ذكرى الياس سكاف تتحوّل إلى علامة استفهام سياسية في زحلة: هل تغيّر بيت سكاف أم تغيّرت العلاقة مع الناس؟

مناشير – زحلة
أعادت الذكرى الحادية عشرة لغياب الزعيم الزحلي الياس سكاف فتح باب الأسئلة حول واقع البيت السياسي الذي حمل اسمه، بعدما مرّت المناسبة هذا العام بحضور خجول في القداس الذي أُقيم في مطرانية سيدة النجاة، وسط غياب الدعوة والتحضيرات الشعبية التي اعتادها الزحالنة والبقاعيون في محطات سابقة. وحتى غاب الاعلام الزحلي والبقاعي عن مواكبة هذا الحدث.
ولم تقتصر علامات الاستفهام على حجم المشاركة في إحياء الذكرى، بل امتدّت إلى دلالات هذا المشهد في مدينة لا تزال تستحضر الياس سكاف بوصفه أحد أبرز وجوهها السياسية، وصاحب حضور ارتبط بعلاقة مباشرة مع الناس، حتى أطلق عليه محبّوه لقب «الزعيم الآدمي». أما تشييعه الشعبي، فكان محطة استثنائية عكست حجم المكانة التي احتلّها في وجدان أبناء زحلة والبقاع.
لكنّ المشهد هذا العام طرح سؤالاً يتردّد في الأوساط الزحلية: هل تغيّر بيت سكاف، أم تغيّرت علاقته بالناس؟
فمنذ غياب رئيس الكتلة الشعبية، يلاحظ متابعون تراجعاً تدريجياً في الحضور السياسي والاجتماعي للبيت الذي مثّله الياس سكاف، وفي الحركة التي كانت تشهدها الدار خلال المناسبات والمحطات المفصلية. ويرى بعض أبناء المدينة أنّ النهج الذي تعتمده السيدة ميريام سكاف يختلف عن الأسلوب الذي عرفوه في عهد «إيلي بيك»، حين كان البيت مساحة مفتوحة لكل أبناء زحلة والمنطقة بكل الاطياف والاحزاب.
لم يكن الياس سكاف بالنسبة إلى جمهوره مجرّد نائب أو رئيس كتلة نيابية، بل شكّل عنواناً سياسياً ارتبط بمرحلة كاملة من تاريخ زحلة. وكانت العلاقة التي جمعته بأبناء المدينة والجوار رمزاً للعيش المشترك وجزءاً أساسياً من صورته العامة، فيما مثّل بيته نقطة تواصل تتجاوز الحسابات الانتخابية والمناسبات البروتوكولية.
اليوم، وبعد أحد عشر عاماً على غيابه، لم تعد المسألة مرتبطة بإحياء ذكرى سنوية فحسب، بل أصبحت تتصل بمستقبل البيت السياسي نفسه، وبمدى قدرته على الحفاظ على إرث صاحبه وتجديد علاقته بالقاعدة الشعبية.
وفي هذا السياق، يصف سكافيون عاصروا «إيلي بيك» مرور الذكرى هذا العام بأنّه «نكسة»، معتبرين أنّ المشكلة، من وجهة نظرهم، لا تكمن في ابتعاد الناس عن البيت، بقدر ما ترتبط بأداء ميريام سكاف، وابتعاد نجليها عن المدينة، وغياب التواصل المنتظم مع القاعدة الشعبية التي شكّلت تاريخياً ركيزة حضور الكتلة الشعبية.
وتعكس هذه المواقف، وإن كانت تعبّر عن شريحة من محازبي البيت ومناصريه، حالة من القلق حيال مسار سياسي لم ينجح، وفق منتقديه، في الحفاظ على الزخم الذي تركه الياس سكاف، أو في بناء علاقة متجدّدة مع الأجيال الجديدة من الزحالنة.
فالزعامة لا تُورث بالاسم وحده، والرصيد الشعبي لا يبقى محفوظاً إلى الأبد. ففي مدينة تختزن ذاكرة سياسية عميقة، لا تُقاس قوة البيت السياسي بعدد بياناته أو حضوره الإعلامي، بل بقدرته على إبقاء أبوابه مفتوحة، والتواصل مع الناس، والاستماع إلى هواجسهم، واستعادة الثقة التي لا تُفرض ولا تنتقل تلقائياً من جيل إلى آخر.
ومن هنا، تكتسب الذكرى الحادية عشرة دلالتها السياسية: فالسؤال لم يعد عن غياب الياس سكاف، الذي استقرّ في ذاكرة زحلة، بل عن غياب الحضور الشعبي الذي كان يحيط ببيته، وعن الأسباب التي جعلت المسافة تتّسع بين الطرفين.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تزداد أهمية هذه المؤشرات، إذ إنّ تراجع التواصل مع القاعدة الشعبية، إذا استمرّ، قد ينعكس على قدرة الكتلة الشعبية على استعادة موقعها السابق. ولا يمكن الجزم مسبقاً بنتائج الانتخابات، لكنّ التجارب السياسية تؤكد أنّ الحضور التاريخي وحده لا يكفي لضمان استمرار النفوذ، ما لم يُترجم إلى عمل ميداني وتواصل فعلي مع الناخبين.
في زحلة، لم تكن ذكرى الياس سكاف هذا العام مجرّد مناسبة لاستعادة رجل غاب، بل تحوّلت إلى مرآة لواقع بيته السياسي. وبين إرث «إيلي بيك» وتحديات الحاضر، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح ميريام سكاف في إعادة وصل ما انقطع مع الناس، أم أنّ المسافة التي كشفتها الذكرى ستتحوّل إلى معادلة انتخابية يصعب تجاوزها؟



