ما بعد انتخابات الكونغرس “أميركا أولا” أم الحرب – عبد الهادي محفوظ

عبد الهادي محفوظ
تتسع رقعة التوتر الاقليمي في المنطقة وتتداخل مع أزمة بنيوية للاقتصاد العالمي ومع حرب روسية-أوكرانية يفقد فيها الرئيس فولوديمير زيلينسكي مساندة واشنطن بعد التقارب الأميركي-الروسي وذهاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المطالبة بتغييره وتزامن ذلك مع إحراج أوروبي وارتفاع منسوب الاحتجاجات الشعبية في فرنسا وإيطاليا وتذمّر المواطن الأوروبي من تحمّل “كلفة أوكرانيا”. كما أن حرب اليمن تستدرج “لاعبين جددا” ويجاورها توتر في القرن الافريقي وفي ليبيا وفي العلاقات بين تركيا واليونان. وكل ذلك يستتبع سؤالا يبقى الجواب عليه غامضا: هل نحن أمام اتفاق بين واشنطن وطهران أم أمام حرب ثالثة.
واضح أن لا حل قبل الانتخابات الأميركية كما كان يأمل به الرئيس دونالد ترامب. حيث حمل المشير عاصم منير قائد الجيش الباكستاني إلى طهران “تلطيفا وتخفيفا” للمطالب الأميركية لم تقتنع بها القيادة العسكرية السياسية الايرانية حيث تمسكت بشروطها السبعة لفتح مضيق هرمز.
الخلاف بين واشنطن وطهران هو على توقيت الحل. وقد يكون أيضا على توقيت الحرب وهل سيكون لكل منهما ضربته الاستباقية. والأرجح أن الضربة الاستباقية حُذفت من المعادلة قبل الانتخابات النصفية الأميركية بعد اعتراض من البيت الأبيض على ضربة استباقية اسرائيلية قبل الانتخابات الاسرائيلية والأميركية وبعد تحفّظ المؤسسة العسكرية الاسرائيلية كونها تعترض على تأجيل انتخابات الكنيست الاسرائيلية.
فالتلويح بالضربة الاستباقية الأميركية-الاسرائيلية واجهتها ايران بأنها تجعل كلفتها كبيرة على الولايات المتحدة الأميركية عسكريا وماليا وبتحويلها إلى حرب اقليمية واستهداف البنية النفطية في المنطقة وخطوط ألياف الاتصالات في مضيق هرمز وضرب القواعد العسكرية الأميركية والاسرائيلية وهذا شأن يرتّب نتائج سلبية على الانتخابات الأميركية وعلى شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعلى أسعار النفط والأسواق العالمية. وأكثر من ذلك هناك في طهران من يطالب بأن تكون الضربة الاستباقية لايران بل بتصنيع قنبلة نووية باعتبار أن الفقه الشيعي يمكنه استنادا إلى الاجتهاد والضرورات والظروف أن يتيح ذلك. وأن مثل هذه الضربة الاستباقية هي التي يمكن أن تحول دون حرب ثالثة بعد الانتخابات الأميركية سيّما وأن ايران هيّأت نفسها لحرب طويلة. ومع ذلك هناك في طهران أيضا من يرجّح الانتظار والحل الديبلوماسي. وهكذا تشترك واشنطن وطهران بالتأرجح بين الخيارات. فدعاة امتلاك ايران لقنبلة نووية يبررون ذلك بالحاجة إلى “ردع نووي” حتى لا تتكرر الحروب الأميركية والاسرائيلية تحت عناوين مختلفة. ولكن حتى اللحظة الرئيس الايراني مسعود بزشكيان يكرر بأن ايران لا تريد قنبلة نووية وهي ملتزمة بتحريم الإمام السيد علي خامنئي ومعه في هذا التوجه وزير الخارجية الدكتور عباس عراقجي.
وفي الحقيقة أن الأمور بين واشنطن وطهران لا تتضح صورتها الحقيقية إلا بعد الثالث من تشرين الثاني حيث يتجلّى المشهد الانتخابي الأميركي عن حقيقة التوازنات الجديدة في الكونغرس الأميركي وما إذا كان الرئيس دونالد ترامب سيتّجه إلى التضحية بوزير الدفاع بيت هيغسيث لتهدئة الداخل الأميركي. فالأرجحية إذا كانت واسعة لصالح الحزب الديموقراطي المعارض عندها تتغلّب اعتبارات “الداخل الأميركي” والمشاكل التي نجمت عن الحرب. كما أن ذلك يعطي فرصة كبيرة لوساطة المفاوض الشريك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي انحاز إليه سيد البيت الأبيض في الموضوع الأوكراني سيما وأن موسكو تربط بين مصير الحربين الروسية-الأوكرانية والأميركية-الايرانية وتبحث عن مخرج لصيغة “رابح+رابح” لكل من الرئيس ترامب والحرس الثوري. وهي صيغة تنتج نوعا من التعددية القطبية وإلى دور اقليمي لايران في المنطقة ومحيطها ولوساطة تهدّئ الوضع في اليمن وبين باكستان وأفغانستان ولمخرج لبناني يتم التوافق عليه بين واشنطن وطهران.
عندما يكرر الرئيس دونالد ترامب في سردياته المختلفة بأن أسعار النفط والديزل ستعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب فإن مثل هذه السرديات قابلة للتحقق فقط في حال “الحل الديبلوماسي”. أما اللجوء إلى حرب ثالثة فإنها تعقّد المشهد وتزيد من تفاقم الأزمة النفطية ومشاكل الاقتصاد العالمي إضافة إلى انهيارات واسعة تصيب آبار النفط والمصافي وخطوط الأنابيب البرية مع التوسع في أزمة المضائق وناقلات النفط.
أيا يكن الأمر قد يكون هناك حكمة في النصيحة التي وجّهتها لندن للرئيس الأميركي قبل ثلاثة أشهر. إذ اعتبرت أن ما يجمع بين بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية هو “المسيحية” وليس الذهاب إلى فكر ديني يهودي متطرّف ومشاريعه التوسعية. والملاحظ أن هذه النصيحة جاءت بعد نقاش واسع في دوائر القرار البريطاني ولها تداعياتها.



