روسيا تواجه تحديات في تطوير الطائرات بدون طيار وتتبُّعها عبر ERA-GLONASS؟

د. خالد العزي – مناشير
في الوقت الذي تسعى فيه العديد من الدول إلى الانخراط في “اقتصاد الطيران المنخفض” باستخدام الطائرات بدون طيار (UAVs) لنقل البضائع والركاب على ارتفاعات منخفضة، تواجه روسيا تحديات كبيرة في اللحاق بركب هذه الثورة التكنولوجية. على الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزته الصين في هذا المجال، تسعى روسيا لتطوير تقنيات مشابهة، لكنها لا تزال في مراحل متأخرة نسبيًا مقارنة بالقدرات العالمية، خصوصًا فيما يتعلق بتتبع الطائرات المدنية بدون طيار باستخدام أنظمة مثل ERA-GLONASS.
الطائرات بدون طيار الصينية: النموذج الرائد
لطالما كانت الصين في طليعة هذا القطاع، وتواصل توسيع قدراتها في الطائرات بدون طيار من خلال استخدام الطائرات التي تعمل على ارتفاعات منخفضة. فمنذ عدة سنوات، بدأت الصين في تطوير “اقتصاد الطيران المنخفض”، الذي يعتمد على الطائرات بدون طيار لتحلق على ارتفاع أقل من كيلومتر واحد أو عدة مئات من الأمتار. وفي عام 2025، من المتوقع أن تطلق الصين أول مسار لوجستي منتظم للطائرات بدون طيار في إحدى المقاطعات الجبلية الواقعة في جنوب غرب الصين.
تمكنت الصين بالفعل من استخدام طائرات eVTOL (الطائرات الكهربائية للإقلاع والهبوط العمودي) لنقل الإمدادات الطبية ومنتجات زراعية عبر مسافة 118 كيلومترًا في 40 دقيقة فقط، مقارنةً بالوقت الذي يستغرقه النقل البري التقليدي بين نفس الموقعين والذي يمتد لأكثر من ساعتين بسبب التضاريس الوعرة.
وفقًا لتوقعات إدارة الطيران المدني الصينية، فإن سوق الطيران منخفض الارتفاع سيصل إلى أكثر من 210 مليارات دولار أمريكي بحلول 2025، مع تزايد هذا الرقم ليصل إلى 500 مليار دولار أمريكي في عام 2035. بالإضافة إلى ذلك، تسعى الصين إلى تصدير تقنياتها المتطورة في مجال الطائرات بدون طيار وأنظمة التحكم في الطيران إلى أسواق جديدة، مما يعزز مكانتها في الاقتصاد العالمي.
روسيا: التحديات في التوسع
أما بالنسبة لروسيا، على الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها الحكومة لدفع عجلة تطوير الطائرات بدون طيار، فإن روسيا لا تزال متأخرة في هذا المجال. فبينما تواصل الصين والولايات المتحدة تقنيات الطيران منخفض الارتفاع، لا تزال روسيا في مرحلة اختبار الطائرات المدنية بدون طيار، ويجب عليها اللحاق بالركب التكنولوجي العالمي. وفي هذا الإطار، أعلنت روسيا عن خطط لاختبار نظامها الخاص لتتبع الطائرات المدنية بدون طيار باستخدام ERA-GLONASS، والذي يتوقع أن يبدأ في مارس 2026. هذا النظام يُعد خطوة مهمة نحو ضمان سلامة رحلات الطائرات المدنية بدون طيار وتنظيمها عبر الأجواء الروسية.
الهدف من هذا النظام هو أن يشمل تتبع الطائرات عبر لوحات إرسال الإحداثيات، بحيث يتمكن نظام ERA-GLONASS من تقديم إشارات دقيقة تتعلق بموقع الطائرة، مما سيسهم في تطوير بنيتها التحتية وتقديم خدمات آمنة وفعالة في هذا القطاع الناشئ. في وقت سابق من هذا العام، أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعليماته إلى الحكومة الروسية للعمل على تبسيط اللوائح المتعلقة بالطائرات المدنية بدون طيار وتسريع تطوير هذا القطاع الحيوي.
الطائرات بدون طيار الروسية: آفاق واعدة ولكن صعبة
إن تطوير الطائرات المدنية بدون طيار في روسيا يتطلب التحدي الكبير المتمثل في أن هذه التقنيات الجديدة ليست مجرد ابتكار تكنولوجي بل تتطلب أيضًا بنية تحتية تنظيمية وأمنية معقدة. لقد أصدرت الحكومة الروسية خططًا لتنظيم الطائرات غير المأهولة على المستوى الوطني، إلا أن العديد من التقارير تشير إلى أن روسيا قد تجد صعوبة في تجاوز بعض العقبات، بما في ذلك التأخيرات في التشريعات وافتقارها إلى الخبرات اللازمة لتطوير صناعات الطيران منخفض الارتفاع.
لكن مع ذلك، هناك إشارات تشير إلى أن روسيا تحاول بشكل حثيث اللحاق بالركب. فقد أعلنت وزارة النقل الروسية في يوليو 2025 عن خطط لإنشاء نظام موحد لتعريف المركبات غير المأهولة وتطوير الأنظمة التي تسهل استخدامها في الزراعة، وهو القطاع الذي من المتوقع أن يشهد نموًا كبيرًا في استخدام الطائرات بدون طيار في المستقبل القريب. وفي هذا الإطار، يُتوقع أن توفر تقنيات الطائرات بدون طيار حلولًا مبتكرة للعديد من التحديات اللوجستية التي تواجه القطاع الزراعي الروسي.
التوسع العالمي للطائرات بدون طيار: المنافسة في الأسواق العالمية
على المستوى العالمي، تتنافس الشركات الصينية والأمريكية بشكل مستمر على الريادة في أسواق الطائرات بدون طيار. على سبيل المثال، أتمّت شركة “آرتشر للطيران” الأمريكية اختبارات ناجحة لمركبات eVTOL في ظروف قاسية في أبوظبي، مما يُعتبر خطوة هامة نحو دخول هذه الطائرات إلى الأسواق التجارية في الشرق الأوسط. في روسيا، يتوقع البعض أن يكون هناك تطور مشابه خلال الأعوام القادمة، لكن تبقى هذه التوقعات مشروطة بتجاوز روسيا لعدة عقبات تنظيمية وتكنولوجية.
في منطقة الشرق الأوسط، تخطط شركة أوتوكرافت الإماراتية لإدخال “التاكسي الجوي” إلى السوق التجارية، حيث وقعت مؤخرًا مع شركة صينية مذكرة تفاهم لشراء 350 طائرة من طراز eVTOL بقيمة مليار دولار. ومن المتوقع أن تُستخدم هذه الطائرات في تطبيقات السياحة والتنقل الحضري في المنطقة.
دور كازاخستان وفيتنام في “اقتصاد الطيران منخفض الارتفاع”
تسعى دول مثل كازاخستان وفيتنام إلى الاستفادة من التقنيات الحديثة للطائرات بدون طيار لتلبية احتياجاتها المحلية والإقليمية. في كازاخستان، أُعطي اهتمام خاص للطائرات بدون طيار في القطاعات الزراعية والخدمات اللوجستية، بينما تسعى فيتنام إلى أن تصبح مركزًا مهمًا للطائرات بدون طيار في جنوب شرق آسيا، مستفيدةً من موقعها الجغرافي المتميز وسياساتها الداعمة للابتكار.
هل ستتمكن روسيا من اللحاق بالصين؟
يظل السؤال الأكبر بالنسبة لروسيا هو ما إذا كانت ستتمكن من اللحاق بالصين في مجال الطائرات المدنية بدون طيار. في حين أن الصين تستفيد من تسريع عمليات التطوير والتوسع في هذه التقنيات، فإن روسيا تحتاج إلى جهد كبير على مستويات متعددة، من تطوير أنظمة التحكم الوطني إلى تحسين التشريعات والبنية التحتية.
إذا تمكنت روسيا من التغلب على هذه التحديات، فقد تتمكن من أن تكون جزءًا مهمًا من “اقتصاد الطيران المنخفض” وتقديم حلول مبتكرة لمشاكل النقل البري واللوجستيات. ومع تزايد الاستثمارات في هذا القطاع، ستكون السنوات القادمة حاسمة بالنسبة لروسيا في تحديد مكانتها في هذه الصناعة العالمية.



