خبر عاجلسياسة

انتخابات تحت الابتزاز: حين تتحول الدولة إلى ماكينة انتخابية في خدمة اركانها والزعامات الطائفية أولها

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

انتخابات تحت الابتزاز: حين تتحول الدولة إلى ماكينة انتخابية في خدمة اركانها والزعامات الطائفية أولها

 

كتب خضر نجدي في نداء الوطن
مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المقبلة، إن حصلت ولم تُؤجَّل تحت ذرائع أمنية أو تقنية أو سياسية، تبرز الأسئلة الجوهرية حول جدوى هذا الاستحقاق في ظل الشروط القائمة، بغض النظر عن جدوى الخلاف القائم بشأن مشاركة المغتربين بانتخاب 128 نائبًا أم لا، الذي ربما في حال إقرار التعديل بشأنه، تغيير عدد قليل لا يتعدى عدد اصابع اليد الواحدة في بعض الدوائر، هذا اذا اعدمنا امكانية ان يؤدي الخلاف الى تأخير العملية الانتخابية كما هو مرجح. بغض النظر عن ذلك، فإجراء الانتخابات بحدّ ذاته لا يكفي إذا بقيت الدولة تُدار كمنصة انتخابية دائمة لمصلحة الزعامات والأحزاب النافذة، خصوصًا وان قانون الانتخابات في لبنان لم يصمم بوصفه اطارًا لتحقيق عدالة التمثيل، بل كأداة سياسية لضبط النتائج مسبقًا.

فالتقسيمات الانتخابية، وآلية الصوت التفضيلي، واحتساب الحواصل، كلها عناصر تخدم القوى المسيطرة داخل كل دائرة، وتحدّ من قدرة القوى المعارضة أو العابرة للطوائف على المنافسة. وبذلك، يصبح القانون جزءاً من المشكلة لا من الحل، ويُستخدم لحماية الزعامات بدل مساءلتها ، وبات هذا الاستحقاق محكوماً بجملة من العوامل البنيوية التي تفرغه من مضمونه الديمقراطي، وتحوله إلى آلية لإعادة إنتاج النظام السياسي نفسه، بقواه وزعاماته وأدواته ذاتها .

الرشوة المستترة واحتكار الخدمات العامة

ان أخطر ما يواجه العملية الانتخابية في لبنان ليس الرشوة المباشرة فقط، بل الرشوة المستترة والممنهجة، التي تتجسّد في السيطرة على الخدمات التربوية والصحية والاجتماعية، وفي التوظيف ، وكلها من خزينة الدولة التي بدورها تجمع من اموال لمكلفين وليس من جيوب الزعامات السياسية.. فالمدارس الخاصة والرسمية، والمستشفيات، وفرص العمل بكل مسمياتها (متعاقد – مياوم – اجير – مستعان بهم…) والتي تحولت لأن تكون السمة السائدة في قطاعات الدولة، حيث يجري الإصرار من قبل اركان السلطة المؤبدة، التمسك بمثل هذا التوظيف، الذي يجعلهم يتحكمون به للمحاسيب، ويلغون مبدأ الدخول الى الوظيفة العامة من خلال إجراء مباريات الكفاءة، التي تمنعهم من التدخل للاختيار. وبالتالي تتحول الوظيفة إلى أدوات ولاء سياسي، تُقدَّم على أنها «فضل» من الزعيم أو الحزب، فيما هي في الأصل حقوق عامة ممولة من المال العام. ويضاف اليها استزلام من نوع آخر، تدفع كلفته من جيوب المواطنين اللبنانيين كافة لأي طائفة او منطقة انتموا، يتمثل بالسلبطة والامساك بتقديم الخدمات التربوية في المدارس الطائفية والجهوية التي هي نصف مجانية او مجانية بالكامل، او على حساب وزارة الشؤون الاجتماعية. وكذلك الخدمات الصحية، والمياه والاتصالات، حتى وصل الأمر الى اعفاء جزء من المواطنين، من فواتير الكهرباء، من ضمن قرارات رسمية، غالبا ما تنعكس هدرًا يصيب المواطنيين كافة وأولهم المعفيين انفسهم.

لم تعد السيطرة مقتصرة على التعليم والصحة والتوظيف، بل امتدّت إلى أدقّ تفاصيل الحياة اليومية، بدءًا بالمساعدات الاجتماعية، وصولًا إلى أبسط الخدمات البلدية. وكلّها تُموَّل من خزينة الدولة، لكنها تُدار فعليًا بعقلية الزبائنية السياسية، حيث يُكافأ الموالون ويُهمَّش المعارضون. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل وجود تواطؤ قسري أو واعٍ أحياناً بين بعض المواطنين والزعامات، يقوم على تبادل المصالح الآنية مقابل تعطيل أي إمكانية للتغيير البنيوي.

إنّ الصوت الانتخابي الذي يُمنح مقابل اعفاء من فاتورة زهيدة، حيث يدفع المواطن اضعاف اضعافها كأشتراك للمولدات، أو أملاً بالحصول على مياه أو مساعدة أو خدمة او توظيف مؤقت او تساهل في تمرير اعمال خارج القانون، على حساب المواطنين ومن جيوبهم، ليس صوتاً حرّاً، بل نتيجة ابتزاز سياسي منظّم. وأي انتخابات تُجرى في ظل هذا الواقع، من دون تحرير الخدمات الحياتية من القبضة السياسية، ستكون انتخابات شكلية تعيد إنتاج الأزمة نفسها، مهما تبدّلت القوانيين الانتخابية، او اللوائح والعناوين.

ان هذا النمط من الزبائنية يخلق منافسة انتخابية غير متكافئة بالكامل، فتنطلق الزعامات المؤبدة بحواصل انتخابية مرتهنة للزبائنية المشار اليها، والتي تمثل في اسوء الحالات من 40 الى 50 بالمئة من حجم الكتلة الناخبة، في حين يُجبر المرشحون المعارضون اذا سمح بتواجدهم على خوض المعركة الانتخابية محرومين من التأثير على نصف الناخبين قبل ان تبدأ العملية الانتخابية. وهكذا، لا يُكافَأ الأداء السياسي، ولا تُحاسَب السلطة، بل يُكافَأ النفوذ والقدرة على التحكم بالحاجات الأساسية. وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل وجود تواطؤ سلبي وواع أحياناً بين بعض المواطنين والزعامات، يقوم على تبادل المصالح الآنية مقابل تعطيل أي إمكانية للتغيير البنيوي.

أدلّة من الواقع اللبناني تؤكد ترابط نتائج الانتخابات باحتكار الخدمات العامة

تؤكد التجربة اللبنانية نفسها العلاقة المباشرة بين احتكار الخدمات والنتائج الانتخابية. ففي انتخابات عام 2022، ظهرت مؤشرات واضحة في عدد من الدوائر على أنّ تراجع قدرة الزعامات على احتكار الخدمات، ولو جزئياً، أتاح حدوث خروقات سياسية محدودة لكنها دالّة.

في بيروت الأولى، على سبيل المثال، حيث تلعب المبادرات الأهلية والجمعيات التعليمية والصحية دوراً أكبر نسبياً، وحيث لا تحتكر جهة واحدة تقديم الخدمات الأساسية، تمكّنت قوى تغييرية من تحقيق خرق انتخابي، رغم كل العوائق القانونية والسياسية. وفي الشوف – عاليه، ساهم وجود شبكة واسعة من المدارس الخاصة والمستشفيات غير الخاضعة مباشرة لزعيم واحد في إضعاف منطق الولاء القسري، وفتح هامش، ولو ضيقاً، أمام خيارات انتخابية أقل انضباطاً للسلطة التقليدية.

في المقابل، تُظهر مناطق مثل بعلبك – الهرمل – الجنوب – النبطية وعكار نموذجاً معاكساً، حيث يترافق الاحتكار شبه الكامل للخدمات الصحية والتربوية والاجتماعية، والوظيفية، والاستنفاع الموارب، مع قدرة عالية على ضبط النتائج الانتخابية، ما يجعل أي منافسة فعلية شبه مستحيلة. فحيث تتحكم الجهة السياسية بالاستشفاء، وبالمساعدات المدرسية، وبفرص التوظيف، يصبح الصوت الانتخابي مشروطاً بالخوف لا بالقناعة.

وقد دل تراجع التوظيف في القطاع العام بفعل الانهيار المالي، وإن لم يكن إصلاحاً مقصوداً، على مدى اعتماد الزعامات على هذا السلاح الانتخابي. ففي عدد من المناطق، انعكس هذا التراجع ضعفاً نسبياً في القدرة على حشد القواعد التقليدية، ما يؤكد أنّ النفوذ الانتخابي مرتبط مباشرة بالتحكم بمفاصل الدولة لا ببرامج سياسية أو رؤى وطنية.

فحين تُربط حقوق المواطنين الأساسية بولائهم السياسي، تفقد الانتخابات معناها كمحاسبة، وتتحول إلى عملية إكراه ناعمة. وهذا الواقع لا يضرب فقط الحياة السياسية، بل يضرب الدولة نفسها، التي تتحول إلى غنيمة تتقاسمها الزعامات، وتفقد دورها كضامن للحقوق والمساواة بين المواطنين.

من هنا، تقع مسؤولية كبرى على الناخبين والرأي العام معاً. فالانتخابات المقبلة، إذا جرت، يجب أن تُعامَل كفرصة للمواجهة لا للتكيّف، وكاستحقاق للمحاسبة لا للمساومة. إنّ الحقوق الأساسية ليست منّة من حزب أو زعيم، بل واجب على الدولة. وأي قبول باستمرار ربط هذه الحقوق بالولاء السياسي يعني المشاركة، عن قصد أو عن غير قصد، في تقويض ما تبقّى من معنى للدولة والديمقراطية.

إنّ المعركة الحقيقية في الاستحقاق النيابي المقبل ليست فقط مع أسماء أو لوائح، بل مع منظومة كاملة تسعى إلى تأجيل الانتخابات أو تفريغها من مضمونها إذا شعرت بأنّ احتكارها للخدمات لم يعد كافياً لضمان النتائج. فإمّا انتخابات تفتح باب المحاسبة الفعلية، وإمّا إعادة إنتاج منظّمة للهيمنة. وفي الحالتين، يبقى الرهان على وعي الناخبين وقدرتهم على معرفة ان حقوقهم ليست من جيوب النواب او الزعامات بل من جيوبهم، وتلك الزعامات والنواب يتقاضون رواتهم من جيوب المواطنين، على أساس تكليفهم بمهمة الحفاض على اموال المواطنين، واموال الدولة وليس اي شيء آخر. والتغيير لا يبدأ من صناديق الاقتراع وحدها، بل من استعادة المواطن لحقه في أن يكون مواطناً لا تابعًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى