خبر عاجلسياسة

“الرئيس نبيه بري رجل الدولة والمقاومة” – محمد المشهداني 

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

“الرئيس نبيه بري رجل الدولة والمقاومة” – محمد المشهداني

 

 

محمد المشهداني _ مناشير

 

في التأريخ السياسي اللبناني قلما أجتمعت في شخصية واحدة صفات رجل الدولة التقليدي والسياسي البراغماتي وقائد الحركة الشعبية والحليف الإستراتيجي لمقاومة وصاحب القدرة الفريدة على إدارة التوازنات الداخلية والإقليمية المعقدة و كما أجتمعت في شخصية سيادة

الرئيس نبيه بري فعلى أمتداد عقود طويلة من العمل المقاوم و السياسي حيث أستطاع نبيه بري

أن يتحول من قائد لحركة أمل التي تمثل شريحة واسعة كبير من اللبنانيين إلى أحد أهم أعمدة النظام السياسي اللبناني بل تحول إلى صمام الأمان في الكثير من اللحظات المصيرية التي مرت بها البلاد.

 

إن الحديث عن الرئيس نبيه بري ليس حديثا عن رئيس مجلس نواب فقط ولا عن زعيم طائفة فحسب بل عن مدرسة سياسية متكاملة في إدارة التوازنات وفهم طبيعة لبنان المركبة والقدرة على الجمع بين منطق الدولة ومنطق المقاومة و بين الواقعية السياسية والثبات الوطني وبين الحوار والأنتماء العميق إلى خيارات المواجهة مع الإحتلال الإسرائيلي.

 

لقد عايش نبيه بري مراحل مفصلية من تأريخ لبنان والمنطقة و الحرب الأهلية و الأجتياح الإسرائيلي و أتفاق الطائف و إعادة بناء الدولة و مرحلة الوصاية السورية و الأنقسام الحاد بعد للعام 2005. و حرب تموز العام 2006. و الأزمات الحكومية المتكررة الأنهيار الأقتصادي والفراغات الدستورية المتلاحقة وفي كل هذه المحطات بقي الرجل حاضرا كلاعب أساسي لا يمكن تجاوز دوره أو التقليل من تأثيره.

 

 

الجذور السياسية وتشكل الشخصية القيادية

 

ولد الرئيس نبيه بري في بيئة جنوبية عرفت الحرمان التهميش وهي بيئة شكلت لاحقا العمق الإجتماعي والسياسي لحركة أمل التي تزعمها بعد إختفاء المؤسس الإمام السيد موسى الصدر ومنذ بداياته السياسية بدأ واضحا أن نبيه بري يمتلك القدرة الأستثنائية على فهم المزاج الشعبي وربط القضايا الإجتماعية في المسألة الوطنية الكبرى و أي قضية الجنوب والمواجهة مع الإحتلال الإسرائيلي.

 

و لم يكن صعود نبيه بري إلى القيادة مجرد إنتقال تنظيمي داخل حركة أمل بل كان تعبيرا عن مرحلة جديدة دخلتها الطائفة الشيعية في لبنان حيث بدأت تتحول من حالة التهميش السياسي والإجتماعي إلى قوة أساسية في المعادلة الوطنية وقد نجح الرئيس نبيه بري في قيادة هذا التحول بحنكة عالية متجنبا الأنزلاق نحو مشاريع الأنعزال أو الإنفصال ومتمسكا في فكرة الدولة اللبنانية كإطار جامع لجميع اللبنانيين.

 

ومنذ تلك المرحلة بدأ يتبلور مشروعه السياسي القائم على ثلاثة أعمدة أساسية وهي حماية الوحدة الوطنية اللبنانية و الدفاع عن خيار المقاومة ضد الإحتلال الإسرائيلي و تعزيز حضور الدولة والمؤسسات الدستورية و أن هذه المعادلة في الذات هي التي جعلت من نبيه بري حالة فريدة

في الحياة السياسية اللبنانية.

 

 

قد يختلف اللبنانيون حول الكثير من الملفات السياسية و لكن معظم القوى السياسية تدرك أن نبيه بري يمتلك فهما عميقا لطبيعة النظام اللبناني وتعقيداته فهو من السياسيين القلائل الذين يفهمون أن لبنان لا يدار في الغلبة المطلقة بل في التسويات الدقيقة والتوازنات الحساسة ومن هنا جاءت قدرته الأستثنائية على لعب دور الوسيط بين الخصوم والمفاوض بين المحاور المصارعة والجسر بين الداخل والخارج فإن الرئيس نبيه بري يعرف كيف يتحدث بلغة المقاومة عندما يتعلق الأمر في السيادة الوطنية ويعرف في الوقت نفسه كيف يتحدث بلغة الدولة والدستور والمؤسسات عندما يتعلق الأمر في إدارة الشأن الداخلي.

 

حيث لقد أستطاع نبيه بري أن يحافظ على موقع منصب رئاسة مجلس النواب كإحدى أكثر المؤسسات أستقرارا في لبنان و رغم كل العواصف السياسية التي ضربت البلاد ففي الوقت الذي تعطلت فيه الحكومات وشهد لبنان فراغات رئاسية طويلة وبقيت المؤسسات الكثيرة رهينة الأنقسام حيث هنا حافظ المجلس النيابي على حد أدنى من سلوك الأستمرارية وكان ذلك نتيجة مباشرة لأسلوب نبيه بري في الإدارة السياسية ولعل أبرز ما يميز شخصية نبيه بري السياسية هو إيمانه في الحوار كأداة أساسية لحل النزاعات الداخلية فقد رعى عشرات اللقاءات والحوارات بين القوى و الأحزاب المتخاصمة وسعى دائما إلى منع أنهيار النظام السياسي أو أنزلاق البلاد نحو الفوضى الشاملة.

 

 

نبيه بري والمقاومة تحالف العقيدة والواقعية

لا يمكن فهم تجربة نبيه بري السياسية بعيدا عن علاقته في المقاومة فمنذ الإجتياح الإسرائيلي للبنان العام 1982. كان تبيه بري جزءا من البيئة السياسية و الوطنية التي تبنت خيار المقاومة كخيار وجودي وليس مجرد خيار سياسي عابر وقد شكلت حركة أمل في مراحل عديدة رأس الحربة في مقاومة الإحتلال الإسرائيلي قبل أن يتعزز حضور المقاومة الإسلامية حزب الله لاحقا إلا أن العلاقة بين نبيه بري والمقاومة بقيت قائمة على الأسس الأستراتيجية العميقة التي عنوانها حماية لبنان ومنع إسرائيل من فرض إرادتها على المنطقة.

 

و لقد أدرك نبيه بري مبكرا أن قوة لبنان لا يمكن أن تقوم فقط على المؤسسات التقليدية بل تحتاج أيضا إلى عنصر ردع حقيقي يحمي البلاد من الأعتداءات الإسرائيلية ومن هنا كان دعمه الثابت للمقاومة جزءا من الرؤية الوطنية الشاملة و لا مجرد تحالف سياسي مرحلي.

 

وفي حرب تموز _ العام 2006 لعب نبيه بري دورا محوريا في إدارة المواجهة السياسية والدبلوماسية فبينما كانت المقاومة _ حزب الله تخوض معركتها العسكرية وكان هو يتحرك في المجال السياسي الدولي والعربي ويقود المفاوضات المرتبطة في وقف إطلاق النار حيث مما جعله أحد أبرز مهندسي المرحلة السياسية التي أعقبت الحرب وقد ظهر في تلك المرحلة كرجل دولة يعرف كيف يوازن بين الثبات الوطني والأنفتاح الدبلوماسي وبين الدفاع عن المقاومة ومنع عزل لبنان عربيا ودوليا.

 

 

مهندس التسويات الوطنية في بلد يقوم نظامه على التوازنات الطائفية والسياسية المعقدة يصبح فن التسوية مهارة وجودية وهنا تحديدا برز نبيه بري كأحد أبرز مهندسي التسويات في لبنان فإن الرجل الذي خاض مواجهات سياسية شرسة نفسه هو الذي جلس لاحقا إلى طاولة الحوار مع خصومه وساهم في إنتاج تسويات حالت دون أنفجار البلاد وهذه البراغماتية السياسية لم تكن تعبيرا عن ضعف أو تنازل بل عن فهم عميق لطبيعة النظام اللبناني.

 

لقد كان بري يدرك دائما أن الإستقرار في لبنان لا يمكن أن يتحقق عبر إلغاء الآخر بل عبر إيجاد مساحات مشتركة تسمح بإدارة الأختلافات ولذلك غالبا ما لعب دور الإطفائي السياسي الذي يتدخل في اللحظات الحرجة لمنع الأنهار وفي العديد من المحطات كان حضوره ضروريا لإنتاج حلول وسط سواء في تشكيل الحكومات أو أنتخاب الرؤساء أو معالجة الأزمات الدستورية.

 

 

العلاقة مع سوريا وإيران والعالم العربي

 

تميزت سياسة الرئيس نبيه بري الخارجية بقدر كبير من الواقعية السياسية فقد حافظ على العلاقات الإستراتيجية القوية مع سوريا وإيران باعتبارهما داعمين أساسيين لخيار المقاومة و لكنه في الوقت نفسه سعى إلى إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع الدول العربية المختلفة.

 

ولم يكن نبيه بري من دعاة القطيعة مع العالم العربي بل كان دائما يطرح فكرة أن لبنان يحتاج إلى أفضل العلاقات العربية الممكنة بشرط ألا أن يكون ذلك على حساب سيادته أو خياراته الوطنية.

 

أما علاقته بسوريا فقد كانت مرتبطة برؤية تعتبر أن أستقرار لبنان لا يمكن فصله عن أستقرار المشرق العربي عموما وبعد أغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تبعه من أنقسام داخلي حاد لعب نبيه بري دورا مهما في منع تحول الخلافات السياسية إلى صدام أهلي شامل و كما حافظ على علاقات متوازنة نسبيا مع القوى السياسية المتناقضة وهذا ما جعله قادرا على التحدث مع الجميع تقريبا حتى في أصعب الظروف.

 

 

بري في البرلمان و إدارة المؤسسة في زمن الأنهيار

قد يكون من أبرز إنجازات نبيه بري قدرته على حماية المؤسسة التشريعية اللبنانية من الانهيار في الكامل ففي بلد عاش أزمات دستورية متلاحقة بقي البرلمان مساحة أساسية للنقاش السياسي وإنتاج التسويات حيث لقد تعامل نبيه بري مع المجلس النيابي في أعتباره قلب النظام السياسي اللبناني ولذلك كان حريصا على إبقاء قنوات العمل التشريعي مفتوحة حتى في أحلك الظروف.

 

ورغم الأنتقادات التي تعرض لها أحيانا فإن خصومه قبل حلفائه يدركون أن خبرته البرلمانية والدستورية جعلته واحدا من أكثر السياسيين اللبنانيين قدرة على إدارة اللعبة السياسية المعقدة وهو الذي

يتميز في أسلوبه البرلماني بقدر كبير من المرونة والدهاء السياسي حيث يجمع بين الصرامة في إدارة الجلسات والقدرة على تدوير الزوايا وتخفيف الأحتقان.

 

 

و هنا الشخصية السياسية الإستثنائية لا يمكن أختصار نبيه بري بصفته الرسمية فقط لأن حضوره السياسي يتجاوز بكثير موقع رئاسة المجلس النيابي فهو سياسي يمتلك شبكة علاقات واسعة وخبرة تراكمية نادرة وقدرة كبيرة على قراءة التحولات الإقليمية والدولية و كما يتمتع في كاريزما خاصة تقوم على المزج بين اللغة الشعبية والبراعة السياسية وهذا ما جعله قريبا من الناس من جهة وقادرا على مخاطبة النخب السياسية والدبلوماسية من جهة أخرى.

 

ومن أبرز صفاته أيضا قدرته على الصبر السياسي الطويل وعدم التسرع في أتخاذ المواقف إضافة إلى مهارته في إستخدام الوقت كعنصر أساسي في إدارة الصراعات وقد ساهمت هذه الصفات في تحويله إلى أحد أكثر السياسيين اللبنانيين بقاء وتأثيرا في الحياة العامة

 

و بين النقد و الإنصاف في طبيعة الحال لا تخلو تجربة نبيه بري من الأنتقادات فهو جزء من النظام السياسي اللبناني الذي تعرض لهزات كبيرة و أنتقادات شعبية واسعة خصوصا بعد الأزمة الأقتصادية والانهيار المالي غير أن القراءة الموضوعية لتجربته تقتضي التمييز بين مسؤولية النظام ككل وبين الدور الخاص الذي لعبه الرجل

في حماية الإستقرار ومنع الأنهيار الكامل فحتى خصومه يعترفون بأنه يمتلك قدرة إستثنائية على أحتواء الأزمات وأن غيابه عن المشهد السياسي كان سيجعل لبنان أكثر عرضة للفوضى والأنقسامات و كما أن موقعه السياسي جعله في كثير من الأحيان هدفا لحملات سياسية وإعلامية مرتبطة في الصراع الإقليمي والمحلي و لا بمجرد الأداء الداخلي.

 

يبقى الرئيس نبيه بري واحدا من أبرز الشخصيات السياسية في تأريخ لبنان الحديث فهو ليس مجرد مسؤول رسمي بل حالة سياسية متكاملة جمعت بين المقاومة والدولة وبين الواقعية والثبات وبين البراغماتية والحفاظ على الثوابت الوطنية حيث لقد أستطاع على مدى عقود أن يحجز لنفسه موقعا ثابتا في قلب المعادلة اللبنانية وأن يتحول إلى مرجعية سياسية لا يمكن تجاوزها في أي أستحقاق مصيري.

 

وفي زمن تتغير فيه التحالفات بسرعة وتسقط فيه الكثير من الزعامات السياسية تحت ضغط الأزمات بقي نبيه بري حاضرا بقوة مستندا إلى خبرة طويلة وقاعدة شعبية واسعة وقدرة إستثنائية على فهم طبيعة لبنان والمنطقة و إنه بالنسبة إلى أنصاره في

حركة أمل هو رجل الدولة والمقاومة وصاحب الدور المحوري في حماية الإستقرار اللبناني والحفاظ على التوازن الوطني والدفاع عن خيار المقاومة في مواجهة الإحتلال الإسرائيلي.

 

أما بالنسبة إلى خصومه. فهو خصم سياسي صعب يعرف كيف يدير المعارك السياسية و الدبلوماسية و الميدانية وكيف يصنع التسويات وكيف يبقى لأعبا أساسيات مهما تبدلت الظروف وفي الحالتين يبقى الرئيس نبيه بري إسماء لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن لبنان المعاصر وعن السياسة اللبنانية بكل تعقيداتها وتحولاتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى