تركيا تبني الجيش السوري.. وتوسع الحزام الأمني جنوبًا يفاقم التوتر

مناشير
تتجه الأنظار في إسرائيل إلى التحركات التركية المتسارعة لإعادة بناء الجيش السوري، في وقت يحظى فيه الرئيس السوري أحمد الشرع بدعم سياسي متزايد من الولايات المتحدة، بالتزامن مع تقارير سورية تتحدث عن تصعيد النشاط العسكري الإسرائيلي وتوسيع الحزام الأمني في جنوب البلاد.
وبحسب تقرير نشره الصحافي الإسرائيلي شاي ليفي على موقع “ماكو”، تتولى أنقرة دورًا رئيسيًا في إعادة هيكلة الجيش السوري الجديد، عبر تزويده بطائرات مسيّرة ومركبات مدرعة ومنظومات دفاع جوي، إلى جانب تدريب آلاف الجنود والضباط، وتقديم الدعم التنظيمي والعسكري لوزارة الدفاع السورية.
ويشير التقرير إلى أن هذه الخطوات تأتي بعد نحو عام ونصف على العملية العسكرية الإسرائيلية التي دمّرت القسم الأكبر من قدرات الجيش السوري السابق عقب سقوط نظام بشار الأسد، ما جعل عملية إعادة البناء أولوية بالنسبة للإدارة السورية الجديدة وحليفتها تركيا.
ومن أبرز المؤشرات التي تثير المخاوف الإسرائيلية، نشر تركيا رادارًا متطورًا من طراز HTRS-100 داخل الأراضي السورية، في خطوة يُعتقد أنها تمهّد لإقامة منظومة دفاع جوي سورية بإشراف تركي، إلى جانب المساهمة في إنشاء منظومة قيادة وسيطرة جديدة ودمج الفصائل المسلحة ضمن تشكيلات عسكرية نظامية.
كما رُصدت خلال الأيام الأخيرة أعمال مشتركة لقوات سورية وتركية لبناء جسور فوق نهر الفرات قرب دير الزور، في إطار مشاريع تهدف إلى إعادة تأهيل البنية التحتية، لكنها تسهم أيضًا في تسهيل انتشار القوات السورية وربط مختلف المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة.
ووفق التقرير، لا تقتصر خطط أنقرة على الدعم الحالي، بل تشمل مستقبلًا تزويد الجيش السوري بدبابات وصواريخ ومروحيات، مع بحث إمكانية توفير طائرات مقاتلة لتعويض الخسائر التي تكبّدها سلاح الجو السوري خلال الضربات الإسرائيلية السابقة.
ورغم ذلك، يحرص الجانبان التركي والسوري في المرحلة الحالية على تجنب نشر أسلحة هجومية ثقيلة في جنوب غربي سوريا، ولا سيما في القنيطرة والجولان، تفاديًا لاستفزاز إسرائيل ومنعها من تنفيذ ضربات استباقية.
في المقابل، ترجّح تقديرات إسرائيلية أن يتجه الجيش السوري، مع استقرار الأوضاع الداخلية، إلى تعزيز انتشاره في جنوب البلاد بدعم تركي، في محاولة لتثبيت سلطة دمشق ومنع إسرائيل من فرض وقائع ميدانية جديدة.
سياسيًا، تتزامن هذه التطورات مع انفتاح أميركي متزايد على دمشق، حيث عقد الرئيس السوري أحمد الشرع سلسلة لقاءات على هامش قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو”، شملت المبعوث الأميركي إلى سوريا والعراق توم باراك، كما التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لبحث التعاون الأمني والعسكري.
كذلك، شهدت القمة لقاءً بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع، تخلله تسليم رسالة أميركية تؤكد قرار شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مع تعهد بدعم إعادة الإعمار وتشجيع الشركات الأميركية على الاستثمار في البلاد.
ويرى التقرير أن رفع العقوبات قد يفتح الباب أمام تدفق استثمارات وأموال إلى سوريا، يمكن أن يخصص جزء منها لإعادة بناء المؤسسة العسكرية، كما يتيح نظريًا تصدير أسلحة غربية إلى دمشق، وإن كان ذلك لا يزال يتطلب موافقات وترخيصًا منفصلًا لكل صفقة.
في المقابل، تؤكد جهات إسرائيلية أن بعض الدول الغربية تدرس أشكالًا محدودة من التعاون الأمني مع سوريا، تشمل تدريب قوات الأمن والشرطة وتعزيز أمن الحدود وتوفير مركبات عسكرية، من دون مؤشرات حتى الآن إلى تزويد الجيش السوري بأسلحة هجومية ثقيلة.
ميدانيًا، تتواصل العمليات الإسرائيلية في جنوب سوريا، إذ دعا “منتدى المنظمات غير الحكومية في سوريا” المجتمع الدولي إلى وقف الأنشطة العسكرية الإسرائيلية، معتبرًا أن التصعيد في محافظتي القنيطرة ودرعا يهدد المدنيين ويعرقل جهود إعادة الإعمار.
وتشير تقارير سورية إلى تنفيذ نحو 300 عملية عسكرية إسرائيلية خلال شهر حزيران 2026، بينها عشرات العمليات البرية والمداهمات داخل الأراضي السورية، إضافة إلى توسيع نطاق الانتشار الإسرائيلي بنحو 235 كيلومترًا مربعًا داخل منطقة الفصل ومحيطها، وإنشاء تسعة مواقع عسكرية جديدة في محافظة القنيطرة.
كما تحدثت المصادر السورية عن عمليات دهم واعتقالات وحواجز ثابتة أقامها الجيش الإسرائيلي في عدد من القرى، بينها منطقة صيدا الجولان، في حين تؤكد إسرائيل أن هذه الإجراءات تهدف إلى منع التهديدات الأمنية ومنع تمركز مجموعات مسلحة قرب حدودها.
ورغم انتهاء أعمال تحصين الحدود الإسرائيلية وإعادة تأهيل السياج والخنادق والمنشآت العسكرية، لا تزال إسرائيل تحتفظ بحزام أمني داخل الأراضي السورية، وهو ما تعتبره دمشق احتلالًا يجب إنهاؤه، مطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية عبر ضغوط سياسية تمارسها بالتعاون مع الولايات المتحدة وتركيا.
وبذلك، يبدو أن سوريا تدخل مرحلة جديدة تتداخل فيها إعادة بناء الجيش بدعم تركي والانفتاح الأميركي مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب، في مشهد يعكس تصاعد التنافس الإقليمي والدولي على رسم موازين القوى في المرحلة المقبلة.



