب الآخرين؟

فما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل جزء من مشروع أكبر لإعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة وولادة ما يسمى “الشرق الأوسط الجديد”. الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت التفوق الاستراتيجي لإسرائيل وإعادة ضبط الإقليم وفق مصالحها، فيما تحاول إيران الدفاع عن مشروعها الإقليمي وعن طموحها الاستراتيجي في امتلاك القوة النووية.

وبين هذين المشروعين المتصارعين، يقف لبنان في موقع الحلقة الأضعف.

ويتجلى ذلك بوضوح في الشروط الإسرائيلية المطروحة لوقف الحرب، والتي تتضمن نزع سلاح حزب الله بالكامل جنوب الليطاني وشماله وعلى امتداد الأراضي اللبنانية، بإشراف مباشر من الولايات المتحدة. كما يظهر في المهلة التي مُنحت للحكومة اللبنانية ورئيس الجمهورية جوزاف عون لتنفيذ هذه المطالب، وكأن الدولة اللبنانية باتت أمام إنذار سياسي وعسكري مفتوح. وفي المقابل، يقف لبنان عاجزاً حتى عن فرض أولوياته السيادية، وفي مقدمتها المطالبة بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة والعودة إلى اتفاقية الهدنة لعام 1949. لكن المشكلة لا تكمن فقط في ميزان القوة المختل، بل في حقيقة أكثر خطورة: أن القرار بالحرب والسلم في لبنان ليس لبنانياً بالكامل.

فطالما بقي البلد ساحة لتقاطع المشاريع الإقليمية والدولية، ستظل حدوده قابلة للاشتعال في أي لحظة، وسيبقى شعبه يدفع الثمن الأكبر لصراعات تُتخذ قراراتها خارج حدوده.

والخطر الحقيقي ليس فقط في الحرب الجارية اليوم، بل في أن يتحول لبنان مرة أخرى إلى جبهة دائمة في صراع إقليمي طويل، بلدٌ صغير يُدفع إلى معارك أكبر بكثير من قدرته… بينما يكتفي العالم بمراقبة الدمار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى