عون يستعيد الصدر: الجنوب ليس لإسرائيل… ولا خارج الدولة.. وحماية الجنوب مسؤولية الدولة وحدها

لم يكن اختيار رئيس الجمهورية جوزاف عون ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه مناسبةً بروتوكولية لاستعادة سيرة رجلٍ غائب منذ عقود، بل بدا أقرب إلى محاولة لإعادة إدخال إرث الصدر في قلب المعادلة السياسية الأكثر حساسية في لبنان اليوم: من يحمي الجنوب؟ ومن يملك قرار الحرب والسلم والسلاح؟
حين يستعيد عون موقف الإمام الصدر الرافض لتحويل الجنوب إلى «منطقة منسية» أو ورقة تفاوض، فإنه لا يستحضر التاريخ لذاته، بل يوظفه في نقاش حاضرٍ شديد التعقيد. فالجنوب اليوم يقف مجدداً عند تقاطع ثلاثة عناوين: الاعتداءات الإسرائيلية، وسلاح حزب الله، ومحاولة الدولة اللبنانية إعادة تثبيت حضورها الأمني والعسكري على كامل أراضيها.
في هذا السياق، تأتي الإشارة إلى أن السلاح الذي يحمي الأرض يجب أن يكون في إطار الشرعية الوطنية، وأن الأمن مسؤولية الدولة، لتضع مسألة حصرية السلاح خارج حدود النقاش الدستوري النظري. عون يخاطب الجنوب من داخله، ويقول عملياً إن حماية هذه المنطقة لا يمكن أن تبقى رهينة معادلات مؤقتة أو توازنات مسلحة خارج مؤسسات الدولة.
لكن الرسالة الأهم تكمن في أن عون لم يطرح حصرية السلاح بوصفها مواجهة مع بيئة الجنوب، بل حاول تقديمها بوصفها جزءاً من حماية هذه البيئة نفسها. ولذلك جمع في خطابه بين «منعة أهل الجنوب» و«منعة الدولة»، في صيغة تسعى إلى تجاوز الثنائية التي حكمت النقاش اللبناني طويلاً: إما حماية المقاومة للجنوب، وإما الدولة.
الرئاسة تقول شيئاً مختلفاً: لا حماية للجنوب من دون الدولة، ولا دولة مكتملة السيادة إذا بقي الجنوب وحده يتحمل كلفة المواجهة.
ومن هنا تكتسب الإشارة إلى القرار 1701 أهمية خاصة. فالتزام لبنان ببسط سلطة الجيش على كامل الأراضي اللبنانية وتنفيذ القرار الدولي لا يأتي في فراغ، بل في لحظة تستمر فيها الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية، بالتوازي مع نقاش سياسي حول مستقبل سلاح حزب الله وترتيبات المرحلة التي ستلي انتهاء مهمة قوات اليونيفيل.
وهنا يحاول عون تثبيت معادلة مزدوجة في اتجاهين متوازيين: إسرائيل مطالبة بالانسحاب ووقف اعتداءاتها، والدولة اللبنانية مطالبة في المقابل باستعادة قرارها الأمني والعسكري.
وهذا التفصيل بالغ الأهمية، لأنه يقطع الطريق على أي قراءة تختزل خطاب الرئاسة في كونه مجرد استجابة للضغط الخارجي بشأن سلاح حزب الله. فالمعادلة التي يطرحها عون، وفق مضمون موقفه، لا تقول إن على لبنان أن يتخلى عن الجنوب لكي يرضى الخارج، بل تقول إن حماية الجنوب تتطلب إنهاء الاحتلال والاعتداءات من جهة، وإنهاء ازدواجية القرار الأمني والعسكري داخل لبنان من جهة أخرى.
لكن السؤال الأصعب يبقى في مكان آخر: هل يمكن تحويل هذه المعادلة السياسية إلى تسوية قابلة للتطبيق، أم أنها ستبقى شعاراً يتصادم مع موازين القوى الداخلية والإقليمية؟
فحصرية السلاح ليست قراراً إدارياً يمكن تنفيذه بمرسوم، ولا هي مجرد مادة دستورية تحتاج إلى تفسير. إنها قضية مرتبطة بتاريخ طويل من الصراع مع إسرائيل، وببنية سياسية وأمنية نشأت في ظل ضعف الدولة، وبقدرة حزب الله على فرض نفسه لاعباً عسكرياً وسياسياً أساسياً.
لذلك، فإن أي محاولة جدية لمعالجة الملف تحتاج إلى أكثر من رفع شعار حصرية السلاح. تحتاج إلى بناء دولة قادرة فعلاً على حماية حدودها، وتأمين الغطاء السياسي للجيش، وتوفير الإمكانات اللازمة له، وفي الوقت نفسه إنتاج ضمانات فعلية للجنوب تمنع تحويل الانسحاب الإسرائيلي إلى فراغ أمني أو سياسي.
وهنا تحديداً يصبح استحضار الإمام الصدر ذا دلالة سياسية مضاعفة.
فالصدر لم يكن يتعامل مع الجنوب كجغرافيا هامشية، بل كجزء أساسي من فكرة الدولة والوطن. ومن هذه الزاوية، فإن استعادته اليوم تعني محاولة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والجنوب: لا دولة تتخلى عن الجنوب، ولا جنوب يبقى خارج الدولة.
وإذا كان ثمة ما يميز خطاب عون في هذه المرحلة، فهو محاولته تفكيك المعادلة الصفرية التي تقول إن الاعتراف بحق الدولة يعني بالضرورة التخلي عن الجنوب، أو أن الدفاع عن الجنوب يعني حكماً استمرار السلاح خارج المؤسسات الشرعية.
الرئاسة تحاول بناء معادلة ثالثة: الجنوب للدولة، والدولة للجنوب، وإسرائيل هي الطرف الذي يجب أن ينسحب ويتوقف عن الاعتداء.
وهذه الرسالة لا تتوجه إلى الداخل اللبناني فقط. إنها موجهة أيضاً إلى الخارج، ولا سيما الأطراف المنخرطة في أي ترتيبات مقبلة تتصل بالحدود الجنوبية ومستقبل اليونيفيل والقرار 1701. فلبنان، وفق هذا الخطاب، لا يريد أن يُطلب منه معالجة مسألة السلاح بينما تبقى إسرائيل خارج دائرة الالتزامات، كما لا يستطيع أن يطالب بسيادته الكاملة فيما يبقى جزء من قراره العسكري خارج المؤسسات الرسمية.
المعادلة إذاً واضحة، لكنها شديدة الصعوبة في التنفيذ.
فبينما تتحدث الرئاسة عن جيش واحد وسلاح واحد وقرار أمني واحد، يبقى الجنوب واقعاً تحت ضغط إسرائيلي مستمر، ويبقى حزب الله متمسكاً بمعادلة يرى أنها مرتبطة مباشرة بحماية لبنان، فيما يحاول الجيش اللبناني توسيع حضوره ودوره ضمن ظروف سياسية وأمنية بالغة الحساسية.
من هنا، فإن استعادة عون لإرث الإمام الصدر ليست مجرد استعارة تاريخية. إنها محاولة لإعادة تعريف منطق المقاومة نفسه: هل تبقى المقاومة وظيفة تنظيم مسلح مستقل، أم تتحول في نهاية المطاف إلى وظيفة وطنية تتولاها الدولة ومؤسساتها؟
والجواب عن هذا السؤال لن يُحسم بالخطابات وحدها. سيُحسم على الأرض، بمدى قدرة الدولة على حماية الجنوب، وبمدى قدرة الجيش على الاضطلاع بدوره، وبمدى استعداد إسرائيل للانسحاب ووقف اعتداءاتها، وبمدى استعداد القوى اللبنانية للانتقال من منطق التوازنات المسلحة إلى منطق الدولة.
في ذكرى تغييب الإمام الصدر، اختار عون أن يضع الجنوب في قلب معادلة الدولة.
والرسالة التي خرجت من قصر بعبدا تبدو شديدة الوضوح: لا عودة إلى جنوب متروك لإسرائيل، ولا قبول باستمرار جنوب خارج الدولة.
لكن بين المعادلة التي يرسمها الخطاب والواقع الذي يفرض نفسه على الأرض، تقع المعركة السياسية الأصعب في لبنان: كيف تُستعاد سيادة الدولة من دون أن يتحول الجنوب إلى مكشوف أمام إسرائيل، وكيف تُحمى المقاومة التاريخية لأرض لبنان من دون أن تبقى الدولة نفسها منزوعة القرار؟
هنا بالضبط يبدأ الاختبار الحقيقي لإرث الإمام الصدر، ولرئاسة جوزاف عون معاً.



