“العراق في عقود _1″… “العراق بين سقوط السلطنة وصعود الفكرة الوطنية (1900–1919).. – محمد المشهداني

محمد المشهداني _ مناشير
لم يكن العقد الأول من القرن العشرين في العراق مجرد مرحلة زمنية عابرة بل كان بداية التحولات الكبرى التي غيرت وجه البلاد سياسيا وأجتماعيا و أقتصاديا ففي مطلع القرن كان العراق جزءا من الدولة العثمانية و يتألف من ولايات بغداد والبصرة والموصل ويخضع لإدارة مركزية تسعى إلى تثبيت سلطتها في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية و لكن العقدين اللذين أمتدا من العام 1900. حتى العام 1919. حملا أحداثا متسارعة قلبت المشهد في الكامل بدءا من الإصلاحات العثمانية مرورا بثورة جمعية الإتحاد والترقي ثم أندلاع الحرب العالمية الأولى و بعدها الأستعمار البريطاني للعراق وأنتهاء مؤتمر باريس للسلام وبداية تشكل الحركة الوطنية العراقية.
كانت تلك السنوات بمثابة المختبر التأريخي الذي صُنعت فيه ملامح العراق الحديث حيث تداخلت المصالح الدولية مع التحولات المحلية وبدأ العراقيون يدركون أن مستقبلهم لن يكون أمتدادا للماضي العثماني بل سيكون رهنا بصراع الإرادات بين الإحتلال البريطاني والطموحات الوطنية الناشئة.
العراق في مطلع القرن العشرين
عند بداية القرن العشرين كان العراق منطقة إستراتيجية بالغة الأهمية داخل الدولة العثمانية فقد كان يمثل بوابة الخليج العربي وحلقة وصل بين الأناضول وإيران وشبه الجزيرة العربية والهند. ورغم هذه الأهمية عانى العراق من مشكلات بنيوية عميقة، أبرزها ضعف الإدارة المركزية وإنتشار الأمية و تراجع البنية الأقتصادية و سيطرة الإقطاع والقبائل و العشائر على مساحات واسعة وضعف الخدمات الصحية والتعليمية و غياب المؤسسات الوطنية الحديثة.
ومع ذلك شهدت المدن الكبرى مثل بغداد والبصرة والموصل نموا تجاريا ملحوظا نتيجة أزدياد الحركة التجارية مع أوروبا والهند.
الإصلاحات العثمانية ومحاولات التحديث _
حاولت الدولة العثمانية خلال العقود الأخيرة من عمرها تنفيذ إصلاحات إدارية وعسكرية فيما عرف بالتنظيمات وفي العراق شملت هذه الإصلاحات منها إنشاء المدارس المدنية و تحديث الجيش و تطوير الإدارة المحلية و تنظيم الضرائب و تحسين شبكات النقل النهري.
ولكن كل هذه الإصلاحات بقيت محدودة بسبب ضعف الموارد المالية والفساد الإداري وبعد الولايات العراقية عن إسطنبول.
المجتمع العراقي قبل الحرب العالمية الأولى _
حيث كان المجتمع العراقي مجتمعا متنوعا دينيا وقوميا ومذهبيا.
فقد ضم العرب و الأكراد و التركمان و الآشوريين و الأرمن واليهود و المسيحيين و المسلمين السنة و المسلمين الشيعة و الأزيديين و الشبك والصابئة المندائيين.
ورغم كل هذا التنوع عاش المجتمع حالة من التعايش النسبي وكانت الأنتماءات القبلية والمحلية أقوى من مفهوم الهوية الوطنية الجامعة الذي لم يكن قد تبلور بعد بصورة كاملة.
ثورة الإتحاد والترقي العام 1908.
شكل إنقلاب جمعية الإتحاد والترقي في العام 1908. نقطة تحول كبرى في تأريخ الدولة العثمانية والعراق. حيث رحب الكثير من المثقفين العراقيين في البداية بالدستور العثماني وإعادة الحياة النيابية على أمل الحصول على مزيد من الحريات و الإصلاحات. و إلا أن سياسة التتريك التي أنتهجتها حكومة الإتحاد والترقي لاحقا أثارت أستياء النخب العربية وبدأت تظهر دعوات تطالب بقدر أكبر من اللامركزية والأعتراف بالهوية العربية داخل الدولة وهنا بدأت البذور الأولى للفكر القومي العربي بالنمو داخل العراق.
العراق والصراع الدولي..
في مطلع القرن العشرين لم يكن العراق مجرد ولاية عثمانية بل أصبح محورا للتنافس بين القوى الكبرى حيث فقد أهتمت بريطانيا بالعراق للأسباب التالية منها حماية الطريق إلى الهند و تأمين الخليج العربي والسيطرة على الملاحة في شط العرب و أحتمال وجود النفط خصوصا بعد أكتشافاته في إيران.
أما ألمانيا فقد رأت في مشروع سكة حديد برلين _ بغداد وسيلة لتعزيز نفوذها الأقتصادي والعسكري في الشرق الأوسط وهنا تحول العراق إلى ساحة تنافس بين الإمبراطوريات الكبرى.
الحرب العالمية الأولى وبداية التحول _
مع أندلاع الحرب العالمية الأولى في العام 1914. و أنضمام الدولة العثمانية إلى دول المحور قررت بريطانيا إحتلال جنوب العراق وكان الهدف الأساسي منها هو حماية المصالح البريطانية في الخليج العربي و حماية شركة النفط الإنجليزية _ الفارسية ومنع أي تهديد عثماني أو ألماني للهند.
وفي شهر نوفمبر العام 1914. نزلت القوات البريطانية في الفاو ثم أحتلت البصرة بسرعة ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في تأريخ العراق.
المعارك العسكرية داخل العراق _ حيث شهد سلسلة من المعارك المهمة منها معركة الشعيبة و معارك العمارة و معركة الكوت و حصار الكوت الشهير من العامي (1915–1916). ومعركة بغداد.
وكان حصار الكوت من أبرز الإنتصارات العثمانية حيث أستسلمت قوة بريطانية كبيرة بقيادة الجنرال تاونسند في العام 1916. ولكن بريطانيا أعادت تنظيم قواتها وعادت بهجوم واسع أنتهى بإحتلال بغداد في مارس العام 1917. وكان سقوط بغداد ضربة إستراتيجية كبرى للدولة العثمانية.
الإحتلال البريطاني _ بعد إحتلال بغداد بدأت الإدارة البريطانية في إعادة تنظيم مؤسسات الدولة حيث أنشأت إدارات مدنية ومحاكم جديدة و أجهزة مالية ومؤسسات بلدية.
و لكن هذه الإدارة بقيت مرتبطة في المصالح العسكرية البريطانية أكثر من أهتمامها ببناء دولة عراقية مستقلة وهنا أدرك العراقيون تدريجيا أن الإحتلال البريطاني لا يختلف في جوهره عن السيطرة العثمانية من حيث غياب السيادة الوطنية.
التحولات الفكرية _ خلال سنوات الحرب بدأت الصحافة والأندية والمنتديات الثقافية تنتشر بصورة أكبر وظهرت نخبة جديدة من الضباط و الموظفين والمعلمين و رجال الدين و التجار.
وأصبحت هذه النخبة تناقش قضايا الإستقلال و الدستور و المشاركة السياسية و بناء الدولة و الهوية الوطنية وهكذا بدأ مفهوم العراق يتحول من مجرد مساحة جغرافية إلى مشروع سياسي.
نهاية الحرب العالمية الأولى
في شهر أكتوبر العام 1918. أنتهت الحرب بأنهيار و هزيمة الدولة العثمانية وبذلك خرج العراق نهائيا من السيادة العثمانية التي أستمرت قرابة أربعة قرون و لكن العراقيين لم يحصلوا على الإستقلال بل دخلوا مرحلة جديدة من الهيمنة البريطانية.
مؤتمر باريس _ العام 1919
عقب أنتهاء الحرب العالمية الأولى أجتمعت الدول المنتصرة في مؤتمر باريس للسلام. ورفعت شعارات حق الشعوب في تقرير مصيرها و إنهاء الإمبراطوريات القديمة و بناء نظام دولي جديد و غير أن هذه المبادئ لم تطبق بصورة متساوية على الشعوب العربية فقد تقرر عمليا إخضاع العراق لنظام الأنتداب البريطاني وهو ما أثار أستياء واسعا بين العراقيينووأصبحت فكرة الإستقلال الكامل مطلبا سياسيا عاما.
بوادر الحركة الوطنية العراقية _
بحلول العام 1919. كانت ملامح الحركة الوطنية قد بدأت تتشكل حيث ساهم في ذلك رجال الدين و شيوخ العشائر و المثقفين و الضباط السابقون في الجيش العثماني و التجار. وتشكلت شبكات سياسية و إجتماعية تطالب بإنهاء الإحتلال وإقامة حكومة وطنية وكانت هذه التطورات تمهيدا مباشرا لثورة العشرين التي ستندلع في العام التالي.
سياسيا أنتقل العراق خلال أقل من عشرين عاما من ولاية عثمانية هامشية إلى مركز للصراع الدولي.
وأقتصاديا أصبحت موارده وموقعه الإستراتيجي عنصر جذب للقوى الاستعمارية.
وأجتماعياً أدى الأحتكاك بالأفكار الحديثة والتعليم والصحافة إلى ظهور نخبة وطنية جديدة.
أما عسكرياً فقد أثبتت الحرب العالمية الأولى أن العراق يمثل مفتاحا جغرافيا للشرق الأوسط.
وكان الإحتلال البريطاني رغم نجاحه العسكري بداية صراع طويل مع الحركة الوطنية العراقية لأن إدارة البلاد بمنطق القوة لم تستطع إلغاء تطلعات السكان إلى السيادة والاستقلال.
إن المرحلة الممتدة من العام 1900. حتى العام 1919. تمثل بحق ولادة العراق السياسي الحديث ففيها إنتهى العهد العثماني وبدأ النفوذ البريطاني وتشكلت النخب الوطنية وبرزت فكرة الدولة العراقية بوصفها كيانا مستقلا يسعى إلى أمتلاك قراره السياسي ولم تكن أحداث هذه الحقبة مجرد إنتقال في السلطة بل كانت أنتقالا في الوعي إذ بدأ العراقيون ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم شعبا له تأريخ ومصالح ومستقبل مشترك ومن هذا الوعي ستنبثق لاحقاً ثورة العشرين ثم تأسيس المملكة العراقية الهاشمية لتدخل البلاد مرحلة جديدة من تأريخها السياسي ظلت آثارها ممتدة حتى يومنا هذا.



