سياسةمقالات

التحول في استراتيجيات أوبك+: ابتعاد عن دعم السوق

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

التحول في استراتيجيات أوبك+: ابتعاد عن دعم السوق

د. خالد العزي – مناشير
في تحول جذري، يواجه سوق النفط العالمي تغيرات كبيرة قد تُعيد تشكيل ملامح العلاقات بين كبار المنتجين، وخاصة في ظل تراجع الأسعار واحتمالية بقائها منخفضة لفترات طويلة. تواجه أوبك+ تحديًا كبيرًا مع تخوفها من انخفاض أسعار النفط إلى ما دون 60 دولارًا للبرميل، إلا أنها لم تعد تنوي التدخل لدعم الأسعار كما كانت تفعل في الماضي. بينما كان دور أوبك+ في السابق يكمن في خفض الإنتاج لدعم السوق، فإنها اليوم تميل إلى إعطاء الولايات المتحدة دور “صانع التوازن” في السوق، حيث يُتوقع أن تواجه هذه الأخيرة انخفاضًا في الإنتاج إذا استمرت الأسعار في الهبوط، وهو ما سيؤدي إلى نقص العرض وارتفاع الأسعار مجددًا.
أوبك+ في موقع المراقب: دور الولايات المتحدة كـ “صانع توازن”
أعلنت أوبك+ مؤخرًا عن توقف مؤقت في زيادة الإنتاج مع الإبقاء على مستويات الإنتاج الحالية للربع الأول من عام 2026. تهدف هذه الخطوة إلى إعطاء السوق فرصة لامتصاص كميات النفط التي أُضيفت مؤخرًا، وهو ما يعكس تحولًا في سياسة المنظمة. في ظل الضغوط على أسعار النفط، تبدو أوبك+ مقتنعة بأن الوقت قد حان للابتعاد عن دعم السوق، وهو جزء من استراتيجيتها الجديدة التي تركز على توسيع حصتها السوقية على حساب المنتجين الأقل كفاءة مثل الولايات المتحدة.
تباين التكاليف: تحديات شركات النفط في ظل الأسعار المنخفضة
الولايات المتحدة في الوقت الراهن في ذروة إنتاجها، حيث تُنتج النفط بأعلى مستوى على الإطلاق. لكن إذا تراجع سعر البرميل إلى 60 دولارًا أو أقل، سيُؤثر ذلك سلبًا على إنتاج النفط الصخري الأمريكي بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج. بهذا الشكل، ستتراجع إمدادات النفط الأمريكي، مما سيؤدي إلى رفع الأسعار مجددًا وإعادة التوازن للسوق. وفي هذه الأثناء، تستمر أوبك+ في استعادة حصتها السوقية، مما يجعلها أكثر مرونة في تعديل الإنتاج بناءً على احتياجات السوق.
في هذا السياق، تبرز عدة عوامل تؤثر بشكل كبير على سوق النفط، أبرزها التكاليف المتباينة للإنتاج في الدول المختلفة. بينما تستطيع السعودية الحفاظ على ربحيتها حتى مع انخفاض الأسعار، بفضل تكاليف إنتاج منخفضة نسبيًا، فإن روسيا والولايات المتحدة تواجهان تحديات أكبر. على سبيل المثال، يُعد النفط الصخري الأمريكي من أغلى أنواع النفط إنتاجًا، مما يجعل من الصعب على شركات النفط الصخري الاستمرار في السوق إذا استمرت الأسعار في الانخفاض.
مستقبل أسواق النفط: التغيرات الهيكلية في الطلب والأسعار المنخفضة
بالنسبة للشركات، يظل الوضع صعبًا في ظل الأسعار المنخفضة. بينما تستطيع الدول المنتجة في الشرق الأوسط، خاصة المملكة العربية السعودية، الاستمرار في الربحية حتى مع انخفاض الأسعار، فإن شركات النفط الروسية تستطيع العمل في مثل هذه الظروف رغم انخفاض هوامش الربح. أما شركات النفط الصخري الأمريكية والمنتجون الكنديون، فيواجهون تحديات أكبر مع زيادة في المشاريع غير المربحة، مما يؤدي إلى فقدان وظائف واستثمارات.
بحلول نهاية عام 2025، ستتجاوز حصة الأعضاء الرئيسيين في أوبك+ مستوى مارس 2025 بنحو 2.9 مليون برميل يوميًا، ما يعادل عامين من نمو الطلب العالمي. ومع ذلك، فإن هذه الزيادة في الإنتاج لا تعني تقلبات حادة في الأسعار كما حدث في 2020، حين انخفض سعر خام برنت إلى 30 دولارًا للبرميل. وفقًا لخبراء الطاقة، فإن عصر ارتفاع أسعار النفط الذي بدأ عام 2004 مع تداعيات حرب العراق ونمو الطلب السريع في الصين، يقترب من نهايته، ويُتوقع أن يشهد العالم عصرًا من الأسعار المنخفضة نسبيًا. إذا استمر هذا الوضع كما حدث في الماضي بين عامي 1985 و2004، فمن غير المرجح أن يكون لهذا العصر الجديد حدود زمنية محددة، خصوصًا مع التغيرات الهيكلية في الطلب.
الأسواق المستقبلية والآفاق العالمية:
أوبك+ يبدو أنها تستعد للبقاء في موقع “المراقب” في المستقبل، بينما تتحمل الولايات المتحدة العبء الأكبر في إدارة التوازن بين العرض والطلب. ستستمر المنظمة في تعديل الإنتاج بناءً على تطورات السوق، لكن المؤشرات الحالية تشير إلى أن أوبك+ لن تلعب الدور المنقذ للسوق كما كانت تفعل في الماضي. إذا استمر السعر في الاستقرار حول 60 دولارًا للبرميل أو أقل، فمن المحتمل أن يستمر التوقف في الربع الأول من 2026، وربما يُمدد إذا استمر تدهور الأسعار.
من وجهة نظر بعض الخبراء، فإن هذه التحولات قد تؤدي إلى تغييرات جذرية في توازن القوى في أسواق الطاقة العالمية. تُشير هذه الديناميكيات إلى أن الدول المنتجة للنفط أصبحت أكثر تركيزًا على استعادة حصتها السوقية، بدلاً من مجرد الحفاظ على الأسعار عند مستويات معينة. يُتوقع أن تشهد السنوات المقبلة تغييرات هيكلية في الطلب على النفط، قد تؤثر على مسار الأسواق العالمية، وهو ما يضعف احتمالات العودة إلى عصر ارتفاع أسعار النفط الذي بدأ في 2004.
باختصار، نحن أمام مرحلة جديدة في أسواق النفط، حيث بدأت أوبك+ في سحب يدها من استقرار السوق، مُفسحة المجال للولايات المتحدة لتتحمل العبء الأكبر في تحقيق التوازن بين العرض والطلب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى