خبر عاجلسياسةمقالات

تاريخ العلاقة بين حركة أمل والعراق بين الانتماء الشيعي والسياسة الإقليمية.. من زمن البعث إلى العراق ما بعد 2003

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

تاريخ العلاقة بين حركة أمل والعراق

بين الانتماء الشيعي والسياسة الإقليمية.. من زمن البعث إلى العراق ما بعد 2003

 

 

محمد المشهداني – مناشير

لم تكن علاقة حركة أمل بالعراق وليدة التحولات السياسية التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين عام 2003، بل تعود جذورها إلى ما هو أعمق من السياسة المباشرة، إلى العلاقة التاريخية بين شيعة لبنان والنجف، وإلى شبكة المرجعيات الدينية والعلماء والطلاب التي ربطت جبل عامل بالمراكز العلمية في العراق على مدى عقود طويلة.

لكن هذه العلاقة أخذت، مع تأسيس حركة أمل في سبعينيات القرن الماضي، أبعاداً سياسية وأمنية جديدة، قبل أن تدخل مرحلة أكثر تعقيداً خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية وحكم حزب البعث، ثم تتحول بعد عام 2003 إلى علاقة سياسية ومؤسساتية مع القوى العراقية التي أصبحت جزءاً أساسياً من السلطة الجديدة.

وبين المرحلتين، بقي العراق بالنسبة إلى البيئة الشيعية اللبنانية أكثر من دولة عربية. كان يمثل مركزاً دينياً وروحياً، فيما أصبحت العلاقة معه، بفعل التحولات الإقليمية، جزءاً من شبكة أوسع تتداخل فيها المرجعية الدينية مع السياسة والمقاومة وتوازنات المنطقة.

العراق في الذاكرة الشيعية اللبنانية

ارتبط لبنان الشيعي تاريخياً بالنجف الأشرف، التي شكّلت على مدى قرون واحدة من أبرز مراكز العلوم الدينية الشيعية.

وفي حوزاتها درس عدد كبير من علماء جبل عامل، ومن بينهم شخصيات تركت أثراً عميقاً في الحياة الدينية والسياسية اللبنانية. وكان الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين أحد أبرز رموز هذا التواصل، كما ارتبط الإمام السيد موسى الصدر، مؤسس حركة أمل، بالمدرسة العلمية النجفية وبعدد من المرجعيات العراقية.

ومن هنا، لم يكن العراق بعيداً عن تشكيل الوعي الديني والسياسي للشيعة في لبنان. فالنجف كانت مرجعية علمية وروحية، فيما كان التواصل بين العلماء اللبنانيين والعراقيين يتجاوز الحدود السياسية التي رسمتها الدول الحديثة.

ومع نشوء حركة أمل، انتقلت هذه العلاقة تدريجياً من إطارها الديني والثقافي إلى فضاء سياسي أكثر حساسية.

قبل أمل.. علاقات دينية وثقافية

قبل تأسيس حركة أمل، كانت الصلات بين النخب الشيعية اللبنانية والعراقية تقوم أساساً على التعليم الديني والمرجعية والحوزات والعلاقات الشخصية بين العلماء.

لكن التحولات التي شهدتها المنطقة، ولا سيما صعود الحركات الإسلامية السياسية والثورة الإسلامية في إيران عام 1979، دفعت هذه الروابط إلى مرحلة جديدة.

فلم تعد النجف وطهران وبيروت مجرد مراكز دينية وسياسية منفصلة، بل أصبحت تتقاطع داخل مشهد إقليمي شديد التعقيد، فيه الدولة والحركة الإسلامية والمرجعية الدينية والمقاومة.

وفي هذا السياق، أصبحت علاقة حركة أمل بالعراق محكومة، إلى حد كبير، بطبيعة النظام العراقي من جهة، وبعلاقات الحركة مع المرجعيات والقوى الشيعية العراقية من جهة أخرى.

حركة أمل في مواجهة نظام البعث

في عهد حزب البعث العراقي، كانت العلاقة بين بغداد وحركة أمل شديدة التعقيد.

فالنظام العراقي، رغم طابعه العلماني، كان ينظر بريبة شديدة إلى الحركات الشيعية السياسية، ولا سيما تلك التي يمكن أن تتقاطع مع إيران أو مع المرجعيات الدينية المستقلة عن الدولة.

وازداد هذا التوتر بعد الثورة الإسلامية في إيران، والحرب العراقية ـ الإيرانية التي حولت الانقسام السياسي إلى صراع إقليمي مفتوح.

وفي لبنان، كانت حركة أمل تتحرك ضمن بيئة شيعية مرتبطة تاريخياً بالمرجعيات العراقية، فيما كانت بغداد تراقب نشاط المعارضة العراقية في بيروت وتخشى من تحوّل لبنان إلى مساحة للعمل ضد النظام.

وتصاعد التوتر بصورة كبيرة بعد إعدام المرجع السيد محمد باقر الصدر وشقيقته السيدة آمنة الصدر عام 1980.

كان للحدث وقع كبير في الأوساط الشيعية اللبنانية، وتحولت قضية الصدر إلى عنوان سياسي وعاطفي يتجاوز حدود العراق.

وتشير الروايات المتداولة في أوساط حركة أمل إلى أن الحركة تحركت ضد النشاط البعثي العراقي في بيروت، وصولاً إلى استهداف مراكز مرتبطة بالنظام العراقي، في رسالة أرادت من خلالها التأكيد أن استهداف المرجعية الشيعية العراقية لن يمر من دون رد.

بيروت وملجأ المعارضة العراقية

مع تصاعد قمع النظام العراقي للمعارضة الشيعية، تحولت بيروت، إلى جانب دمشق وطهران ومراكز أخرى، إلى مساحة لحركة عدد من المعارضين العراقيين.

وكانت شخصيات وقوى مرتبطة بحزب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي والتيارات الدينية والسياسية المعارضة للنظام تبحث عن مساحات للعمل السياسي والإعلامي والتنظيمي.

وفي هذه المرحلة، نشأت صلات بين عدد من المعارضين العراقيين وقيادات أو كوادر في حركة أمل، وإن كانت هذه العلاقة لم تأخذ دائماً طابع التحالف التنظيمي المباشر.

وترد في أدبيات الحركة روايات عن عمليات قامت بها أمل لمنع أجهزة النظام العراقي من ملاحقة معارضين عراقيين في لبنان، وعن مواجهات مع شبكات أمنية مرتبطة ببغداد.

كما ترد روايات عن عمليات انتقامية استهدفت شخصيات دبلوماسية وأمنية عراقية في لبنان، وعن دور للحركة في حماية معارضين عراقيين من الترحيل إلى بغداد.

وهذه المرحلة تحتاج، تاريخياً، إلى قراءة دقيقة تميز بين الوقائع المثبتة والعمليات التي وردت في روايات الأطراف السياسية والأمنية المختلفة، ولا سيما أن لبنان في تلك الفترة كان ساحة مفتوحة لتداخل أجهزة الاستخبارات الإقليمية والتنظيمات المسلحة.

التدريب والعلاقة مع القوى العراقية

لم تقتصر العلاقة على الجانب السياسي.

وتشير روايات مرتبطة بالمرحلة إلى استفادة عدد من كوادر المعارضة العراقية من خبرات القوى اللبنانية في التنظيم والعمل العسكري، ولا سيما في مجال المقاومة والعمل السري.

لكن من الضروري هنا التمييز بين حركة أمل وبين التنظيمات العراقية التي كانت ترتبط بصورة أوثق بإيران، ولا سيما المجلس الأعلى الإسلامي العراقي ومنظمة بدر.

فحركة أمل حافظت تاريخياً على خصوصية تنظيمية وسياسية مختلفة، ولم تكن جزءاً من البنية التنظيمية للقوى العراقية، حتى عندما تقاطعت معها في ملفات محددة.

وهذا التمايز مهم لفهم طبيعة العلاقة: التقاطع الشيعي لم يكن يعني بالضرورة تطابقاً أيديولوجياً أو تنظيمياً.

اغتيال محمد محمد صادق الصدر

شكّل اغتيال المرجع السيد محمد محمد صادق الصدر ونجليه عام 1999 محطة أخرى في الوعي السياسي الشيعي اللبناني.

فقد أعلنت حركة أمل مواقف منددة بالجريمة، وأقيمت مجالس عزاء وتأبين، في تأكيد على استمرار الصلة الروحية والسياسية مع عائلة الصدر والمرجعيات العراقية.

وكان واضحاً أن استهداف الصدر لم يُقرأ في البيئة الشيعية اللبنانية باعتباره حادثاً عراقياً داخلياً فحسب، بل كجزء من الصراع الطويل بين النظام البعثي والتيارات الدينية الشيعية.

2003.. سقوط البعث وبداية مرحلة جديدة

شكّل سقوط نظام صدام حسين عام 2003 نقطة تحول جذرية.

فبعد عقود من العلاقة المحكومة بالحذر والعداء مع نظام البعث، ظهر عراق جديد أصبحت فيه القوى الشيعية جزءاً أساسياً من السلطة السياسية.

ووجدت حركة أمل نفسها أمام واقع مختلف تماماً: القوى التي كانت في المنفى أو المعارضة أصبحت في مواقع القرار، والعلاقة مع العراق لم تعد تمر حصراً عبر المعارضة والمرجعيات، بل أصبحت ممكنة عبر مؤسسات الدولة والبرلمان والحكومة والأحزاب.

وفي هذه المرحلة، كان للرئيس نبيه بري، بصفته رئيساً لمجلس النواب اللبناني، دور في فتح قنوات التواصل مع القيادات السياسية العراقية.

وأصبح العراق بالنسبة إلى حركة أمل مساحة للتعاون السياسي والبرلماني، وليس فقط قضية تضامن مذهبي أو مقاومة للنظام السابق.

العلاقة مع المجلس الأعلى الإسلامي العراقي

كان المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، ثم القوى السياسية التي خرجت منه أو تطورت في سياقه، من أبرز الأطراف التي تقاطعت معها حركة أمل.

وتعود أسباب هذا التقارب إلى وجود أرضية مشتركة في مفهوم التمثيل السياسي الشيعي، مع اختلاف الظروف بين لبنان والعراق.

فحركة أمل قدمت نفسها تاريخياً كحركة شيعية ذات خطاب وطني لبناني، فيما حاولت القوى الشيعية العراقية بعد 2003 الانتقال من المعارضة إلى ممارسة الحكم ضمن نظام سياسي تعددي.

وهنا نشأ نوع من التفاعل السياسي والبرلماني، عبر الزيارات والوفود والاتصالات بين الشخصيات السياسية من الجانبين.

أمل والتيار الصدري

أما العلاقة مع التيار الصدري، فكانت أكثر تعقيداً.

فهناك بعد رمزي وروحي واضح، يرتبط بعائلة الصدر وبالإرث الديني والسياسي للسيد محمد باقر الصدر والسيد محمد محمد صادق الصدر والإمام موسى الصدر.

لكن الاختلاف في طبيعة التجربة السياسية بقي قائماً.

فحركة أمل نشأت وتطورت داخل النظام السياسي اللبناني، وبنت حضورها من خلال المؤسسات والبرلمان والحكومة إلى جانب العمل المقاوم، بينما ظهر التيار الصدري في العراق كحركة شعبية احتجاجية ومقاومة ذات خطاب أكثر صدامية مع النظام السياسي في مراحل مختلفة.

ومع ذلك، بقي الاحترام المتبادل بين الطرفين قائماً، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالإرث الصدري وبمواجهة الاحتلال الأميركي وبالحفاظ على وحدة العراق.

بين إيران والعروبة

ربما تكمن إحدى أهم خصائص علاقة حركة أمل بالعراق في موقعها بين البعد المذهبي والهوية العربية.

فالحركة، رغم قربها من محور المقاومة وعلاقاتها التاريخية مع إيران، حافظت على خصوصية قرارها السياسي اللبناني، ولم تتحول إلى تنظيم عابر للحدود.

وهذا انعكس على علاقتها بالقوى العراقية.

فالحركة كانت قادرة على التواصل مع مختلف القوى الشيعية العراقية، من دون أن تعني هذه العلاقات تبعية تنظيمية أو تطابقاً أيديولوجياً.

ومن هنا يمكن فهم الدور الذي حاولت أمل أن تؤديه: الحفاظ على موقعها كحركة شيعية عربية ذات مشروع لبناني، وفي الوقت نفسه إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع القوى الشيعية في العراق.

بعد 2010.. من التضامن إلى المؤسسات

مع مرور السنوات، أصبحت العلاقة أكثر مؤسساتية.

فالتواصل البرلماني والسياسي توسع، وشهدت بيروت وبغداد والنجف وكربلاء زيارات ولقاءات بين مسؤولين ووفود سياسية.

كما اكتسبت العلاقة بعداً عربياً وإسلامياً أوسع، خصوصاً من خلال موقع نبيه بري في البرلمان اللبناني واتحاد البرلمانات العربية وعلاقاته مع القوى العراقية المختلفة.

ولم تعد العلاقة محصورة في الأحزاب الشيعية، بل اتسعت لتشمل قضايا الدولة العراقية والعلاقات العربية والإقليمية.

وهنا برزت صورة أمل بوصفها طرفاً يستطيع التواصل مع أكثر من مكوّن سياسي، بحكم خبرته الطويلة في إدارة التوازنات داخل النظام اللبناني.

داعش والحشد الشعبي

شكّل صعود تنظيم داعش عام 2014 مرحلة جديدة.

فحركة أمل أعلنت تضامنها مع العراق في مواجهة الإرهاب، واعتبرت المعركة دفاعاً عن وحدة العراق ومؤسساته ومكوناته.

وفي هذا السياق، أصبحت العلاقة مع القوى التي شاركت في مواجهة داعش، ومنها الحشد الشعبي، جزءاً من المشهد السياسي والإقليمي الأوسع.

لكن خطاب الحركة حاول، في الوقت نفسه، تقديم المواجهة باعتبارها مواجهة مع الإرهاب والدفاع عن العراق، لا مجرد حرب مذهبية بين السنة والشيعة.

وهذا التفصيل مهم، لأن حركة أمل لطالما حاولت تقديم نفسها كقوة سياسية لبنانية ذات امتداد عربي وإسلامي، لا كتنظيم مذهبي عابر للحدود.

من الحماية إلى الشراكة

يمكن اختصار تطور العلاقة بين حركة أمل والعراق في ثلاث مراحل أساسية:

الأولى: مرحلة الحماية والتضامن قبل عام 2003.

وفيها كانت العلاقة محكومة بوجود نظام بعثي معادٍ للحركات الشيعية، وبوجود معارضة عراقية في المنفى، وبالتواصل مع المرجعيات الدينية العراقية.

الثانية: مرحلة الانفتاح السياسي بعد عام 2003.

وفيها انتقلت القوى الشيعية العراقية من المعارضة إلى السلطة، وبدأت العلاقة مع العراق تأخذ طابعاً رسمياً ومؤسساتياً، عبر البرلمان والحكومة والأحزاب.

الثالثة: مرحلة التوازن والوساطة.

وفيها حاولت حركة أمل التعامل مع العراق من زاوية المصالح اللبنانية والعربية والإسلامية، مع الحفاظ على علاقاتها مع مختلف القوى السياسية الشيعية العراقية.

وهكذا لم تكن علاقة حركة أمل بالعراق مجرد علاقة بين حزب لبناني وأحزاب عراقية، بل كانت انعكاساً لتحولات أوسع في تاريخ الشيعة السياسي في المشرق.

من النجف إلى بيروت، ومن المعارضة العراقية في المنفى إلى السلطة في بغداد، تغيرت طبيعة العلاقة، لكن لم ينقطع الخيط الأساسي الذي ربط الطرفين: المرجعية الدينية، والإرث الصدري، والهوية الشيعية، والمقاومة، ثم المصالح السياسية التي فرضها العراق الجديد.

وفي النهاية، فإن تاريخ هذه العلاقة يكشف أن الانتماء المذهبي كان دائماً أحد عناصرها، لكنه لم يكن العنصر الوحيد.

ففي مرحلة البعث، غلب عليها التضامن والحماية والصراع مع النظام.

وبعد 2003، دخلت السياسة والمؤسسات والمصالح الوطنية والإقليمية على الخط.

ومن هنا يمكن القول إن حركة أمل تعاملت مع العراق على قاعدة مزدوجة: قرب روحي وثقافي من شيعة العراق ومرجعياتهم، ومسافة سياسية تسمح لها بالحفاظ على خصوصية قرارها اللبناني.

وهذه المعادلة، بين الانتماء والتوازن، هي التي تفسر إلى حد كبير استمرار العلاقة رغم تبدل الأنظمة والتحالفات والخرائط الإقليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى