سبعون عاماً من العلاقات الصينية الأفريقية: من التضامن التاريخي إلى الشراكة التنموية الشاملة – وائل ياسين

بقلم: وائل خليل ياسين –
رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية
استشاري وخبير متخصص في بحوث سياسات مجلس الدولة الصيني لشؤون غرب آسيا وشمال أفريقيا

تمثل الذكرى السبعون لإقامة العلاقات الصينية الأفريقية محطة مهمة في مسيرة واحدة من أكثر الشراكات الدولية استقراراً وديناميكية في العالم المعاصر. فمنذ أن أصبحت مصر أول دولة أفريقية وعربية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية في عام 1956، شهدت العلاقات بين الصين والقارة الأفريقية تحولات نوعية نقلتها من إطار التضامن السياسي ومساندة حركات التحرر الوطني إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تشمل مجالات الاقتصاد والتجارة والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والتنمية البشرية.
وخلال العقود السبعة الماضية، تطورت العلاقات الصينية الأفريقية بالتوازي مع التحولات الكبرى التي شهدها النظام الدولي. ففي الوقت الذي كانت فيه الدول الأفريقية تناضل من أجل الاستقلال والتحرر من الاستعمار، كانت الصين تؤكد دعمها لحق الشعوب في تقرير مصيرها، الأمر الذي أسهم في بناء رصيد من الثقة السياسية المتبادلة، شكل لاحقاً الأساس الذي استندت إليه العلاقات الاقتصادية والتنموية المتنامية بين الجانبين.
واليوم، لم تعد العلاقات الصينية الأفريقية تقتصر على التعاون الثنائي التقليدي، بل أصبحت تمثل نموذجاً متقدماً للتعاون بين دول الجنوب العالمي، يقوم على مبدأ المنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة واحترام الخصوصيات الوطنية، كما أصبحت أفريقيا شريكاً رئيسياً في مبادرة الحزام والطريق وفي رؤية بناء مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية، بينما تنظر العديد من الدول الأفريقية إلى التجربة الصينية باعتبارها نموذجاً تنموياً جديراً بالدراسة والاستفادة.
## أولاً: الجذور التاريخية للعلاقات الصينية الأفريقية
تعود الأسس الفكرية والسياسية للعلاقات الصينية الأفريقية إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما برزت الروابط بين الصين والدول الأفريقية الناشئة في إطار حركة التضامن بين شعوب آسيا وأفريقيا. وشكل مؤتمر باندونغ عام 1955 نقطة انطلاق مهمة، حيث أكد المبادئ الخمسة للتعايش السلمي ورفض الهيمنة الخارجية، وهي المبادئ التي ظلت تحكم العلاقات الصينية الأفريقية حتى الوقت الراهن.
وفي عام 1956، أقامت مصر علاقات دبلوماسية مع الصين لتصبح أول دولة أفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية، وهو ما فتح الباب أمام توسع العلاقات مع بقية دول القارة. وخلال ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، دعمت الصين حركات التحرر الوطني في الجزائر وأنغولا وموزمبيق وزيمبابوي وغيرها، وقدمت مساعدات سياسية واقتصادية وتقنية ساعدت العديد من الدول الأفريقية على تعزيز استقلالها الوطني.
وفي المقابل، لعبت الدول الأفريقية دوراً محورياً في دعم استعادة الصين لمقعدها الشرعي في الأمم المتحدة عام 1971، إذ شكلت الأصوات الأفريقية قوة مؤثرة في اعتماد القرار رقم 2758، وهو ما رسخ مفهوم الدعم المتبادل والمصالح المشتركة بين الجانبين.
ومع إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح الصينية في أواخر سبعينيات القرن الماضي، بدأت العلاقات الصينية الأفريقية تأخذ أبعاداً اقتصادية وتنموية أوسع، حيث انتقلت من التركيز على الدعم السياسي إلى تعزيز التعاون في مجالات الاستثمار والتجارة والتكنولوجيا.
## ثانياً: منتدى التعاون الصيني الأفريقي وتحول العلاقات إلى شراكة مؤسسية
شكل تأسيس منتدى التعاون الصيني الأفريقي (FOCAC) عام 2000 نقطة تحول تاريخية في مسار العلاقات الثنائية، إذ وفر إطاراً مؤسسياً دائماً لتنسيق السياسات وتحديد أولويات التعاون المشترك. ومنذ انعقاد المنتدى لأول مرة، شهدت العلاقات الصينية الأفريقية نمواً متسارعاً، سواء على مستوى التجارة أو الاستثمارات أو التعاون الإنمائي.
ومع انعقاد القمم المتتالية للمنتدى في بكين وجوهانسبرغ وبكين مجدداً، اتسعت مجالات التعاون لتشمل التصنيع، والزراعة الحديثة، والتنمية الخضراء، والتحول الرقمي، والصحة العامة، وتنمية الموارد البشرية، والابتكار العلمي والتكنولوجي.
كما ارتبطت العلاقات الصينية الأفريقية بمبادرة الحزام والطريق التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2013، والتي وفرت إطاراً إضافياً لتعزيز الترابط الاقتصادي والبنية التحتية بين الصين والدول الأفريقية. وقد انضمت أكثر من خمسين دولة أفريقية إلى المبادرة، الأمر الذي أسهم في توسيع حجم الاستثمارات الصينية في القارة.
## ثالثاً: من الشراكة السياسية إلى التعاون التنموي الشامل
شهدت العقود الأخيرة انتقال العلاقات الصينية الأفريقية من مرحلة التضامن السياسي إلى مرحلة الشراكة التنموية متعددة الأبعاد. وأصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر لأفريقيا لخمسة عشر عاماً متتالية، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بين الجانبين 295 مليار دولار، وهو ما يعكس تنامي الترابط الاقتصادي بين الطرفين.
وعلى مستوى الاستثمار، توسعت الشركات الصينية في مختلف القطاعات الحيوية، بما في ذلك البنية التحتية والطاقة والاتصالات والتصنيع والزراعة والخدمات اللوجستية. وتشير التقديرات إلى أن آلاف الشركات الصينية تعمل حالياً في القارة الأفريقية، الأمر الذي أسهم في توفير فرص العمل وتعزيز القدرات الإنتاجية المحلية.
كما احتلت مشروعات البنية التحتية مكانة محورية في التعاون الصيني الأفريقي، حيث شاركت الشركات الصينية في إنشاء وتطوير أكثر من عشرة آلاف كيلومتر من السكك الحديدية، ونحو مائة ألف كيلومتر من الطرق، إضافة إلى عشرات الموانئ والجسور والمطارات ومحطات الطاقة.
## رابعاً: أبرز الإنجازات التنموية الصينية في أفريقيا
أسهمت الشراكة الصينية الأفريقية في تنفيذ عدد من المشروعات الاستراتيجية التي غيرت المشهد الاقتصادي في العديد من الدول الأفريقية.
ففي شرق أفريقيا، شكل خط السكك الحديدية بين مومباسا ونيروبي في كينيا أحد أبرز مشاريع البنية التحتية الحديثة، حيث ساهم في تسهيل حركة التجارة والنقل وخفض تكاليف الخدمات اللوجستية. كما يعد خط السكك الحديدية الكهربائي بين أديس أبابا وجيبوتي نموذجاً ناجحاً للتعاون في مجال النقل العابر للحدود.
وفي غرب أفريقيا، ساهمت الصين في تطوير ميناء ليكي العميق في نيجيريا، الذي أصبح مركزاً مهماً للتجارة البحرية في المنطقة، كما شاركت في تنفيذ مشاريع للطاقة والطرق والجسور في غانا وساحل العاج وغينيا.
أما في الجنوب الأفريقي، فقد أصبحت جنوب أفريقيا أكبر شريك تجاري للصين في القارة، بينما توسع التعاون ليشمل قطاعات التعدين والطاقة المتجددة والصناعات التحويلية.
وفي وسط أفريقيا، نفذت الشركات الصينية العديد من المشاريع المتعلقة بالطاقة الكهرومائية والبنية التحتية والنقل، ما ساهم في تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي.
ولم يقتصر التعاون على المشروعات الاقتصادية، بل امتد إلى المجال الصحي، حيث أرسلت الصين منذ ستينيات القرن الماضي آلاف الأطباء إلى أفريقيا، كما لعب التعاون الصحي دوراً بارزاً خلال جائحة كوفيد-19، سواء من خلال توفير اللقاحات أو المعدات الطبية أو تبادل الخبرات.
## خامساً: شمال أفريقيا بوصفها محوراً استراتيجياً متقدماً في العلاقات الصينية الأفريقية
تمثل منطقة شمال أفريقيا اليوم إحدى أكثر الدوائر الجغرافية أهمية في هندسة العلاقات الصينية الأفريقية المعاصرة، ليس فقط بحكم موقعها الجيوستراتيجي الرابط بين أفريقيا وأوروبا والعالم العربي، بل أيضاً بسبب تحولها التدريجي إلى فضاء صناعي ولوجستي وتكنولوجي متكامل ضمن مبادرة الحزام والطريق. ويعكس هذا التحول انتقال التعاون الصيني الأفريقي من منطق المشاريع المتفرقة إلى منطق الأقاليم الاستراتيجية المتصلة بسلاسل القيمة العالمية.
لقد اكتسبت دول شمال أفريقيا خلال العقدين الأخيرين موقعاً متقدماً في أولويات التعاون الصيني، حيث أصبحت مصر والمغرب والجزائر وتونس وليبيا مراكز ارتكاز رئيسية في إعادة تشكيل خرائط الاستثمار والتجارة والبنية التحتية العابرة للقارات.
## أولاً: مصر — من الشراكة التاريخية إلى نموذج التصنيع والتكامل الإقليمي
تحتل مصر موقعاً محورياً في العلاقات الصينية الأفريقية بحكم كونها أول دولة أفريقية وعربية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين عام 1956، وبحكم دورها الجغرافي كبوابة للبحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.
وقد تطورت الشراكة المصرية الصينية خلال العقدين الأخيرين إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية الشاملة”، مع تركيز واضح على التصنيع والبنية التحتية والتنمية الحضرية.
ومن أبرز محاور هذه الشراكة:
* **منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري “تيدا” في العين السخنة**: والتي تمثل نموذجاً متقدماً للتجمعات الصناعية الصينية في الخارج، حيث استقطبت شركات في مجالات مواد البناء والبتروكيماويات والصناعات الهندسية، وأسهمت في دعم التوظيف المحلي ونقل التكنولوجيا تدريجياً.
* **منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية الجديدة**: التي تعد أحد أبرز الرموز المعمارية للتعاون الصيني المصري، بما في ذلك البرج الأيقوني الذي يعكس دخول الشركات الصينية إلى مشروعات عمرانية ضخمة ذات طابع حضري حديث.
* **القطار الكهربائي الخفيف (LRT)** الذي يربط القاهرة بالعاصمة الإدارية الجديدة، والذي يمثل تحولاً في منظومة النقل الحضري المستدام.
* **التعاون في قطاع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر**، حيث تتزايد الشراكات الصينية في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما ينسجم مع التحول المصري نحو الاقتصاد الأخضر.
* **التعاون الفضائي والتكنولوجي**، بما في ذلك إطلاق الأقمار الصناعية المشتركة ومشروعات البحث العلمي، وهو ما يعكس انتقال العلاقات نحو مستويات تكنولوجية أعلى.
وبذلك، يمكن النظر إلى الحالة المصرية بوصفها نموذجاً متقدماً لدمج البنية التحتية بالصناعة والتكنولوجيا في إطار الشراكة الصينية الأفريقية.
ثانياً: المغرب — مركز صناعي ناشئ في سلاسل القيمة الخضراء
يمثل المغرب حالة متميزة في شمال أفريقيا من حيث قدرته على استقطاب الاستثمارات الصينية في القطاعات الصناعية المتقدمة، خاصة في مجالات السيارات الكهربائية وسلاسل توريد البطاريات والطاقة النظيفة.
وقد استفاد المغرب من موقعه الجغرافي كبوابة إلى أوروبا، ومن استقراره الصناعي، ليصبح أحد المراكز الصاعدة في إعادة توزيع سلاسل الإنتاج العالمية.
ومن أبرز مظاهر التعاون:
* توسع الاستثمارات الصينية في **صناعة السيارات الكهربائية** ومكوناتها.
* مشاريع متقدمة في **إنتاج البطاريات ومكونات التخزين الطاقي**.
* شراكات في **الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر**.
* انخراط متزايد في مبادرة الحزام والطريق، بما يعزز مكانة المغرب كحلقة وصل بين أفريقيا وأوروبا والصين.
ويعكس هذا المسار انتقال التعاون من البنية التحتية التقليدية إلى الصناعات عالية القيمة والتكنولوجيا الخضراء.
ثالثاً: الجزائر — شراكة قائمة على البنية التحتية والطاقة والتحول الصناعي
تعد الجزائر أحد الشركاء الرئيسيين للصين في شمال أفريقيا، مع تركيز تاريخي على مشاريع البنية التحتية والإسكان والطرق والطاقة.
وقد شهد التعاون بين البلدين تطوراً ملحوظاً بعد انضمام الجزائر إلى مبادرة الحزام والطريق عام 2018، حيث توسعت مجالات الشراكة لتشمل:
* مشاريع كبرى في **البنية التحتية والطرق السريعة والإسكان الحضري**.
* التعاون في قطاع **الطاقة والنفط والغاز**، باعتبار الجزائر أحد أهم منتجي الطاقة في أفريقيا.
* مشروعات مينائية ولوجستية استراتيجية، أبرزها مشاريع تطوير الموانئ لرفع القدرة التصديرية.
* توسع التعاون في **التحول الرقمي والتكنولوجيا الصناعية**.
ويُظهر المسار الجزائري أن التعاون الصيني الأفريقي في شمال أفريقيا لا يقتصر على البنية التحتية، بل يمتد إلى دعم التحول الصناعي والاقتصادي طويل المدى.
رابعاً: تونس — تعاون تدريجي في مجالات التكنولوجيا والتنمية البشرية
رغم أن حجم الاستثمارات الصينية في تونس أقل نسبياً مقارنة بجيرانها، إلا أن التعاون بين البلدين يتسم بطابع نوعي ومتدرج، يركز على:
* تطوير البنية التحتية والخدمات العامة.
* التعاون في قطاع الصحة، خاصة في تبادل الخبرات الطبية.
* التعليم العالي والمنح الدراسية.
* مشاريع الرقمنة والتكنولوجيا الناشئة.
وتسعى تونس إلى تعزيز موقعها ضمن مبادرة الحزام والطريق، بما يتيح لها الاندماج بشكل أعمق في الشبكات اللوجستية الإقليمية.
## خامساً: ليبيا — آفاق إعادة الإعمار وإعادة الاندماج الاقتصادي
تمثل ليبيا حالة خاصة ضمن شمال أفريقيا، حيث يرتبط التعاون الصيني معها بمرحلة ما بعد إعادة الاستقرار وإعادة الإعمار.
وتتمحور آفاق التعاون المحتملة حول:
* إعادة بناء البنية التحتية المدمرة.
* مشاريع الإسكان والطاقة.
* إعادة تأهيل قطاع النفط والبنية اللوجستية.
* إدماج ليبيا مستقبلاً في شبكات النقل والتجارة الإقليمية.
ورغم أن التعاون لا يزال في مرحلة إعادة التشكيل، إلا أن الإمكانات المستقبلية كبيرة نظراً للموقع الليبي الاستراتيجي على المتوسط.
## سادساً: الدلالات الاستراتيجية لتحول شمال أفريقيا
يمكن قراءة التحول المتسارع في دور شمال أفريقيا ضمن العلاقات الصينية الأفريقية من خلال ثلاث دلالات رئيسية:
1. **تحول جغرافي من الهامش إلى المركز**
لم تعد شمال أفريقيا مجرد منطقة عبور، بل أصبحت عقدة ربط استراتيجية في سلاسل القيمة العالمية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
2. **الانتقال من البنية التحتية إلى التصنيع والتكنولوجيا**
يُظهر التعاون في مصر والمغرب والجزائر انتقالاً واضحاً نحو الصناعات المتقدمة، خاصة السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا الرقمية.
3. **تعميق التكامل مع مبادرة الحزام والطريق**
أصبحت المنطقة جزءاً عضوياً من المبادرة، بما يعزز الترابط اللوجستي والتجاري بين القارات الثلاث.
خاتمة: نحو عقد جديد من الشراكة الصينية الأفريقية
مع دخول العلاقات الصينية الأفريقية عقدها الثامن، تبدو ملامح مرحلة جديدة أكثر تعقيداً وعمقاً، تقوم على التحول الصناعي، والابتكار التكنولوجي، والتنمية الخضراء، وبناء سلاسل قيمة عالمية مشتركة.
وفي هذا السياق، تبرز شمال أفريقيا بوصفها مساحة اختبار مركزية لمستقبل هذه الشراكة، حيث تتقاطع الجغرافيا بالاقتصاد، وتتداخل الاستراتيجيات الوطنية مع المبادرات العابرة للأقاليم.
إن سبعين عاماً من العلاقات الصينية الأفريقية لا تمثل مجرد سجل تاريخي، بل تشكل قاعدة تأسيسية لمرحلة جديدة من التعاون، عنوانها الانتقال من “التضامن التنموي” إلى “التكامل الاستراتيجي”، ومن “الشراكة الثنائية” إلى “بناء مجتمع ذي مصير مشترك في العصر الحديث”.



