جنرال الطاقة يتحكم بالعالم – سعيد عيسى

د. سعيد عيسى
تعيش الدول المصدرة للطاقة، وفي مقدمتها دول الخليج، أزمة مزدوجة، فصادراتها تراجعت بفعل اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وهي مقبلة في السنوات القادمة على اختلالات بنيوية، لأن اقتصاداتها تقوم على ريع لا تتحكم في مسالك تصديره. وتعيش الدول المستوردة أزمة في الاتجاه المعاكس، إذ باتت كلفة الطاقة والغذاء والنقل أعلى من قدرات موازناتها وأسرها، أما دول الممرات، ومصر في مقدمتها، فتتأثر بتبدّل حركة التجارة والشحن عبر أراضيها ومياهها. وتجمع أوروبا هذه الضغوط معاً، فهي مستوردة للطاقة ولا تملك مفاتيح الأزمة في هرمز ولا في إيران، وحكوماتها تواجه ناخبين ومحتجين يطالبونها بحماية القدرة الشرائية من دون أن تملك مبادرة مستقلة تغيّر مسار الحرب. ويضاف إلى ذلك عبء العقوبات على روسيا، الذي تدفع أوروبا جزءاً من ثمنه في فواتير الطاقة. والمفارقة أن واشنطن، التي استخدمت العقوبات النفطية أداة للضغط على موسكو منذ حرب أوكرانيا، خففتها مؤقتاً تحت ضغط حرب إيران.
فاتورة المعيشة
الاحتجاجات الأوروبية لا تُفسّر بأسعار الوقود وحدها. فالغلاء جاء فوق أزمة سكن وقدرة شرائية متراجعة أصلاً. وارتفاع أسعار النفط والغاز لا يرفع كلفة التدفئة والتنقل فقط، بل يرفع كلفة النقل والإنتاج والأسمدة، ثم أسعار الغذاء، فتصل الزيادة إلى ميزانية الأسرة عبر أكثر من باب. والمواطن لا تعنيه نسبة التضخم في تقرير رسمي بقدر ما يعنيه ما يبقى من راتبه حتى آخر الشهر. كما أن توزيع الكلفة غير متساوٍ. فالأسر الميسورة لا تؤثر فيها الزيادات كثيراً، أما الأسر محدودة الدخل فتقلص استهلاكها أو تستدين أو تتخلى عن بنود أخرى. ومع تكرار ذلك، تتحول النقمة إلى سؤال سياسي يُطرح: من يتحمل كلفة هذه الحرب، ومن قرر أن يتحملها؟
في أوروبا، لا يقود كل احتجاج اقتصادي إلى تحول سياسي، لكنه يوفر للقوى الشعبوية أرضاً مناسبة، لأن الثقة بالأحزاب التقليدية تتراجع كلما عجزت الحكومات عن حماية القدرة الشرائية، أو انشغلت بأهداف استراتيجية لا يرى الناس نتيجة لها في حياتهم اليومية. والقوى التي ترفع شعار السيادة ستُسأل بدورها عما تفعله لحماية المجتمع من كلفة قرارات تُتخذ باسمه.
في الولايات المتحدة، الاختبار أقرب وأوضح لأن الانتخابات النصفية على الأبواب. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب ربط جزءاً من شرعيته بتحسين المعيشة، فصار سعر الوقود وسلة الغذاء مقياساً يومياً لأدائه. وأظهر استطلاع لأسوشيتد برس ومركز نورك، أُجري في أواخر أيلول/ سبتمبر من السنة الحالية ونُشر مطلع الشهر الحالي، أن 65% من الأميركيين يحمّلون سياسته مسؤولية استمرار الغلاء وتصاعده أكثر من العوامل الخارجة عن سيطرته، وأن نحو 7 من كل 10 مواطنين يرون أداءه في ملف غلاء المعيشة أسوأ مما توقعوا. ولا يوافق على أدائه في هذا الملف سوى 17%. وهذه الأرقام لا تحسم نتيجة الانتخابات، فالاستطلاع نفسه يربط السخط بالرسوم الجمركية والحرب مع إيران، لا بالطاقة وحدها، ويُظهر أن 67% من الجمهوريين ما زالوا يعتبرون العوامل الخارجية مسؤولة عن ارتفاع الأسعار، وهذا يحد من أثر الغضب داخل قاعدة الرئيس. لكنها تدل على أن القوة في الخارج لا تتحول تلقائياً إلى رصيد في الداخل. فالناخب الذي يسمع خطاباً عن النفوذ الأميركي يسأل عن كلفته حين تصل إلى ميزانية أسرته، وعندها تدخل الحرب في حسابه الانتخابي كجزء من مسؤولية الرئيس.
هرمز والغياب
مضيق هرمز ليس ممراً بحرياً فحسب، بل هو نقطة اختناق في الاقتصاد العالمي. فحين تتعطل الملاحة فيه، ترتفع أسعار النفط والغاز وكلفة الشحن والتأمين، ولا تستطيع الدول المستوردة تعويض ذلك سريعاً بتنويع مورديها. وأوروبا في هذه الأزمة تتحمل الكلفة وتملك أوراقاً قليلة. ولا يصح القول إنها لم تتحرك. فقد دعت إلى استعادة حرية الملاحة وناقشت أمن الخليج مع شركائها. لكن بين الموقف والقدرة على فرض تسوية بوناً واسعاً، فالدعوة إلى فتح المضيق لا تعني امتلاك أدوات لمعالجة أسباب إغلاقه، خصوصاً أن الأزمة جزء من مواجهة إقليمية ودولية أوسع من المصالح الأوروبية المباشرة.
الغائب هنا هو مبادرة أوروبية مستقلة تربط أمن الملاحة بخفض التصعيد وبضمانات متبادلة، وتستخدم وزن الاتحاد الأوروبي الاقتصادي والدبلوماسي. من دونها تبقى القارة متلقية لنتائج قرارات تُصنع خارجها، ويبدو “الاستقلال الاستراتيجي” الذي تتحدث عنه بروكسل شعاراً أكثر منه سياسة. وينعكس ذلك في الداخل الأوروبي، إذ يصعب على الحكومات أن تقنع مواطنيها بسياستها وهي عاجزة عن حماية أسواقها من صدمات تتكرر كل حين.
العقوبات والمفارقة
العقوبات على روسيا تعقّد الصورة أكثر. كان هدفها تقليص الموارد التي تمول الحرب في أوكرانيا، عبر قيود مالية وتجارية وأخرى على الطاقة. لكن سوق الطاقة لا تتحرك وفق الأهداف السياسية، فحين ترتفع الأسعار تتغير حسابات المنتجين والمستوردين، وقد تعوّض موسكو جزءاً من خسائرها بارتفاع سعر ما تبيعه، بحسب حجم صادراتها وقدرتها على الالتفاف على القيود. وهذا لا يعني أن العقوبات بلا جدوى، ولا أن إلغاءها هو الحل. فالتراجع عنها تحت ضغط الأزمة يمنح روسيا مكسباً اقتصادياً وسياسياً ويضعف مصداقية التزام أوروبا تجاه أوكرانيا. لكن إبقاءها من دون مراجعة دورية لفاعليتها، ومن دون سياسة طاقة تخفف تعرض المجتمعات الأوروبية للصدمات، يوسع الفجوة بين الهدف الخارجي وقدرة الناس على دفع ثمنه.
فالخيار ليس بين دعم أوكرانيا وحماية المستهلك الأوروبي، بل في كيفية الجمع بينهما. العقوبات أداة ضغط، وليست بديلاً من استراتيجية للطاقة ولا من الدبلوماسية. وأزمة هرمز تُظهر أن الضغط على مورد واحد لا يعزل الاقتصاد الأوروبي عن صدمات الموردين الآخرين، لأن السوق العالمية مترابطة.
في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم، سيتبين في أميركا إن كان الغضب من الأسعار كافياً لتغيير الأصوات، مع أن غالبية الجمهوريين لا تزال تلقي بالمسؤولية على الظروف الخارجية. أما في أوروبا، فلم يتضح بعد إلى أين سيذهب هذا الغضب: إلى الأحزاب التقليدية التي تعد بضبط الأسعار، أم إلى خصومها من اليمين واليسار؟



