قراءة في أجوبة محمد رعد خلال مقابلته: حق “البيئة” بالأسئلة و مأزق حزب الله والدولة… – زكــي طــه

كتب زكــي طــه في بيروت الحرية
بعد الحرب، هل من مراجعة
تكتسب المقابلة الأخيرة مع رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد أهميتها من توقيتها، ومن الأسئلة التي تطرحها بعد حرب قاربت سنواتها الثلاث، وألحقت بلبنان، وخصوصاً بالجنوب وأهله، خسائر بشرية وعمرانية واجتماعية هائلة، ووضعت حزب الله نفسه أمام مرحلة مختلفة عن كل ما سبقها.
ليس الهدف من قراءة المقابلة السجال مع الحزب على قاعدة الشماتة بما أصابه. فهكذا أمر لا مكان له في ثقافتنا، وهو لا يمت بصلة إلى الوطنية اللبنانية، عدا صعوبة فصله عن مأساة مجتمع دفع ثمناً فادحاً من أبنائه وبيوته وقراه. كما أن تحميل الحزب وحده مسؤولية مأزق البلد يتجاهل مسؤولية إسرائيل عن عدوانها واحتلالها ودمارها، خاصة وأن أزمة النظام والدولة والطبقة السياسية سبقت هذه الحرب بسنوات طويلة.
ورفض الشماتة لا يعني إعفاء الحزب من مساءلة خياراته. ومن هنا يبرز السؤال الذي تتجنبه المقابلة أكثر مما تجيب عنه: هل أجرى حزب الله فعلاً مراجعة سياسية واستراتيجية لما حدث، أم أن المراجعة بقيت داخل الحدود التي تسمح بتثبيت الخيارات السابقة؟
مراجعة تؤكد صحة القرار
يقول محمد رعد إن الحزب أجرى “مراجعة عميقة” للمسار الذي بدأ في الثامن من تشرين الأول 2023، وشخّص نقاط الصواب والخلل والقصور. لكن النتيجة التي يعلنها لهذه المراجعة هي ازدياد اقتناع الحزب بصواب قرار إسناد غزة، فيما يكاد الخلل المعترف به ينحصر في المستوى “الجزئي التكتيكي”.
هنا تكمن المشكلة. لأن المراجعة المعلنة لم تصل إلى جوهر المسألة. فالمراجعة بعد حرب بهذا الحجم لا يمكن أن تقتصر على الأداء العسكري. إنها تستوجب مراجعة القرار السياسي نفسه: كيف قُدرت موازين القوى؟ وما حدود قدرة الردع؟ وما احتمالات اتساع الحرب؟ وما الكلفة المحتملة على لبنان؟ وقبل ذلك كله: من يملك حق اتخاذ قرار يعرّض بلداً ومجتمعاً لهذه النتائج؟
ولا يعني طرح هذه الأسئلة التقليل من عدالة القضية الفلسطينية أو من القيمة الأخلاقية والسياسية لنصرة غزة. السؤال مختلف: هل كانت نصرة غزة تستوجب حكماً إدخال لبنان في الحرب بهذه الطريقة، ومن كان يملك قرار تحديد شكل هذه النصرة وحدودها وكلفتها؟
المقاومة والدولة: السؤال المؤجل
يعتبر رعد أن إعادة تعريف المقاومة لا جدوى منها لأنها “فعل حياة”، وأن ما يحتاج إلى التطوير هو الآليات والأدوات.
لكن القضية ليست الاختيار بين المقاومة والاستسلام. فحق لبنان في مقاومة الاحتلال والعدوان لا يلغي السؤال عن موقع المقاومة ووظيفتها ومرجعيتها.
لقد نشأت المقاومة في ظروف الاحتلال وعجز الدولة، وأسهمت في تحرير الأرض وقدمت تضحيات جسيمة. والاعتراف بهذا التاريخ لا يعني تثبيت صيغة أحادية للمقاومة إلى الأبد. فالسؤال اليوم هو: من يقرر استخدام القوة؟ وتحت أي مرجعية وطنية؟ وهل يمكن لتنظيم حزبي مسلح أن يبقى صاحب قرار استراتيجي مستقل عن المؤسسات الدستورية؟
تظهر هذه الإشكالية عندما يربط الحزب البحث في حصرية السلاح بانسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها وانتشار الجيش، ويجعل من شروط الاستراتيجية الدفاعية وجود “سلطة ذات سيادة وعلى قدر المسؤولية.”
ولا يمكن تجاهل الاحتلال والعدوان أو مطالبة لبنان بنزع عناصر قوته وتركه مكشوفاً. لكن السؤال يبقى: من يقرر متى تصبح الدولة مؤهلة للسيادة؟
إذا بقي القرار بيد الحزب ندخل في دائرة مغلقة: ضعف الدولة يبرر استمرار السلاح، واستمرار قوة عسكرية مستقلة عنها يحد من اكتمال سيادتها، ثم يصبح نقص السيادة مبرراً جديداً لبقاء السلاح.
الخروج من هذه الدائرة لا يكون باستسلام الحزب لخصومه، بل بإعادة بناء الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة للسياسة الدفاعية، وبناء جيش قادر واستراتيجية وطنية لمواجهة العدوان الإسرائيلي.
مسؤوليتان لا تلغي إحداهما الأخرى
ومن الخطأ، في المقابل، قراءة نتائج الحرب كما لو أن حزب الله أنتجها وحده.
إسرائيل مسؤولة عن عدوانها واحتلالها والقتل والتدمير الذي ارتكبته، ولا تنتقل مسؤوليتها إلى ضحاياها بسبب أخطاء خياراتهم. كما أن حزب الله لم ينشئ وحده أزمة الدولة اللبنانية، فهي نتاج نظام طائفي وطبقة سياسية ـ مالية ومحاصصة وتبعيات خارجية متعددة.
وهذه الحقائق لا تلغي مسؤولية الحزب المحددة عن اتخاذ قرار استراتيجي بالانخراط في الحرب خارج المؤسسات الدستورية، وربطه بمفهوم “وحدة الساحات”، الذي ما زال محمد رعد يؤكد صلاحيته بعد كل ما حدث.
ولذلك ينبغي رفض الروايتين معاً: واحدة تحمل الحزب مسؤولية كل ما أصاب لبنان وتكاد تعفي إسرائيل، وأخرى تجعل العدوان الإسرائيلي سبباً كافياً لإعفاء الحزب من مراجعة قراره. فالمصلحة الوطنية اللبنانية لا تحتاج إلى أي من الروايتين.
الجنوب ليس مجرد “بيئة”
لعل أكثر جوانب المقابلة حساسية ما يتعلق بالمجتمع الشيعي الذي دفع ثمناً بشرياً وعمرانياً واقتصادياً هائلاً. فعندما يُسأل رعد عن مراجعة الخيارات التي أوصلت إلى هذا الواقع، يؤكد أن البيئة تقف “أمام المقاومين”، ويسأل: “هل يمكن لعائلة أن تخون دم أبنائها الشهداء؟”
في هذه الكلمات ألم حقيقي يستحق الاحترام. فلا يجوز أن يتحول نقد خيارات حزب الله إلى إدانة للشيعة أو شماتة بالمهجرين وأصحاب القرى المدمرة.
لكن احترام الشهادة لا يجوز أن يمنع أو يحجز طرح السؤال. فالعائلة لا تخون شهيدها عندما تسأل لماذا استشهد، أوما الذي تحقق، وهل كان يمكن تجنب بعض المأساة. وأهل الجنوب لا يتنكرون لتاريخهم عندما يسألون متى يعودون ومن يعيد بناء بيوتهم وكيف يمكن منع حرب جديدة؟
والشيعة اللبنانيون، قبل أن يكونوا “بيئة للمقاومة”، هم مواطنون لهم الحق في الأمن والعمل والسكن والاختلاف السياسي، مثلما لهم الحق في الدفاع عن أرضهم وكرامتهم. والجنوب منطقة لبنانية وليس ملحقاً جغرافياً إضافياً لان أغلبية سكانه شيعة.
إيران… وتحديد المصلحة اللبنانية
تكشف المقابلة أيضاً حدود المراجعة في العلاقة مع إيران. فعندما يُسأل رعد عما إذا كان الحزب يستطيع تغليب المصلحة اللبنانية حتى عندما تختلف مع حسابات إيران، لا يناقش احتمال التعارض نفسه، فيما يعتبر في موضع آخر أن كل ما يضعف النفوذ الأميركي وحلفه ينعكس إيجاباً على لبنان.
لكن المصلحة اللبنانية لا يمكن تعريفها من داخل ميزان الربح والخسارة في الصراع الأميركي ـ الإيراني. فليس كل ما يضعف الولايات المتحدة مفيداً للبنان حكماً، كما أن مواجهة النفوذ الإيراني لا تجعل الالتحاق بمحور أميركي أو إقليمي مقابل مشروعاً وطنياً.
المعيار ينبغي أن يكون معكوساً: ما الذي يخدم لبنان ومجتمعه ودولته وسيادته؟ ومن هذا الموقع تحدد العلاقة بإيران والولايات المتحدة والدول العربية، كما تحدد مواجهة إسرائيل واحتلالها وعدوانها.
فالسياسة الوطنية المستقلة تبدأ عندما لا يعود لبنان ساحة، أو موقعا له وظيفة أو دور في استراتيجية الآخرين.
القلق خلف خطاب اليقين
تبدو أجوبة محمد رعد شديدة اليقين. قرار إسناد غزة كان صائباً. المقاومة ستستعيد الردع. وحدة الساحات ما زالت صالحة. البيئة متماسكة. العلاقة مع حركة أمل ثابتة. والسلاح سيُبحث عندما تتحقق شروط البحث.
لكن خلف هذا اليقين تقف أسئلة يصعب تجاهلها. الحزب خرج من الحرب مثقلاً بخسائر بشرية وقيادية وعسكرية كبيرة. الجنوب تعرض لدمار واسع وتهجير مستمر. معادلة الردع التي حكمت مرحلة طويلة تعرضت لاهتزاز عميق. مستقبل السلاح أصبح في قلب النزاع الداخلي والتفاوض الخارجي. وإعادة الإعمار نفسها لم تعد ممكنة بقدرات الحزب وحده.
ليس المطلوب قراءة الحالة النفسية لقيادته، ولا الادعاء بأنها أقرت بما لا تقر به. لكن من المشروع ملاحظة التوتر بين يقين الخطاب وضخامة الأسئلة التي تركتها الحرب مفتوحة.
قد يكون الاعتراف بوجود هذه الأسئلة هو المدخل الضروري إلى المراجعة التي يحتاج إليها الحزب ولبنان معاً.
من مراجعة الحرب إلى مراجعة الموقع
المسألة، في النهاية، أكبر من السؤال عما إذا كان حزب الله قد انتصر أو هُزم. فالانتصار والهزيمة، مهما كانت الإجابة عنهما، لا يعيدان قرية مدمرة ولا شهيداً ولا نازحاً إلى منزله، ولا يبنيان دولة.
السؤال الحقيقي هو ماذا تعلم لبنان، وماذا تعلم حزب الله، من تجربة بهذا الحجم والكلفة.
المراجعة التي يحتاج إليها الحزب لا تستوجب التنكر لتاريخه، ولا التخلي عن حق لبنان في مقاومة الاحتلال والعدوان، ولا مطالبة جمهوره بالاعتذار عن تضحياته.
لكنها تستوجب الانتقال من مراجعة الأخطاء التكتيكية إلى مراجعة الخيار السياسي، ومن الدفاع عن السلاح إلى البحث في وظيفته ومصيره، ومن اعتبار المجتمع الشيعي بيئة للمقاومة إلى الاعتراف بحقه في مساءلتها، ومن تعريف لبنان داخل صراع المحاور إلى تعريف العلاقات والمحاور انطلاقاً من مصلحة لبنان.
والأهم، الانتقال من معادلة تكون فيها المقاومة هي التي تقرر موقع الدولة ودورها، إلى معادلة تصبح فيها الدولة الوطنية الديمقراطية القادرة هي المرجعية للمقاومة والدفاع والسيادة.
وهذه الدولة لا يمكن أن تكون دولة خصوم حزب الله في مواجهة حزب الله، ولا دولة طائفة في مواجهة أخرى، ولا دولة تستبدل التبعية لإيران بالتبعية للولايات المتحدة.
إنها دولة اللبنانيين جميعاً. ولهذا فإن السؤال بعد الحرب ليس: كيف نستعيد ما كان؟
إنه السؤال الصعب بل الأكثر صعوبة: ما الذي لم يعد ممكناً أن يستمر كما كان؟ والإجابة عنه ليست حاجة لحزب الله وحده، بل إحدى ضرورات إنقاذ لبنان.



