بعد ساعات من التوقيع… إيران تضع أردوغان وباكستان في موقف محرج

مناشير
لم تمضِ سوى ساعات على توقيع اتفاق الدفاع بين السعودية وتركيا وباكستان حتى وجد التحالف الجديد نفسه أمام أول اختبار فعلي، مع الهجمات الإيرانية والحوثية على منشآت الطاقة السعودية في الجبيل وجازان، وسط صمت تركي وباكستاني اعتبره الكاتب والمقدم في الاحتياط عميت ياغور مؤشراً إلى فجوة كبيرة بين الوعود التي أُطلقت أمام الكاميرات والاستعداد الحقيقي لتحمّل كلفة الدفاع عن الشريك السعودي.
وبحسب مقال للمقدم في الاحتياط عميت ياغور في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، فإن تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أحدثت صدى واسعاً، بعدما شبّه علناً آلية الضمان المتبادل في الاتفاق الجديد بالمادة 5 من ميثاق حلف شمال الأطلسي، التي تقوم على اعتبار الاعتداء على دولة واحدة اعتداءً على الجميع.
ويرى ياغور أنه يصعب توجيه رسالة أكثر وضوحاً من ذلك، إلا أن فيدان أضاف في الوقت نفسه ما وصفه الكاتب بـ”الصوت المزدوج”، عندما شدد على أن التحالف ليس موجهاً ضد إيران.
ومن هنا، يطرح الكاتب سؤالاً مباشراً: أي من الموقفين هو الذي يسري فعلياً؟ تشبيه الاتفاق بالمادة 5 من حلف الناتو، أم عدم الرغبة في التحرك ضد إيران؟
ولم يتأخر الاختبار العملي، وفق المقال، إذ إن الهجمات الإيرانية والحوثية التي استهدفت منشآت الطاقة المركزية في السعودية، في الجبيل وجازان، لم تضع الاتفاق الجديد أمام امتحانه الأول فحسب، بل كشفت أيضاً ما وصفه ياغور بـ”الصدع العميق” في مفهوم الردع الذي يقوم عليه.
ويشير الكاتب إلى أنه، حتى لو لم تكن قد جرت بعد، على المستوى العسكري، تحضيرات فعلية أو وُضعت آليات واضحة لتفعيل الاتفاق عسكرياً، فإن الحد الأدنى المتوقع من اتفاق دفاع يحمل مثل هذه الطموحات لم يكن بالضرورة إرسال طائرات مقاتلة باكستانية أو تركية فوراً إلى الخليج.
فالمنتظر، بحسب ياغور، كان موقفاً سياسياً: إشارة، إدانة شديدة، تحذير واضح، أو على الأقل تعليقاً رسمياً يوضح لإيران أو لأي خصم آخر أن خطاً أحمر قد تم تجاوزه.
لكن ما حدث عملياً، وفق المقال، كان “صمتاً إعلامياً وسياسياً”.
ويرى ياغور أن الصمت الكامل الصادر عن أنقرة وإسلام آباد في الساعات التي أعقبت استهداف البنى التحتية السعودية قد يكشف أمراً أساسياً بشأن طبيعة هذا التحالف.
فالتصريحات عن “المادة 5″، بحسب الكاتب، تبدو جيدة جداً أمام كاميرات المؤتمرات الصحافية الدبلوماسية، لكن عندما تحتاج الكلمات إلى غطاء فعلي، حتى لو اقتصر على خطاب ردعي، تختار القيادتان السياسيتان في تركيا وباكستان الابتعاد عن النار.
ويعتبر أن إدارة المخاطر لدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف تفضّل منع التصعيد المباشر مع إيران، حتى لو جاء ذلك على حساب صدقية الضمانات التي قدّماها للسعودية قبل ساعات فقط.
ويذهب ياغور أبعد من ذلك، معتبراً أن وثيقة دفاع لا تحصل حتى على دعم لفظي في الوقت الحقيقي ليست فقط “بلا أسنان”، بل قد تنتج نتيجة عكسية تماماً، لأنها ترسل، وفق رأيه، إشارة إلى إيران والحوثيين بأن المظلة الإقليمية الجديدة للسعودية ليست أكثر من “زينة دبلوماسية”.
ويضيف أن الحكم النهائي على الاتفاق قد يحتاج إلى مزيد من الوقت، إلا أنه إذا كانت الصياغات الغامضة للاتفاقات العسكرية قادرة في الظروف العادية على خدمة الردع، فإن الصمت في ساعة الاختبار يعمل في الاتجاه المعاكس.
ويلفت إلى أن التحالف وُقّع خلال حرب، وبالتالي يفترض أن تكون له قيمة مضافة في زمن الحرب، تتجاوز الإجراءات والمواقف التي كانت كل دولة تتخذها أصلاً قبل قيامه.
وبرأي ياغور، أثبتت الساعات الأخيرة أن هناك فجوة كبيرة بين التصريحات الصاخبة التي أطلقها فيدان وبين الاستعداد الحقيقي للمخاطرة دفاعاً عن الشريك الجديد في الخليج.
ويطرح الكاتب في ختام مقاله سؤالاً مركزياً: إذا كان “تحالف مكة” غير قادر حتى على إحداث “موجة صدمة لفظية” رداً على استهداف منشآت طاقة استراتيجية، ولا سيما بعد ساعات قليلة فقط على توقيعه، فمن حق المتابعين واللاعبين في المنطقة أن يسألوا: ما القيمة الفعلية للورقة التي وُقعت في مكة؟
ويطرح ياغور احتمال أن تكون المكاسب الفعلية مختلفة: ربما حصلت تركيا وحدها على موطئ القدم الذي سعت إليه في البحر الأحمر وباب المندب، وربما تتمثل النتائج في مكاسب مختلفة للسعودية وتركيا في علاقتهما مع باكستان النووية، وفي المقابل مكاسب للأطراف الأخرى مرتبطة بالأموال السعودية.
وهكذا، يضع المقال أول اختبار لاتفاق مكة أمام سؤال يتجاوز مضمون بنوده: هل وُلد تحالف دفاعي قادر على تغيير معادلات القوة في المنطقة، أم أن الوعود الكبيرة التي رافقت توقيعه ستبقى، عند أول مواجهة فعلية، مجرد صور وابتسامات أمام الكاميرات؟



