الأسرى يفتحون ثغرة في جدار التفاوض.. و«العين» على علي الطاهر

مناشير
حقق مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل خرقاً محدوداً تمثّل في الإفراج عن خمسة أسرى لبنانيين، في خطوة جاءت نتيجة ضغط أميركي ومساعٍ لبنانية لإعادة تحريك المفاوضات المتعثرة.
وبحسب المعطيات المتداولة، نجح السفير سيمون كرم في تثبيت وجهة النظر التي كان قد طرحها منذ عودته من الجولة السابعة من المفاوضات في روما، حين حصل لبنان على موافقة مبدئية على إطلاق سراح أسرى مدنيين والبحث في اعتماد مناطق تجريبية جديدة، قبل أن تتراجع إسرائيل عن هذه الطروحات وترفضها بصورة كاملة.
عندها لوّح كرم بعدم المشاركة في أي جولة تفاوضية جديدة، وتمكّن من إقناع رئيس الجمهورية بهذا الموقف. إلا أن التدخل الأميركي أعاد تثبيت المسار التفاوضي، انطلاقاً من اعتبار واشنطن أن لا مصلحة للبنان في الخروج من المفاوضات.
في المقابل، تمسّك كرم بتحقيق مكسب لبناني واضح، وأصرّ على الإفراج عن عدد من الأسرى، فيما كانت الإدارة الأميركية تعمل على تأمين عقد جولة تفاوضية جديدة.
ومن هنا دخل السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى على خط الاتصالات مع الجانب الإسرائيلي، خلال زيارته تل أبيب ولقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتمكّن من انتزاع موافقة إسرائيلية على الإفراج عن الأسرى.
وحاول نتنياهو تبرير الخطوة بالقول إن إطلاق سراحهم جاء بعد انتهاء التحقيق معهم وعدم ثبوت مشاركتهم في أي عمليات ضد إسرائيل.
الأسرى مدخل لإنقاذ المفاوضات
يبدو أن ملف الأسرى تحوّل إلى المدخل الذي اختير لإنقاذ مسار التفاوض، عبر تحقيق إنجاز محدود يمكن البناء عليه لتثبيت موعد الجولة المقبلة.
ووقع الخيار على أسرى لبنانيين مدنيين لا ينتمون إلى حزب الله ولا يُعرف عنهم أي نشاط عسكري، بما يسمح لإسرائيل بتقديم الخطوة باعتبارها «بادرة حسن نية»، وفي الوقت نفسه يمنح الجانب اللبناني إنجازاً يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة.
ومن المفترض أن يستمر البحث في الإفراج عن مزيد من الأسرى، إلا أن إسرائيل تربط ذلك بملفات أخرى، بينها مطالبة لبنان بكشف مصير عدد من اليهود الذين تقول إنهم صُفّوا في بيروت خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وتتواصل المفاوضات حول هذه النقاط بالتوازي مع تبادل القوائم، في محاولة لإبقاء قناة التفاوض مفتوحة.
«المناطق التجريبية» تصطدم بالشروط الإسرائيلية
لكن الإفراج عن الأسرى لا يعني أن العقد الأساسية في المفاوضات قد حُلّت. فالخلاف حول «المناطق التجريبية» لا يزال قائماً، في ظل اتهام إسرائيلي للجيش اللبناني بعدم تطبيق الخطة وعدم العمل على سحب سلاح حزب الله.
في المقابل، يعتبر الجيش اللبناني أن إسرائيل هي التي لا تلتزم بالمسار المتفق عليه، بفعل استمرار الاعتداءات والعمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية.
ويضاف إلى ذلك خلاف آخر حول الجهة التي ستتولى آلية التحقق، إذ لم توافق إسرائيل حتى الآن على إسناد هذه المهمة إلى إيطاليا. وفي هذا السياق، ينتظر لبنان زيارة وفد إيطالي سيجول على عدد من المسؤولين اللبنانيين للبحث في الملف.
إشراف أميركي مباشر.. و«السلام الشامل» على الطاولة
الأكثر وضوحاً في المرحلة الحالية هو انتقال العلاقة اللبنانية ـ الإسرائيلية إلى ما يشبه الإشراف الأميركي المباشر، من خلال سفيري واشنطن في بيروت وتل أبيب، ميشال عيسى ومايك هاكابي.
وكان هاكابي قد أعلن، عقب لقائه عيسى، أن المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة بين بيروت وتل أبيب تهدف إلى التوصل إلى اتفاق شامل للسلام والأمن.
وتحمل هذه العبارة دلالة تتجاوز مجرد وقف التصعيد أو معالجة الملفات الأمنية العالقة، إذ تكشف بوضوح عن طموح أميركي لدفع لبنان وإسرائيل نحو اتفاق أوسع، قد يتجاوز الإطار الذي انطلقت منه المفاوضات الحالية.
خرق محدود في أفق مسدود
يشكّل الإفراج عن الأسرى خرقاً مهماً، وإن كان محدوداً، في جدار التفاوض. إلا أن ذلك لا يعني أن الطريق بات ممهداً أمام تسوية قريبة.
المسار، وفق المعطيات، مرشح لأن يكون طويلاً، وربما يمتد إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية وما ستفرزه الانتخابات النصفية الأميركية، فضلاً عن ارتباط المشهد اللبناني بحالة «اللاحرب واللاسلم» المستمرة بين إيران والولايات المتحدة.
أما على الأرض، فلا مؤشرات جدية حتى الآن على وقف العمليات الإسرائيلية أو حتى خفض وتيرتها. وما يبلغه الأميركيون إلى المسؤولين اللبنانيين يفيد بأن التصعيد سيبقى مضبوطاً، وأن واشنطن لا تريد عودة حرب واسعة ومفتوحة، لكن ذلك لا يعني وقف العمليات العسكرية والتفجير والتجريف.
والأخطر أن إسرائيل تواصل في الوقت نفسه سياسة القضم التدريجي في منطقة علي الطاهر، وسط إصرار واضح على السيطرة عليها ورفض أي تسوية تتعلق بها.
وفي هذا السياق، جاء إعلان الجيش الإسرائيلي السيطرة على أحد الأنفاق في علي الطاهر، في مؤشر قد يكون مقدمة لاستكمال العملية العسكرية في المنطقة نفسها.
وهنا يبرز السؤال عن مصير مقاتلي حزب الله الموجودين في علي الطاهر، وعن حقيقة ما سُرّب سابقاً حول خروج مقاتلين إيرانيين من المنطقة.
وبحسب مصادر متابعة، هناك احتمالان: إما أن خروج هؤلاء تم في إطار صفقة مرتبطة باستعادة إسرائيل جثمان أحد جنودها في معركة السلطان يعقوب، أو أنهم تمكنوا من الخروج عبر ممر جغرافي داخل علي الطاهر لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من اكتشافه.
كرم يفرض إيقاع التفاوض.. ونتنياهو يفرض إيقاع الحرب
المشهد الحالي يكشف مسارين متوازيين: مسار تفاوضي يحاول لبنان تثبيته، ومسار عسكري إسرائيلي يتواصل بوتيرة مختلفة.
وتسعى إسرائيل، بدعم أميركي، إلى الفصل بين الدولة اللبنانية وحزب الله، وكذلك إلى الفصل بين مسار التفاوض ومسار العمليات العسكرية ضد الحزب.
ولذلك، لم يترافق الإفراج عن الأسرى مع تهدئة ميدانية، بل تزامن مع تكثيف العمليات الإسرائيلية في الجنوب ورفع مستوى التدمير والتفجير.
عملياً، نجح سيمون كرم، ولو نسبياً، في فرض إيقاع تفاوضي يقوم على انتزاع مكاسب محددة قبل العودة إلى طاولة المفاوضات. في المقابل، يحاول نتنياهو فرض إيقاعه العسكري، عبر تقديم تنازلات محدودة للأميركيين من جهة، وتهيئة الأرضية لمزيد من التصعيد في مرحلة لاحقة من جهة أخرى.
ويبقى العامل الحاسم هو التوقيت.
فالتصعيد لا يتوقف، والتهديدات الإسرائيلية تتجدد، ونتنياهو يواصل الحديث عن إسقاط النظام الإيراني وإمكان التحرك عسكرياً ضده. وقد تكون هذه المواقف مرتبطة جزئياً بالحسابات الانتخابية، إلا أن ما بعد الانتخابات لن يعني بالضرورة نهاية التوتر.
فالاختبار الحقيقي سيبقى في الجنوب اللبناني، وتحديداً في علي الطاهر، حيث يبدو أن إسرائيل تريد فرض وقائع ميدانية جديدة، بالتوازي مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
وبذلك، فإن الإفراج عن الأسرى قد يكون بداية اختراق لمسار التفاوض، لكنه في الوقت نفسه لا يلغي حقيقة أن إيقاع الحرب لا يزال في يد نتنياهو، فيما يحاول لبنان انتزاع مساحة لإيقاع تفاوضي مختلف.



