خبر عاجلمقالات

«اتفاقية مكة»… السعودية لا تنحاز بل تبني محاورها – فضيل حمّود

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

«اتفاقية مكة»… السعودية لا تنحاز بل تبني محاورها – فضيل حمّود

 

 

كتب د. فضيل حمّود في مناشير

 

لم يكن توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان اليوم، في 7 آب/أغسطس 2026، مجرد اتفاق عسكري جديد، بل محطة في مسار سعودي لإعادة تعريف موقع المملكة في النظام الإقليمي والدولي.

فالرياض كانت قد أطلقت قبل أيام مبادرة لإنشاء تحالف بحري دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، قبل أن تنتقل إلى إطار دفاعي ثلاثي يقوم على مفهوم الأمن والردع الجماعي.

بين الحدثين تظهر ملامح سياسة سعودية جديدة. السعودية لا تنسحب من تحالفاتها التقليدية، ولا تنتقل إلى محور دولي آخر، بل تعمل على بناء شبكة واسعة من الشراكات تمنحها استقلالية أكبر في القرار.

 

من البحر الأحمر إلى «اتفاقية مكة»… بناء منظومة ردع

 

في 30 تموز/يوليو 2026 استضافت الرياض اجتماعاً عسكرياً دولياً لمناقشة مبادرتها لإنشاء تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. شارك في الاجتماع ممثلون عن 43 دولة والاتحاد الأوروبي، فيما أعلنت مجموعة من الدول دعمها للمبادرة.

هذه الخطوة لا تتعلق فقط بحماية السفن وطرق التجارة والطاقة، بل تعكس رغبة سعودية في الانتقال من الاعتماد على ترتيبات أمنية تقودها قوى خارجية إلى المشاركة في بناء منظومة أمنية إقليمية تكون الرياض أحد محاورها الأساسية. ثم جاء التطور الأهم مع توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان.

وأكد البيان المشترك الالتزام بتعزيز الأمن الجماعي والردع المشترك في مواجهة أي عمل عدائي، كما نص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، إلى جانب تطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعي بينها.

هذه الصياغة تعطي الاتفاقية بعداً يتجاوز التعاون العسكري التقليدي، لكنها لا تعني بالضرورة إنشاء حلف شبيه بحلف شمال الأطلسي، إذ لم تعلن الاتفاقية عن آليات تدخل عسكري تلقائي أو عن أي ارتباط بالمظلة النووية الباكستانية.

لكن أهمية الاتفاقية واضحة من طبيعة الدول الموقعة. فهي تجمع السعودية، القوة الاقتصادية والسياسية الخليجية، وتركيا، القوة العسكرية الإقليمية وعضو حلف شمال الأطلسي، وباكستان، الدولة ذات القدرات العسكرية والنووية.

والاتفاقية ليست بداية العلاقة الدفاعية السعودية–الباكستانية، فقد سبقتها سنوات من التعاون العسكري والتدريب، كما تطورت العلاقات الدفاعية السعودية–التركية خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في مجال الصناعات العسكرية والطائرات المسيّرة.

وهكذا تتشكل تدريجياً شبكة أمنية سعودية متعددة المستويات، تقوم على تعاون دفاعي مع باكستان، وإطار ثلاثي مع تركيا وباكستان، وتحرك بحري دولي لحماية البحر الأحمر وباب المندب.

وتكتسب الاتفاقية أهمية إضافية بسبب توقيتها، إذ تأتي في ظل تصاعد المواجهة الأميركية–الإيرانية، وعودة تهديد أمن الخليج والممرات البحرية إلى الواجهة، بعد تهديدات وهجمات طالت السعودية ودولاً خليجية أخرى، إضافة إلى استمرار التوتر حول الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.

 

واشنطن وبكين وموسكو… سياسة عدم الارتهان

 

لا يعني هذا التحول أن السعودية تتخلى عن الولايات المتحدة. فالرياض ما زالت تعتبر واشنطن شريكاً أمنياً واستراتيجياً أساسياً، كما عززت تعاونها معها في المجالات الدفاعية والتكنولوجية.

ومن أبرز ملفات هذه الشراكة الملف النووي المدني. فمنذ سنوات تفاوضت الرياض وواشنطن حول اتفاق تعاون نووي يسمح للسعودية بتطوير برنامج نووي سلمي والاستفادة من مواردها المحلية من اليورانيوم ضمن ترتيبات وضمانات للاستخدام المدني.

هذا الملف لا يتعلق بالطاقة فقط، بل يعكس رغبة سعودية في امتلاك أدوات تكنولوجية واستراتيجية جديدة، وتحويل العلاقة مع واشنطن من اعتماد أمني فقط إلى شراكة قائمة على المصالح المتبادلة.

لكن السعودية في الوقت نفسه لم تحصر خياراتها في العلاقة الأميركية. فقد عمقت شراكاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع الصين، وحافظت على تعاون مهم مع روسيا، خصوصاً في مجال الطاقة والتنسيق ضمن «أوبك+».

وهنا تظهر إحدى أهم سمات السياسة السعودية الجديدة. الرياض لا تختار بين واشنطن وبكين وموسكو، بل تحاول بناء علاقة مع الجميع من دون أن تكون تابعة لأي منهم.

إنها سياسة تنويع استراتيجي هدفها توسيع هامش المناورة والاستقلال في القرار.

وقد تبدو المقارنة مع حركة عدم الانحياز التاريخية لافتة، لكنها تحتاج إلى دقة. فحركة عدم الانحياز نشأت خلال الحرب الباردة على أساس رفض الانضمام إلى المعسكر الأميركي أو السوفياتي.٩

أما السعودية اليوم فهي ليست دولة محايدة بين القوى الكبرى. فهي حليف مهم للولايات المتحدة، لكنها ترفض أن تتحول هذه الشراكة إلى قيد يمنعها من تطوير علاقاتها مع الصين وروسيا وتركيا وباكستان. لذلك فإن التعبير الأدق ليس عدم الانحياز بالمعنى التقليدي، بل عدم الارتهان لمحور واحد.

 

إيران… لا حرب بالوكالة

 

تظهر هذه السياسة بوضوح في موقف السعودية من الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران. فقد أعلنت الرياض عدم دخول الحرب، وطلبت من الولايات المتحدة عدم استخدام الأراضي السعودية لضرب إيران.

هذه الرسالة تحمل دلالة استراتيجية كبيرة. فالسعودية، رغم تحالفها الأمني مع واشنطن، لا تريد أن تكون ساحة لمواجهة إقليمية، ولا تريد أن تخوض حرباً بالوكالة عن أي طرف.

وهذا ينسجم مع تقليد سعودي تاريخي يقوم على تجنب الدخول المباشر في الحروب الكبرى، مع استخدام أدوات أخرى للتأثير.

 

من الملك فيصل إلى السعودية الجديدة

 

السعودية تاريخياً لم تدخل الحروب العربية–الإسرائيلية الكبرى كطرف عسكري مباشر، ولم تعتمد سياسة تقوم على الحرب لتحرير فلسطين. لكن ذلك لم يعنِ غياب دورها.

ففي حرب أكتوبر 1973 استخدم الملك فيصل أداة مختلفة. النفط. قرار وقف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة ودول غربية داعمة لإسرائيل أحدث أزمة طاقة عالمية وزلزالاً سياسياً واقتصادياً، وأثبت أن السعودية قادرة على التأثير في مسار الصراع من دون إرسال قواتها إلى جبهات القتال.

في الماضي كان النفط أداة القوة الأساسية، أما اليوم فأدوات القوة أصبحت أكثر تنوعاً، الطاقة، المال والاستثمار، الدبلوماسية، الموقع الجغرافي، الشراكات العسكرية والعلاقات مع القوى الكبرى. السعودية لا تحتاج إلى خوض كل حرب لكي تؤثر في نتائجها.

 

فلسطين… والسلام المشروط

 

في الملف الإسرائيلي، لم تنضم السعودية حتى الآن إلى اتفاقيات إبراهيم، رغم مسار التطبيع الذي شهدته المنطقة. والأهم أنها ربطت أي تطبيع بقيام دولة فلسطينية.

وهذا يعني أن الرياض لا تريد فصل علاقاتها الدولية عن القضية الفلسطينية، ولا تريد أن يصبح التطبيع بديلاً عن الحل السياسي.

إنها السياسة نفسها، عدم الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة، مع الاحتفاظ بأوراق التأثير السياسية والاستراتيجية.

 

السعودية لا تنحاز… بل تبني محاورها

 

عند جمع هذه التطورات، تظهر صورة واضحة.

في 30 تموز/يوليو أطلقت السعودية مبادرة تحالف بحري دولي لحماية البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. وفي 7 آب/أغسطس وقعت «اتفاقية مكة» للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان.

وفي الوقت نفسه تحافظ على شراكتها مع الولايات المتحدة، وتوسع تعاونها مع الصين، وتواصل التنسيق مع روسيا، وترفض الدخول في الحرب على إيران، وتربط التطبيع مع إسرائيل بقيام دولة فلسطينية.

هذه ليست سياسة دولة تبحث عن محور جديد.

إنها سياسة دولة تريد ألا تكون أسيرة لأي محور. السعودية لا تستبدل واشنطن ببكين، ولا موسكو بواشنطن، ولا تختار بين شركائها، بل تبني شبكة تجعل خياراتها أوسع وقرارها أكثر استقلالاً.

لذلك لم يعد السؤال الحقيقي مع من تقف السعودية ؟ بل كيف تستطيع السعودية أن تكون شريكاً للجميع، من دون أن تكون تابعة لأحد ؟ وهنا تكمن ملامح المرحلة الجديدة. السعودية لا تنحاز… بل تبني محاورها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى