الجزائر وممرات الغاز في صراع الساحل الأفريقي – سعيد عيسى

سعيد عيسى
تعيد أزمات الملاحة العالمية واضطرابات طاقة الخليج عبر مضيق هرمز طرح الجزائر كمورد أساسي وموثوق للغاز الطبيعي نحو أوروبا. وهذا الواقع يدفع الجزائر إلى تعزيز حضورها الاستراتيجي جنوباً، مستهدفةً تأمين مشروع أنبوب الغاز النيجيري العابر للنيجر وصولاً إلى أراضيها. غير أن هذا التمدد الاقتصادي والطاقوي يدمج المصالح الحيوية بالتعقيدات الأمنية لمنطقة الساحل الأفريقي، في ظل تراجع النفوذ الفرنسي وتصاعد التنافس الإقليمي. من هنا يبرز التحدي الحقيقي أمام صناع القرار في الجزائر: فهل تنجح في استثمار التحولات الدولية لصياغة نفوذ استراتيجي مستدام؟ أم تجد نفسها عالقة في رمال الساحل المتحركة وأعبائها الميدانية؟
أوروبا تبحث عن بديل
أظهرت أزمة هرمز أن أمن الطاقة لا يتحدد فقط بحجم الاحتياطيات أو القدرة الإنتاجية، بل أيضاً بالطريق الذي تسلكه الإمدادات. فعندما تتعرض الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية للخطر، لا ترتفع كلفة النفط والغاز وحدهما، بل تمتد التداعيات إلى النقل والصناعة والأسمدة وأسعار الغذاء. فتجد الحكومات الأوروبية نفسها مضطرة إلى الموازنة بين تأمين الإمدادات واحتواء التضخم، في وقت لا تستطيع فيه مصادر الطاقة البديلة تعويض النقص فوراً.
أمام هذا المشهد، تتمتع الجزائر بميزة لا تملكها دول كثيرة، فهي متصلة بالسوق الأوروبية عبر بنية تحتية قائمة، أبرزها خطا الغاز نحو إيطاليا وإسبانيا. وهذا يجعلها شريكاً مهماً في تنويع الإمدادات، لكنه لا يجعلها قادرة تلقائياً على سد أي نقص. فزيادة الصادرات تتطلب إنتاجاً إضافياً واستثمارات وصيانة للبنية التحتية، كما تتطلب منها أن تضع في الحسبان الطلب المحلي والالتزامات القائمة. والأهم أن أزمة الطاقة لا ترفع قيمة الجزائر بوصفها مصدراً للغاز فحسب، بل تعيد الاعتبار إلى موقعها الجغرافي. فالدول الأوروبية لا تبحث عن كميات إضافية فقط، بل عن طرق تقلل تعرضها للاضطرابات. ومن هنا تبرز أهمية مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يفترض أن ينقل الغاز النيجيري عبر النيجر إلى الجزائر، ليدخل بعدها شبكة التصدير نحو أوروبا.
لكن الأنبوب ليس حلاً للأزمة الحالية، بل هو مشروع طويل الأجل، يحتاج إلى تمويل ضخم واتفاقات بين ثلاث دول، بالإضافة إلى تأمين مسار يمر عبر منطقة مضطربة. وتكمن أهميته في أنه قد يمنح أوروبا خياراً إضافياً، فيما يوسع دور الجزائر وينقلها من تصدير غازها إلى المشاركة في نقل موارد بلد أفريقي آخر نحو الأسواق العالمية.
لماذا النيجر؟
هنا يصبح التحرك الجزائري جنوباً أكثر قابلية للفهم. فالنيجر ليست مجرد دولة مجاورة تتقاسم مع الجزائر حدوداً طويلة، بل هي حلقة جغرافية في مشروع طاقة يتجاوز حدود البلدين، ومجال أمني يمكن أن يؤثر عدم استقراره على المصالح الجزائرية. وبعد انقلاب تموز/يوليو، تدهورت العلاقات بين الجزائر والسلطة الجديدة في نيامي، قبل أن يعود التقارب مجدداً خلال سنة 2026. وترافق ذلك مع توسيع التعاون الثنائي والتحركات العسكرية الجزائرية، وصولاً إلى موافقة البرلمان على نشر وحدات من الجيش في النيجر. ولا يمكن الجزم بأن حماية أنبوب الغاز المستقبلي هي السبب المباشر لهذا الانتشار. فالمشروع لم يتحول بعد إلى ممر تجاري مكتمل، والتهديدات الأمنية في منطقة الساحل تتجاوز منشآت الطاقة. لكن جمع هذه التطورات يوضح أن الجزائر تريد منع تدهور الوضع في جوارها الجنوبي، والحفاظ على علاقات تتيح لها تطوير مصالحها الاقتصادية في النيجر وغرب أفريقيا.
وتواجه الجزائر هنا معضلة واضحة، فالمناطق التي تحتاج إلى الاستقرار من أجل الاستثمار هي نفسها المناطق التي تنشط فيها جماعات مسلحة، وتتنافس فيها سلطات محلية وتحالفات إقليمية وقوى دولية. وقد يساعد التعاون العسكري في حماية مواقع محددة، لكنه لا يستطيع وحده ضمان أمن آلاف الكيلومترات من البنية التحتية، ولا إنهاء أسباب الاضطراب السياسي والاجتماعي في الساحل. كما أن النيجر ليست المسار الوحيد المتاح أمام الغاز النيجيري. فمشروع الأنبوب النيجيري المغربي يقدم تصوراً بديلاً يمر عبر دول غرب أفريقيا وصولاً إلى المغرب، ومنه إلى الأسواق الأوروبية. ولا يعني وجود المشروعين أن أحدهما سيلغي الآخر بالضرورة. لكنهما يكشفان أن المنافسة لا تدور على الغاز وحده، بل على الطرق التي تنقله، والاستثمارات التي تجذبها، والنفوذ الذي ينشأ حولها.
باريس خارج المعادلة
تزداد دلالة التحرك الجزائري في ضوء الخلاف مع فرنسا. فمنذ اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء الغربية في سنة 2024، تدهورت العلاقات بين البلدين، وتوسعت الخلافات لتشمل الهجرة والأمن والتعاون الدبلوماسي. وفي الوقت نفسه، تراجع الحضور الفرنسي في أجزاء من الساحل، بينما سعت الأنظمة العسكرية في المنطقة إلى بناء شراكات جديدة.
قد يمنح تعزيز التحرك الجزائري في النيجر الجزائر مساحة أوسع للحركة في منطقة كانت فرنسا تعدها مجالاً أساسياً لنفوذها. لكن اختزال الانتشار العسكري في منافسة باريس سيكون تبسيطاً للمشهد. فالجزائر لا تحتاج إلى خلاف مع فرنسا كي تعتبر أمن حدودها الجنوبية أولوية، كما أن علاقتها الاقتصادية بأوروبا لا تختزل في العلاقة الثنائية مع باريس. والمفارقة أن الجزائر قد تكسب من أزمة لم تصنعها، لكنها لا تستطيع التحكم في نتائجها. فأسعار الطاقة تتغير، والطلب الأوروبي يتأثر بالاقتصاد والتحول نحو الطاقة المتجددة، ومشروعات الأنابيب تحتاج إلى سنوات قبل أن تصبح مصدراً فعلياً للإيرادات. أما الانتشار العسكري، فقد يحمي مصالح محددة، لكنه قد يفتح أيضاً باباً لتوريط طويل الأمد في منطقة يصعب ضبط صراعاتها.
واشنطن وبكين
لا يقتصر التنافس على ممرات الطاقة في الساحل على الجزائر وفرنسا، أو على التنافس بين الجزائر والمغرب. فالولايات المتحدة والصين حاضرتان في المشهد، وإن بأدوات مختلفة. انسحبت القوات الأميركية من النيجر في أيلول/سبتمبر 2024، لكنها لم تفقد مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، سواء في مكافحة الجماعات المسلحة أو في الحد من توسع النفوذ الروسي والصيني. وفي الوقت عينه، تسعى شركات أميركية إلى تعزيز حضورها في قطاع المحروقات الجزائري، بما قد يساهم في تطوير الإنتاج وتوسيع إمكانيات التصدير إلى أوروبا. وبذلك لا ينفصل الاهتمام الأميركي بالجزائر عن موقعها في أمن الطاقة الأوروبي وعن التنافس الأوسع على النفوذ في أفريقيا، في حين ترسخ الصين حضورها الاقتصادي في النيجر من خلال استثمارات مباشرة في قطاع النفط، وتعمل على إنشاء خط نقل من النيجر إلى ميناء سيمي في بنين.
رهان الجزائر، إذاً، ليس أن تصبح بديلاً كاملاً عن الخليج، ولا أن تحل محل فرنسا في الساحل، بل أن تجعل من موقعها بين أفريقيا وأوروبا، ومن بنيتها التحتية الطاقوية، ومن علاقاتها الإقليمية، عناصر قوة يصعب تجاوزها. لكن الطريق إلى ذلك يمر عبر النيجر، حيث لا يكفي أن يكون الممر مهماً على الخريطة، بل يجب أن يكون آمناً وقابلاً للتمويل والتشغيل. وهنا يكمن الفارق بين فرصة تتيحها أزمة الطاقة وبين نفوذ تستطيع الجزائر تحويله إلى مكسب مستدام.



