خبر عاجلمقالات

تحوّل العاطفة الى صراع اخوي على حساب الوحدة العراقية – محمد المشهداني 

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

تحوّل العاطفة الى صراع اخوي على حساب الوحدة العراقية – محمد المشهداني

 

 

 

محمد المشهداني _ مناشير

لم يعد الأنقسام في العراق مجرد إختلاف في الرؤى السياسية أو تباين في البرامج الحكومية بل تحول خلال العقود الماضية إلى ظاهرة إجتماعية ونفسية عميقة تجاوزت حدود السياسة لتصل إلى الرياضة والثقافة والفن وحتى العلاقات اليومية بين المواطنين وما يثير القلق أن كثيرا من هذه الأنقسامات لا تنبع من مصالح وطنية حقيقية وإنما تتغذى بعوامل خارجية وخطابات عاطفية تجعل المواطن العراقي يدخل في صراعات لا تحقق له أي منفعة مباشرة.

 

و لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تعاني من الأنقسام الحاد تصبح أكثر عرضة للتأثير الخارجي و لأن الأنقسام يضعف الهوية الوطنية الجامعة ويجعل الولاءات الفرعية أو العابرة للحدود تتقدم على الإنتماء للوطن وفي العراق الذي يمتلك تأريخا وحضارة تمتد لآلاف السنين أصبح من المؤلم أن تتحول الخلافات السياسية إلى خصومات إجتماعية وأن يقاس الإنسان أحيانا من خلال إنتمائه السياسي أو موقفه من قضية إقليمية أكثر من تقييمه بوصفه مواطنا عراقيا ولا يقتصر الأمر على السياسة وحدها بل إمتد إلى الرياضة التي يفترض أن تكون مساحة للتنافس الشريف والتقارب بين الشعوب ففي كثير من المناسبات يتحول تشجيع فريق أو منتخب إلى معركة هوية فيصطنع البعض عداوات مع جماهير دول أخرى لا بسبب منافسة رياضية وإنما نتيجة تراكمات سياسية أو حملات إعلامية أو أستقطابات إقليمية وهكذا تحمل كرة القدم أعباء ليست من طبيعتها فتتحول من لعبة تجمع الناس إلى منصة لتصفية الحسابات النفسية والسياسية.

 

إن القوى الخارجية مهما أختلفت أهدافها تدرك أن المجتمع المنقسم أسهل في التأثير من المجتمع الموحد ولذلك تعمل وسائل الإعلام ومنصات التواصل الإجتماعي والجيوش الإلكترونية أحيانا على تضخيم الخلافات وتحويل أي حدث صغير إلى قضية كبرى تستدعي الأنفعالات والغضب ومع مرور الوقت يجد المواطن نفسه يدافع عن مواقف لم يخترها بعقل بارد بل تبناها نتيجة التكرار الإعلامي أو ضغط البيئة المحيطة والمشكلة الأكبر أن العاطفة عندما تنفصل عن التفكير النقدي تجعل الإنسان يصدق كل ما يوافق قناعاته المسبقة ويرفض أي معلومة تخالفها مهما كانت موثقة وهنا تنشأ ظاهرة العداء الوهمي حيث يصبح الخصم الحقيقي مجهولا بينما يتحول المواطن الذي يختلف في الرأي إلى عدو وكأن الوطن لم يعد يتسع للجميع.

 

لقد خسر العراق عبر تأريخه الحديث فرصا كثيرة بسبب الأنقسامات الداخلية فبدل أن تتجه الطاقات نحو بناء الأقتصاد وتحسين التعليم وتطوير الصناعة والزراعة أستهلك جزء كبير منها في صراعات إقليمية و سياسية وإعلامية و أستقطابات إجتماعية لا تنتهي وكلما أشتد الأنقسام ضعفت قدرة الدولة على رسم سياسات مستقلة تخدم مصالحها الوطنية وهنا تكون المفارقات أن المواطن العراقي رغم كل معاناته المشتركة من البطالة وضعف الخدمات وتحديات التنمية قد يجد نفسه يختلف مع مواطن آخر في بلده حول قضايا خارجية لا تغير من واقعه المعيشي شيئا وبينما تستمر هذه الخصومات حتى تبقى المشكلات الأساسية بلا حلول جذرية و لأن الأنشغال في الصراع يطغى على الأنشغال في الإصلاح.

 

و إن الوطنية الحقيقية لا تعني إلغاء الإختلاف بل تعني أن يكون الوطن هو المرجعية العليا عند الإختلاف فمن الطبيعي أن تتباين الآراء السياسية وأن تختلف المواقف إتجاه القضايا الإقليمية والدولية و لكن غير الطبيعي أن يتحول هذا الإختلاف إلى كراهية إجتماعية أو قطيعة بين أبناء الشعب الواحد.

 

و كما أن الرياضة يجب أن تبقى مجالا للتنافس النزيه لا ساحة لاستيراد الصراعات السياسية حيث أن الفوز والخسارة جزء من اللعبة أما تحويل المباريات إلى معارك وجودية أو عداوات دائمة فهو إنعكاس لحالة الأستقطاب التي يعيشها المجتمع وليس لجوهر الرياضة نفسها و إن العراق لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الأنقسامات بل إلى مشروع وطني يعيد الثقة بين المواطن والدولة ويعزز ثقافة الحوار و إحترام الرأي الآخر ويغرس في الأجيال الجديدة أن الإنتماء للعراق يسبق أي أنتماء آخر فإن الأمم و الدول لا تبنى في الصراخ ولا في الشعارات وإنما ببناء الإنسان وترسيخ هوية المؤسسات وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة.

 

وهنا يبقى السؤال الأهم هل يريد العراقي أن يكون طرفا في صراعات يصنعها الآخرون أم يريد أن يكون شريكا في صناعة مستقبل بلده؟. إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم ملامح العراق في العقود القادمة فكلما أنتصر العقل على الأنفعال نجح وكلما تقدمت المصلحة الوطنية على الولاءات الخارجية أقترب العراق من الإستقرار والتنمية و أما إذا بقيت العواطف تدار من الخارج وظلت الأنقسامات تغذئ على حساب الوحدة الوطنية فإن الخاسر الأول والأخير لن يكون حزبا أو تيارا أو جمهورا رياضيا بل سيكون العراق وشعبه نفسه بكل ما يحمله من تأريخ وإمكانات وأمل في مستقبل أفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى