التفاوض يفتح معركة مرجعية القرار الوطني.. من يحدّد مصلحة لبنان؟

كتب حسين خليفة
رفع رئيس الجمهورية جوزاف عون سقف خطابه عندما قال إنه اختار المفاوضات مع إسرائيل لأنه لا يستطيع الوقوف متفرجًا على لبنان وهو “يُقاد إلى الهاوية خدمة لمصالح بلد آخر”، رابطًا هذا الخيار بوقف الدمار والحد من الخسائر وإنهاء الاحتلال. ولم يتأخّر ردّ “حزب الله”، إذ اعتبر على لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم أنّ اتفاق الإطار يقوم على مخالفات، وأن أصل التفاوض نفسه “غير شرعي وغير دستوري”، داعيًا السلطة إلى التخلي عنه.
بهذه المواقف المتباينة، يبدو واضحًا أنّ الخلاف لم يعد يدور حول بعض بنود الاتفاق أو الضمانات التي يتضمنها، وإنما حول شرعية المسار نفسه، والجهة التي تملك حق اختياره وإلزام لبنان به. وبذلك، ينتقل النقاش من مدى صواب اتفاق واشنطن وآليات تنفيذه إلى سؤال أكثر حساسية: من يحدد مصلحة لبنان، ومن يملك اتخاذ القرار عندما تختلف حساباته عن حسابات القوى الإقليمية؟
تزداد المسألة تعقيدًا مع عودة الحديث الإيراني عن لجنة ثلاثية إيرانية-أميركية-لبنانية لمتابعة الملف اللبناني ضمن التفاهم بين طهران وواشنطن. فمجرد طرح هذه اللجنة يعيد السؤال الذي يحاول عون حسمه: هل يُدار مستقبل الجنوب من خلال مسار تقرره المؤسسات اللبنانية حصرًا، أم يبقى ملف لبنان جزءًا من تفاوض إقليمي أوسع، حتى حين تقول الدولة إنها استعادت قرارها السيادي؟
التفاوض يتحول إلى عقيدة رئاسية
يتعامل الرئيس جوزاف عون مع التفاوض باعتباره أكثر من مناورة ظرفية فرضها اختلال ميزان القوى. فهو يقدمه بوصفه تعبيرًا عن عودة الدولة إلى ممارسة وظيفتها الأصلية: التفاوض على أرض لبنان وحدوده وأمنه، واتخاذ القرار وفق ما تراه مناسبًا لمواطنيها. لذلك، حين يقول إن لبنان يفاوض عن نفسه، فهو لا يدافع فقط عن جولة محادثات أو اتفاق إطار، وإنما يحاول تثبيت مبدأ أن السياسة الخارجية والأمنية يجب أن تعود إلى المؤسسات الرسمية.
يحمل هذا الموقف محاولة واضحة لفصل المسار اللبناني عن الحسابات الإقليمية. فقد اعتاد لبنان خلال مراحل طويلة أن تكون قضاياه جزءًا من تسويات أوسع تُدار خارجه، سواء ارتبطت بالمواجهة الإيرانية-الأميركية أو بالصراع الإقليمي مع إسرائيل. من هنا، تحاول الرئاسة اليوم تقديم هذا الفصل باعتباره ممارسة للسيادة، لا خروجًا من الصراع أو تخليًا عن حقوق لبنان. أما الأولوية، وفق هذا المنطق، فهي وقف الحرب، واستعادة الأراضي، وإعادة النازحين، وانتشار الجيش، ثم معالجة بقية الملفات من داخل المؤسسات.
غير أن تحويل التفاوض إلى خيار سيادي دائم يضع عون أمام امتحان صعب. فالخطاب وحده لا يكفي لإقناع اللبنانيين بأن الدولة استعادت قرارها، خصوصًا إذا استمرت إسرائيل في تأخير الانسحاب وفرض الشروط ومواصلة الاعتداءات. بالتالي، فإنّ نجاح هذا الخيار عمليًا يتوقف على قدرته على إنتاج نتائج ملموسة، لأن بقاء الاحتلال سيمنح معارضي التفاوض حجة للقول إن الدولة قدّمت التزاماتها من دون أن تحصل على المقابل.
“حزب الله” ومعركة من يقرر
في المقابل، لا ينظر “حزب الله” إلى القضية بوصفها نقاشًا إجرائيًا حول الجهة المخولة بالتفاوض. فالحزب يرى أن أي اتفاق لا يضمن وقف الاعتداءات والانسحاب الكامل ويحفظ قدرة لبنان على مواجهة إسرائيل قد يتحول إلى إطار لتقييد
المقاومة وإخضاع البلد لشروط أميركية وإسرائيلية. لذلك، فإن اعتراضه لا ينطلق فقط من الخشية على دوره، وإنما من اعتقاده بأن ميزان القوى الحالي لا يسمح للدولة بالتفاوض من موقع يحمي مصالح لبنان.
لكن موقف الحزب يفتح سؤالًا معاكسًا لا يقل أهمية: إذا كانت الدولة لا تملك وحدها اتخاذ قرار التفاوض، فمن يملك هذا الحق؟ وهل يجوز إبقاء قرار الحرب والسلم مرتبطًا بتقدير قوة حزبية، مهما كان حجم تمثيلها الشعبي أو دورها في مقاومة الاحتلال؟ هنا يصبح الخلاف أعمق من الموقف من إسرائيل، لأنه يطاول طبيعة النظام نفسه والجهة التي تملك إلزام اللبنانيين بخيار أمني أو عسكري تمتد نتائجه إلى البلد كله.
وفي الوقت نفسه، يضع الحديث عن ارتباط الملف اللبناني بالتفاهم الأميركي-الإيراني الحزب أمام مفارقة إضافية. فهو يرفض تفاوض الدولة المباشر بوصفه مسارًا غير شرعي، فيما يدعو إلى تنفيذ تفاهم تكون إيران طرفًا أساسيًا فيه. وهذا ما يمنح خطاب عون عن استقلال القرار اللبناني بعدًا عمليًا: هل تكون السيادة في رفض التفاوض الذي تقوده الدولة، أم في رفض أن يصبح لبنان ورقة داخل تفاوض يجري بين الآخرين؟ من هنا، تبدو المواجهة الحالية بداية صراع سياسي طويل حول معنى الشراكة داخل الدولة، فالرئاسة لا تستطيع تجاهل وجود “حزب الله” وقاعدته ودوره، كما لا يستطيع الحزب التعامل مع قرارات المؤسسات بوصفها قابلة للقبول فقط حين تنسجم مع رؤيته.
لن يُحسم الخلاف فقط بما ستؤول إليه جولة روما المقررة منتصف تموز، ولا بموعد الانسحاب الإسرائيلي من “المناطق التجريبية”. الامتحان الأعمق يتعلق بما إذا كان لبنان قد دخل فعلًا مرحلة تصبح فيها الدولة المرجع الوحيد لتعريف المصلحة الوطنية وتحديد خيارات الحرب والتفاوض، أم أن القرار سيبقى موزعًا بين المؤسسات والسلاح والحسابات الإقليمية. فإذا نجح التفاوض في استعادة الأرض وحماية البلد، سيعزز عون مفهومه للسيادة. أما إذا بقيت إسرائيل في الجنوب وتحولت الضمانات إلى وعود مؤجلة، فستعود معركة المرجعية أكثر حدة، وسيبقى السؤال مفتوحًا: من يقرر للبنان؟



