زلزال تكساس… الديمقراطيون يكسرون المعقل الجمهوري ويهزّون عرش ترامب

خاص مناشير
من هزيمة كين باكستون إلى سقوط غريغ أبوت… هل بدأت تكساس تكتب نهاية الهيمنة الجمهورية على واحدة من أهم الولايات الأميركية؟
لم تكن نكسة الجمهوريين في الانتخابات النصفية الأميركية مجرد خسارة انتخابية عابرة، ولا يمكن اختزالها في تبدّل موازين المقاعد داخل الكونغرس أو خسارة عدد من الولايات. فما جرى في تكساس تحديداً يحمل دلالات سياسية تتجاوز حدود الولاية، ويشكّل واحدة من أبرز المفاجآت في المشهد الأميركي، بعدما نجح الديمقراطيون في اختراق معقل جمهوري ظلّ لعقود طويلة عصيّاً على منافسيهم.
تكساس ليست ولاية عادية في الحسابات الأميركية. إنها واحدة من أكبر مراكز الثقل الاقتصادي والسياسي في الولايات المتحدة، وتتمتع بنفوذ واسع في قطاعات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا والتجارة، فضلاً عن وزنها الانتخابي الكبير. ولذلك، فإن خسارة الجمهوريين فيها لا تعني فقط فقدان مواقع سياسية، بل تعني اهتزاز إحدى أهم ركائز نفوذهم الوطني.
الزلزال بدأ من مجلس الشيوخ، حيث حقق الديمقراطي جيمس تالاريكو فوزاً تاريخياً على الجمهوري كين باكستون، مستعيداً للديمقراطيين مقعداً في مجلس الشيوخ الأميركي عن تكساس غابوا عنه منذ عام 1988. ولم يكن الفوز عادياً، بل جاء في مواجهة مرشح جمهوري بارز، وفي ولاية اعتُبرت طويلاً من أكثر الولايات محافظة وتمسكاً بالتصويت الجمهوري.
وتكمن أهمية تالاريكو أيضاً في الخطاب السياسي الذي حمله خلال حملته الانتخابية، إذ قدّم نفسه بصفته صوتاً معارضاً للنفوذ المالي والسياسي التقليدي، ورفض تلقي أموال من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، كما اتخذ مواقف معارضة للحرب على إيران وللجرائم الإسرائيلية في غزة. وهو ما أضفى على حملته بُعداً سياسياً يتجاوز المنافسة التقليدية بين الحزبين، ويعكس حضور تيارات أكثر نقداً للسياسة الخارجية الأميركية ولنفوذ جماعات المصالح.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت من انتخابات الحاكم، حيث نجحت الديمقراطية جينا هينوجوسا في إلحاق الهزيمة بالحاكم الجمهوري غريغ أبوت، لتنهي سنوات طويلة من السيطرة الجمهورية على منصب حاكم الولاية، وتصبح أول امرأة لاتينية تتولى هذا المنصب في تاريخ تكساس، وأول حاكمة ديمقراطية منذ التسعينيات.
ولم يتوقف التقدم الديمقراطي عند هذا الحد، بل امتد إلى مواقع تنفيذية أساسية، من بينها منصب نائب الحاكم الذي فازت به فيكي غودوين، ومنصب المدعي العام للولاية الذي فاز به ناثان جونسون، في مشهد يعكس اتساع التحول الانتخابي وتراجع قدرة الجمهوريين على الاحتفاظ باحتكارهم التقليدي لمؤسسات الولاية.
لماذا تكساس تحديداً؟
لأن تكساس تمثل أكثر من مجرد ولاية جمهورية. فهي مركز اقتصادي هائل، وتملك ثروة نفطية وصناعية وتجارية تجعلها إحدى أهم ركائز الاقتصاد الأميركي. كما أن وزنها السكاني والانتخابي يمنحها تأثيراً حاسماً في أي معركة رئاسية أو تشريعية مقبلة.
ومن هنا، فإن انتقالها إلى المعسكر الديمقراطي، ولو في إطار الانتخابات الحالية، يضع الجمهوريين أمام سؤال استراتيجي بالغ الأهمية: ماذا يبقى من المعادلة الانتخابية التقليدية للحزب إذا لم يعد قادراً على ضمان الفوز في واحدة من أهم قلاعه؟
الأمر لا يتعلق فقط بشخص دونالد ترامب أو بأداء مرشحي الحزب الجمهوري، بل بمؤشرات أوسع على تبدّل المزاج الشعبي، وخصوصاً في أوساط الناخبين الشباب واللاتينيين والشرائح التي باتت أكثر اهتماماً بكلفة المعيشة والرعاية الصحية والتعليم والحقوق الاجتماعية.
كما أن التحولات في عدد من المقاطعات التي اعتادت التصويت للجمهوريين تكشف أن الخريطة الانتخابية لم تعد محكومة بالولاءات الحزبية الثابتة، وأن الانتماء التقليدي إلى المعسكر المحافظ لم يعد ضمانة انتخابية كافية.
ترامب أمام اختبار سياسي جديد
لا يمكن فصل ما جرى في تكساس عن المشهد الوطني الأميركي. فالانتخابات النصفية غالباً ما تتحول إلى استفتاء سياسي على أداء الإدارة القائمة، وحجم الرضا الشعبي عن سياساتها الداخلية والخارجية.
وبالنسبة إلى ترامب والجمهوريين، فإن خسارة تكساس تفتح الباب أمام مرحلة من المراجعة السياسية، خصوصاً أن الولاية كانت تمثل إحدى أهم ضمانات الحزب في الحسابات الانتخابية. أما الديمقراطيون، فقد حصلوا على فرصة نادرة لإعادة تقديم أنفسهم بوصفهم قوة قادرة على اختراق البيئات المحافظة، وليس مجرد حزب يحقق انتصاراته في الولايات الساحلية والمدن الكبرى.
ومع ذلك، فإن الانتصار في تكساس لا يعني أن الولاية أصبحت ديمقراطية بصورة نهائية، ولا أن الجمهوريين فقدوا قدرتهم على المنافسة فيها. لكنه يعني أن المعادلة القديمة تعرضت لصدمة حقيقية، وأن ما كان يُعتبر مستحيلاً قبل سنوات أصبح اليوم واقعاً انتخابياً.
ما جرى في تكساس ليس تفصيلاً في الانتخابات الأميركية، بل رسالة سياسية ثقيلة الوزن. فحين يهتز المعقل الذي اعتاد الجمهوريون اعتباره مضموناً، يصبح السؤال أكبر من هوية الفائز والخاسر: هل دخلت الولايات المتحدة مرحلة إعادة رسم خريطتها السياسية، وهل بدأ العدّ العكسي لتراجع الهيمنة الجمهورية التي شكّلت لعقود أحد ثوابت السياسة الأميركية؟



