خبر عاجلسياسةمقالات

لبنان في المنطقة الرمادية: لا حرب تنتهي ولا تسوية تبدأ – زكي طه

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

لبنان في المنطقة الرمادية: لا حرب تنتهي ولا تسوية تبدأ – زكي طه

 

كتب زكي طه في بيروت الحرية

 

ليس أخطر ما يواجهه لبنان اليوم تعثر المفاوضات مع إسرائيل، ولا بطء تنفيذ اتفاق الإطار الذي عُلّقت عليه آمال بوقف الاعتداءات واستعادة الأرض. الأخطر أن البلد دخل مرحلة معلقة: لا الحرب انتهت، ولا التسوية بدأت، ولا الدولة استعادت قدرتها على حماية أرضها ومجتمعها، ولا القوى الداخلية امتلكت بعد الشجاعة الكافية لمراجعة الخيارات التي أوصلت لبنان إلى ما وصل إليه.

 

والمستجدات الأخيرة، من تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية وتعثر جولات التفاوض، إلى خطاب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، وصولاً إلى اللقاء اللبناني ـ الإيراني في نيويورك، لا تبدد هذه المنطقة الرمادية، بل تكشف مدى عمقها.

 

فلبنان لا يعيش هدنة مستقرة، ولا حرباً معلنة بقواعد واضحة، ولا مساراً تفاوضياً يملك قوة دفع كافية. إنه يعيش استنزافاً مفتوحاً، فيما يتحول الانتظار نفسه إلى سياسة.

 

اتفاق بلا تنفيذ… وتفاوض بلا أفق واضح

 

كان يفترض أن يفتح اتفاق الإطار مساراً متدرجاً يقود إلى وقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش، واستعادة الدولة سلطتها، ثم معالجة الملفات الأمنية والسياسية التي خلفتها الحرب.

 

لكن الوقائع كشفت اختلالاً جوهرياً. إسرائيل لم توقف اعتداءاتها، واستمرت في القصف والتفجير وتغيير الوقائع الميدانية، والانسحاب المطلوب لم يتحقق. أما جولات التفاوض المباشر، فلم تنتج حتى الآن اختراقاً يغير الوضع على الأرض، وتأجيل الجولة الجديدة رفع منسوب الشكوك حول قدرة المسار الحالي على تحقيق نتائج قريبة.

 

لا يعني ذلك أن التفاوض كان خطأ. ففي ظل موازين القوى الراهنة لا يمتلك لبنان ترف التخلي عن الوسائل السياسية والدبلوماسية لاستعادة أرضه ووقف العدوان. لكن المشكلة أن التفاوض يجري تحت الاحتلال والنار، ومن موقع لبناني يزداد ضعفاً كلما احتدم السجال من مواقع انقسام الداخل.

 

في المقابل، إسرائيل لا تتعامل مع التفاوض بديلاً من القوة، بل أداة تسير بالتوازي معها: تفاوض من جهة، وتقصف وتهدم وتفرض وقائع من جهة أخرى، محاولةً جعل أمنها نقطة البداية، وربط الانسحاب بترتيبات تتجاوز جنوب الليطاني إلى مستقبل سلاح حزب الله ودور لبنان الإقليمي.

 

وهذا يجعل الرهان على الوساطة الأميركية وحدها رهاناً قاصراً. فالولايات المتحدة تستطيع الضغط والتسهيل، لكنها ليست وسيطاً محايداً بين طرفين متكافئين، وعلاقتها الاستراتيجية بإسرائيل تضع حدوداً لما يستطيع لبنان الحصول عليه نتيجة انتظار المبادرة الخارجية.

 

خطاب قاسم: المأزق نفسه بصيغة أكثر صراحة

 

في هذا المناخ جاءت كلمة أمين عام حزب اللله نعيم قاسم في ذكرى اغتيال السيّدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين.

 

واللافت فيها ليس فقط انتقاده اتفاق الإطار وطلبه تجميد المفاوضات المباشرة والعودة إلى التفاوض غير المباشر، بل إعادة تأكيد رؤية تعتبر أن السلطة اللبنانية قدمت تنازلات أضعفت عناصر القوة، وأن المقاومة ستواصل طريقها، مع توجيه انتقادات مباشرة إلى رئاسة الجمهورية والحكومة.

 

ولا يمكن تجاهل جانب من الوقائع التي يستند إليها هذا النقد. فالتفاوض لم يوقف العدوان، ولم يحقق الانسحاب، وإسرائيل استثمرت تفوقها العسكري لمواصلة الضغط على لبنان.

 

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح فشل المسار التفاوضي دليلاً على صحة العودة إلى المعادلة السابقة، وكأن الحرب وما ترتب عليها لم يفرضا مراجعة جوهرية.

 

فالسؤال ليس الاختيار بين التفاوض والمقاومة بوصفهما عقيدتين متقابلتين. السؤال هو: من يقرر باسم لبنان؟. الدولة تفاوض ولا تستطيع إلزام إسرائيل، وهذه أزمة حقيقية. لكن الرد عليها لا يمكن أن يكون استعادة حق حزب في تقرير الحرب والسلم خارج المؤسسات، مثلما لا يمكن للدولة أن تطلب حصرية القرار من دون أن تثبت قدرتها على حماية الأرض والمواطنين.

 

وهكذا يعود لبنان إلى الحلقة نفسها: دولة ضعيفة يُستخدم ضعفها لتبرير السلاح خارجها، وسلاح مستقل يسهم بدوره في منع اكتمال مرجعيتها.

 

بين طهران وبيروت: أي مصلحة أولاً؟

 

كشف لقاء رئيس الحكومة نواف سلام والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في نيويورك مستوى آخر من المأزق.

 

فالموقف اللبناني المعلن كان واضحاً: لبنان دفع ثمناً باهظاً ولا يريد أن يكون ساحة للصراعات الإقليمية أو لتبادل الرسائل، ويريد علاقة مع إيران من دولة إلى دولة، تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل، بالتوازي مع المطالبة بانسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها وحصر السلاح بيد الدولة.

 

ولا تكمن أهمية هذا الموقف في كونه موجهاً ضد إيران، بل في المبدأ الذي ينبغي أن يحكم علاقة لبنان بإيران وبالولايات المتحدة وبأي قوة خارجية: أن تكون المصلحة اللبنانية هي نقطة البداية. فالتطورات الإقليمية تؤكد مرة أخرى أن لبنان حاضر في حسابات التفاوض الأميركي ـ الإيراني وفي صراعات المنطقة الأوسع. وهذا بالذات ما يجعل استقلال القرار اللبناني ضرورة لا شعاراً.

 

لا يكفي أن يرفض لبنان أن يكون ورقة إيرانية إذا تحول إلى ورقة أميركية، ولا أن يواجه النفوذ الإيراني عبر الرهان على واشنطن، مثلما لا تصبح مقاومة إسرائيل مبرراً لإدخال البلد في استراتيجية طهران الإقليمية.

 

السيادة لا تعني اختيار الخارج الذي نراهن عليه، بل تقليص قدرة كل الخارج على تقرير خياراتنا.

 

الجنوب بين الحرب المؤجلة والتسوية المؤجلة

 

وفي قلب كل ذلك يبقى الجنوب هو من يدفع الثمن. الاعتداءات مستمرة، والتدمير والتفجير لم يتوقفا، والاحتلال قائم، والمهجرون ينتظرون، وإعادة الإعمار تتحول بدورها إلى قضية سياسية ومالية وإقليمية. وهنا لا يعود الجنوب مجرد ملف أمني أو بند تفاوضي.

 

إنه قضية مجتمع مهدد في شروط بقائه على أرضه. فالتهجير الطويل يمكن أن يتحول من نتيجة مؤقتة للحرب إلى تغيير اجتماعي وديموغرافي واقتصادي عميق. والقرية التي لا يعاد بناؤها لا تحتاج إسرائيل إلى احتلالها دائماً كي تخسر سكانها. لذلك تصبح العودة والإعمار والتعويض والحماية الاجتماعية جزءاً من مفهوم الأمن الوطني نفسه.

 

وعليه فإن المراجعة مطلوبة من الطرفين، وإن اختلفت المسؤوليات. فالدولة التي تطالب الجنوبيين بالرهان عليها مطالبة بأن تكون حاضرة في حياتهم، لا في بياناتها فقط: في الإعمار، والعمل، والتعليم، والخدمات، وحماية الأرض، وتأمين شروط العودة.

 

في المقابل، لا يستطيع حزب الله أن يطالب الدولة والمجتمع بتحمل نتائج حرب كان قراره فيها خارج مؤسسات الدولة، ثم يحتفظ لنفسه بحق تحديد شروط المرحلة التي تليها.

 

مرحلة انتقالية أكثر خطورة

 

يزداد هذا الوضع حساسية مع اقتراب انتهاء المهام الحالية لليونيفيل في نهاية العام وبدء انسحابها التدريجي خلال 2027. ما يعني أن الجنوب يتجه إلى مرحلة مختلفة، يفترض أن تتحمل فيها الدولة والجيش مسؤوليات أكبر، فيما الاحتلال لم ينته، والحدود لم تستقر، والتسوية لم تنجز، والقدرات المطلوبة لملء الفراغ لم تكتمل بعد.

 

ولهذا فإن المسألة لم تعد مجرد انتظار جولة تفاوض جديدة. فكل تأخير في إنتاج استراتيجية وطنية يزيد احتمالات أن يملأ الآخرون الفراغ: إسرائيل بالقوة، وإيران من داخل صراعها الإقليمي، والولايات المتحدة من خلال استراتيجيتها ومصالحها.

 

أما لبنان فيبقى الطرف الذي يدفع الثمن من دون أن يمتلك بالقدر الكافي شروط التأثير في ما يقرر بشأنه.

 

استعادة الموقع اللبناني

 

ليس المطلوب إعلان فشل المفاوضات، ولا تعليق مستقبل البلد عليها.

 

وليس المطلوب العودة إلى منطق الحرب التي أثبتت التجربة حجم كلفتها، ولا التسليم بشروط القوة الإسرائيلية باعتبارها قدراً.

 

وليس المطلوب أيضاً حسم الصراع الداخلي بانتصار فريق يراهن على الولايات المتحدة على فريق يرتبط بإيران.

 

المطلوب قبل كل شيء إعادة بناء الموقع اللبناني نفسه.

 

أي أن يصبح الانسحاب الإسرائيلي ووقف العدوان واستعادة الأرض والأسرى وعودة المهجرين وإعادة الإعمار وحصرية قرار الحرب والسلم وبسط سلطة الدولة عناصر في مشروع وطني واحد، لا ملفات تستخدمها القوى المتصارعة بعضها ضد بعض.

 

وهذا يستوجب في الوقت نفسه مقاومة الاحتلال والشروط الإسرائيلية، ومراجعة تجربة السلاح خارج الدولة، وبناء قدرة الجيش، ورفض تحويل الدعم الأميركي أو الإيراني إلى مرجعية للقرار الوطني.

 

الخيار الحقيقي ليس بين إسرائيل وإيران، ولا بين حرب مفتوحة وتسوية مفروضة، ولا بين سلاح خارج الدولة ودولة تنتظر الخارج لكي يمنحها القوة.

 

الخيار هو استعادة لبنان لنفسه.

 

وذلك يبدأ عندما تصبح المصلحة الوطنية اللبنانية مرجعية السياسة، والدولة مرجعية السيادة، والمجتمع الذي دفع أثمان الحرب غاية أي حل أو تسوية.

 

فالمنطقة الرمادية ليست حالة ثابتة يمكن للبنان التعايش معها طويلاً. استمرارها يعني استنزافاً بطيئاً للأرض والمجتمع والدولة، فيما تتفاوض القوى الإقليمية والدولية على مصالحها وتنتظر إسرائيل شروطها الأكثر ملاءمة.

 

والخروج منها لن يبدأ فقط عندما تنعقد جولة التفاوض المقبلة، بل عندما يصبح لبنان نفسه أكثر قدرة على أن يكون طرفاً وطنياً مستقلاً في صناعة مستقبله، لا ساحة يُصنع فوقها مستقبل الآخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى