لبنان بين تحديات التفاوض لانهاء الاحتلال وخطر التكيف مع استمراره

كتب زكـي طـه في بيروت الحرية
لم تحمل جولة المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، التي انعقدت بين 20 و22 تشرين الأول في تامبا بولاية فلوريدا برعاية أميركية، مؤشرات كافية على انتقال المسار التفاوضي من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها. فقد انتهت الاجتماعات، وفق المعلومات المتاحة، من دون تقدم ملموس في القضايا الأساسية، وفي مقدمها وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب من الأراضي المحتلة، وتحديد آليات تنفيذ الترتيبات الأمنية.
ومع ذلك، فإن استمرار التفاوض يؤكد أن اتفاق الإطار الذي أُبرم في حزيران الماضي لا يزال يشكل المرجعية الناظمة للمسار التفاوضي. غير أن أهمية استمرار هذا المسار لا تقاس بمجرد انعقاد الاجتماعات، بل بقدرته على تحقيق نتائج تتيح للبنان استعادة سيادته على أرضه وقراره.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل تقرّب المفاوضات لبنان من إنهاء الاحتلال، أم تتحول تدريجياً إلى وسيلة لإدارة نتائجه وتكريس الوقائع التي فرضتها إسرائيل بقوتها العسكرية؟
استمرار العدوان وتعثر الانسحاب
كشفت نتائج الجولة استمرار التناقض الذي يحكم المفاوضات منذ انطلاقها. فلبنان يطالب بوقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي، وعودة النازحين، وتحرير الأسرى، ووقف التدمير، فيما تواصل إسرائيل ربط هذه المطالب بشروط أمنية تتعلق بسلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني.
ولم تظهر، حتى الآن، مؤشرات على التزامات إسرائيلية واضحة بشأن وقف العمليات العسكرية أو وضع جدول زمني ملزم للانسحاب. وهكذا يستمر التفاوض بالتوازي مع الاعتداءات، بما يتيح لإسرائيل استخدام تفوقها العسكري لتحسين شروطها السياسية والأمنية.
والخطر في هذا الواقع لا يقتصر على تعثر المفاوضات، بل يتصل بإمكان تحولها من مسار لإنهاء الاحتلال إلى إطار للتكيف مع استمراره.
الترتيبات الأمنية وحدود السيادة
رغم الطابع العسكري والتقني الذي اتسمت به اجتماعات تامبا، فإن القضايا المطروحة تنطوي على أبعاد سياسية وسيادية مباشرة.
فالبحث في انتشار الجيش اللبناني وآليات التحقق من تنفيذ الاتفاق يطرح أسئلة حول الجهة المخولة مراقبة التنفيذ، وحدود الدور الإسرائيلي في هذه العملية.
وقد برز الخلاف، وفق المعلومات المتداولة، حول مطالب إسرائيلية بدور مباشر في التحقق من أداء الجيش اللبناني، في مقابل تمسك لبنان بترتيبات لا تجعل المؤسسة العسكرية خاضعة لرقابة إسرائيلية مباشرة.
وهنا ينبغي التمييز بين آلية تحقق دولية أو متعددة الأطراف، تستند إلى التزامات واضحة ومتبادلة، وبين ترتيبات تمنح إسرائيل سلطة فعلية على حركة الجيش اللبناني وانتشاره.
فالمسألة ليست تقنية، بل تتعلق بمستقبل السيادة اللبنانية وبطبيعة الوضع الأمني الذي قد يُفرض على الجنوب.
ومن هذه الزاوية، تكتسب مسألة استعادة الدولة قرارها العسكري والأمني أهمية أساسية. فحصر السلاح والقرار بمؤسسات الدولة ضرورة وطنية لا يجوز أن تبقى معلقة على إرادة حزب الله أو شروط إسرائيل.
لكن هذه الضرورة لا تعني القبول بتحويل الجيش إلى أداة لتنفيذ المطالب الإسرائيلية، ولا دفعه إلى مواجهة أهلية. بل تستدعي مساراً وطنياً يعيد القرار الدفاعي إلى الدولة، ويعزز قدرات الجيش، بالتوازي مع إنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات.
الوساطة الأميركية واختلال موازين القوى
لم تكشف جولة تامبا عن تحول واضح في الموقف الأميركي من المطالب الإسرائيلية الأساسية، كما لم تظهر ضمانات عملية تكفل وقف الاعتداءات أو إلزام إسرائيل بالانسحاب.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية التفاوض برعاية أميركية، بالنظر إلى موقع الولايات المتحدة وتأثيرها في إسرائيل. لكن الاستفادة من الوساطة شيء، والرهان على أن واشنطن ستتولى حماية المصالح اللبنانية شيء آخر.
فالتداخل الاستراتيجي بين المصالح الأميركية والإسرائيلية يجعل من الضروري التعامل مع الوساطة بواقعية، وعدم اعتبارها ضمانة محايدة لتنفيذ الاتفاق.
والمفاوضات لا تصبح متوازنة لمجرد وجود وسيط، بل عندما تستند إلى التزامات متبادلة وآليات تنفيذ واضحة وضمانات تحول دون استخدام القوة العسكرية لفرض شروط إضافية.
هل تعزز الموقع اللبناني؟
في ظل استمرار المشاركة اللبنانية في المفاوضات، لا بد من تسجيل تمسك الوفد العسكري بالمطالب المتعلقة بوقف الاعتداءات والانسحاب، وتحفظه على أي ترتيبات تمس استقلالية القرار العسكري اللبناني.
لكن ذلك لا يكفي للقول إن الموقع التفاوضي اللبناني قد تحسن فعلياً. فالمعيار هو ما يتحقق على الأرض، لا ما يعلن على طاولة التفاوض.
وفي هذا المجال يواجه لبنان مأزقاً مزدوجاً: اختلال موازين القوى العسكرية لمصلحة إسرائيل، واستمرار الانقسام الداخلي حول السلاح والقرار الوطني.
فحزب الله يتمسك بوظيفته العسكرية المستقلة رغم ما كشفته الحرب من حدود قدرته على الردع والحماية، فيما تراهن قوى سياسية أخرى على الضغوط الخارجية لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية.
وبين هذين الرهانين، تغيب المبادرة الوطنية القادرة على الجمع بين مواجهة الاحتلال واستعادة الدولة مرجعيتها الحصرية في القرار العسكري والأمني.
ولا يمكن فصل هذا الضعف عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وعن عجز الدولة عن توفير شروط عودة النازحين وإعادة إعمار المناطق المدمرة. فالسيادة لا تقتصر على الحدود والانتشار العسكري، بل تشمل قدرة الدولة على حماية المجتمع وتأمين مقومات بقائه على أرضه.
بين إدارة الأزمة وإمكان التسوية
لم تسقط جولة تامبا اتفاق الإطار، لكنها لم تنقله أيضاً إلى مرحلة تتيح الحديث عن تقدم حاسم نحو التسوية.
فإسرائيل تواصل توظيف تفوقها العسكري في فرض شروطها، فيما يفاوض لبنان من موقع ضعف داخلي وخارجي، ومن دون توافق وطني كافٍ حول كيفية استعادة القرار السيادي.
ولذلك لا يكفي الاكتفاء بالمطالبة بانسحاب إسرائيل، على أهمية هذا المطلب ومشروعيته، كما لا يكفي اختزال الأزمة في سلاح حزب الله بمعزل عن استمرار الاحتلال والعدوان.
إن الخروج من المأزق يقتضي الجمع بين مسارين متلازمين: إنهاء الاحتلال ورفض شروط الإخضاع الإسرائيلية، واستعادة الدولة اللبنانية سلطتها الحصرية على السلاح والقرار العسكري والأمني.
وهذه المهمة لا يمكن أن تنجز بالعودة إلى المعادلات السابقة التي كشفت الحرب حدودها، ولا بالرهان على أن الخارج سيعيد بناء الدولة اللبنانية نيابة عن اللبنانيين.
كما أنها تتطلب اعتبار عودة النازحين وإعادة إعمار الجنوب وحماية الحقوق الاجتماعية جزءاً أساسياً من استعادة السيادة، لا ملفات ثانوية تؤجل إلى ما بعد التسوية.
أي تسوية ينتظرها لبنان؟
لم تجب جولة تامبا عن الأسئلة الكبرى التي تواجه لبنان، لكنها أكدت أن استمرار التفاوض لا يعني بالضرورة اقتراب التسوية.
فما دامت إسرائيل تواصل اعتداءاتها واحتلالها، وما دام تنفيذ اتفاق الإطار يتعثر عند شروط التحقق والانسحاب، وما دام لبنان يفتقر إلى موقف داخلي موحد بشأن السلاح والدولة، فإن خطر استمرار إدارة الأزمة يبقى قائماً.
غير أن البديل ليس الانسحاب من المفاوضات، ولا العودة إلى معادلات القوة السابقة التي كشفت الحرب حدودها.
البديل هو الانتقال من التفاوض بوصفه استجابة للضغوط إلى التفاوض بوصفه جزءاً من مشروع وطني لاستعادة الدولة والسيادة.
فالمطلوب ليس تسوية توقف الحرب مؤقتاً وتترك أسبابها قائمة، ولا ترتيبات أمنية تجعل الجنوب منطقة خاضعة لشروط الاحتلال، بل مسار يفضي إلى إنهاء الاحتلال، واستعادة القرار الوطني، وبناء دولة قادرة على حماية أرضها ومواطنيها.
وهذا هو الامتحان الذي تضعه جولة تامبا أمام لبنان: ليس فقط ما الذي يستطيع أن يحصل عليه من المفاوضات، بل ما الذي يستطيع أن يفعله داخلياً كي يصبح قادراً على التفاوض من موقع وطني أكثر تماسكاً.
فبين استمرار إدارة الأزمة وإمكان الانتقال إلى التسوية، تبقى القضية الحاسمة هي قدرة اللبنانيين على استعادة دولتهم، لا انتظار أن يعيد الآخرون بناءها نيابة عنهم.



