خبر عاجلسياسةمقالات

“كيف تحول العراق إلى ساحة أختبار للمواجهة الأميركية ـ الإيرانية؟” – محمد المشهداني

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

“كيف تحول العراق إلى ساحة أختبار للمواجهة الأميركية ـ الإيرانية؟” – محمد المشهداني

 

 

محمد المشهداني _ مناشير

لم يعد الصراع داخل العراق مجرد خلاف تقليدي على توزيع الوزارات أو تنافس أعتيادي بين أجنحة قوئ الإطار التنسيقي و هو ما يجري اليوم أعمق بكثير حيث إنه إعادة تعريف كامل لشكل الدولة العراقية بعد عقدين من التوازنات الهشة بين الدولة والفصائل وبين النفوذ الإيراني والرعاية الأميركية وبين شرعية السلاح وشرعية المؤسسات الحكومية التي يقودها رئيس الوزراء علي الزيدي لا تبدو حكومة أنتقالية عادية بل تبدو كأنها مشروع سياسي و أمني صيغ على عجل في لحظة إقليمية شديدة الحساسية هدفه إنتاج دولة بلا فصائل أو على الأقل دولة يكون فيها السلاح تحت السيطرة الكاملة للدولة و لا تحت إدارة الفصائل العقائدية العابرة للمؤسسات و المفارقة أن هذا المشروع لا يولد من داخل البيئة الشيعية العراقية فقط بل يتشكل تحت ضغط أميركي مباشر وفي ظل إدراك إقليمي متزايد بأن إستمرار بنية الدولة الموازية في العراق بات يهدد أمن الخليج العربي والطاقة العالمية وليس فقط التوازن الداخلي العراقي.

 

 

و من حكومة تسوية إلى مشروع إعادة هندسة الدولة منذ لحظة تكليف علي الزيدي كانت هناك إشارات غير أعتيادية و الاعتراض الأميركي المباشر على الأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية نوري المالكي الذي لم يكن مجرد موقف سياسي عابر بل إعلان مبكر بأن أميركا قررت التدخل بصورة أكثر وضوحا في رسم شكل السلطة العراقية المقبلة و من ثم جاء الدعم المفاجئ لشخصية غير متوقعة مثل الزيدي والدعوة السريعة لزيارة واشنطن و في التوازي مع استبعاد شخصيات مرتبطة في الفصائل من المناصب الحساسة و ليكشف أن الرجل ليس مجرد حل وسط بل جزء من ترتيبات أوسع هذه الترتيبات تبدو قائمة على معادلة بسيطة لكنها شديدة الخطورة.

 

الدعم الأميركي الكامل مقابل تفكيك أقتصاديات الفصائل وإنهاء نفوذها الأمني وهنا تحديدا تكمن خطورة المرحلة حيث فإن الولايات المتحدة الأميركية لا تتعامل مع حكومة علي الزيدي باعتبارها حكومة خدمات أو إصلاح إداري بل باعتبارها منصة سياسية لتنفيذ تحول إستراتيجي في العراق ولهذا السبب تبدو واشنطن مستعدة للذهاب بعيدا جدا في حماية الحكومة الجديدة و حتى لو أستدعى الأمر تصعيدا أمنيا أو عمليات نوعية ضد شخصيات فصائلية تعتبرها معرقلة للمشروع الجديد.

 

ولماذا تغيّر الموقف الأميركي الآن؟ السؤال الأهم هو ليس و لماذا تدعم واشنطن علي الزيدي؟

بل لماذا قررت التحرك الآن تحديداً؟

 

الجواب يرتبط بتحولين أساسيين أولا أنتقال الفصائل المقاومة من الضغط المحلي إلى تهديد الأمن الإقليمي خلال السنوات الماضية حيث تعاملت الولايات المتحدة الأميركية مع هجمات الفصائل بوصفها جزءا من حرب أستنزاف محدودة داخل العراق وسوريا و لكن أستهداف منشآت الطاقة الخليجية والطائرات المسيّرة التي وصلت إلى الإمارات غيرت المعادلة في العقل الإستراتيجي الأميركي حيث هناك فرق كبير بين الهجوم على القاعدة العسكرية وهجوم يهدد سوق الطاقة العالمي. و لا يقرأ بوصفه رسالة سياسية بل باعتباره تهديدا للنظام الأقتصادي العالمي وهنا تنتقل الفصائل المقاومة من كونها أزمة عراقية إلى كونها مشكلة أمن دولي و لذلك يبدو أن واشنطن وصلت إلى قناعة بأن سياسة الأحتواء ما لم تعد كافية وأن الوقت حان لإعادة بناء الدولة العراقية بطريقة تمنع وجود قوة عسكرية مستقلة خارج السلطة المركزية.

 

 

ثانيا التغير داخل البيئة الشيعية نفسها وهي الأخطر بالنسبة للفصائل وليس الضغط الأميركي بل التحول التدريجي داخل البيت الشيعي و للمرة الأولى منذ سنوات يظهر أنقسام واضح بين معسكر يريد التكيف مع الشروط الأميركية حفاظا على النظام السياسي ومعسكر يرى أن أي تراجع أمام واشنطن يعني نهاية مشروع المقاومة و هذا الأنقسام ليس نظريا بل هو. ينعكس في توزيع الوزارات والتحالفات البرلمانية. وحتى في لغة الخطاب السياسي و حين تحرم قوى مسلحة نافذة من حقائب سيادية وحين يبدأ الحديث علنا عن نزع السلاح وتحويل الفصائل إلى مؤسسات مدنية أو دينية و بهذا يعني أن شيئا جوهريا يتغير داخل البنية الشيعية الحاكمة نفسها.

 

وهنا يظهر دور زعيم التيار الصدري سماحة الهمام السيد مقتدى الصدر بوصفه عاملا حاسما فإن الصدر و رغم بقائه خارج السلطة التنفيذية ما يزال يمتلك القدرة على ترجيح الكفة داخل المعادلة الشيعية و التسريبات التي تتحدث عن دعمه المشروط لحكومة علي الزيدي مقابل التخلص من خلطة العطار _ وهي المحاصصة الحزبية و الطائفية و هنا تكشف أن جزءا مهما من النخبة الشيعية باتت ترى أن إستمرار النفوذ الخارجي بالشكل الحالي يهدد بقاء النظام نفسه.

 

وهنا الإطار التنسيقي من تحالف سلطة إلى ساحة حرب باردة حيث ما يحدث داخل الإطار التنسيقي يشبه إلى حد بعيد تفكك الأحزاب العقائدية الكبرى عندما تدخل مرحلة الصراع على البقاء و أن التحالف الذي تأسس أساسا لحماية البيت الشيعي بعد إنسحاب التيار الصدري من العملية السياسية بات اليوم منقسما حول سؤال وجودي وهو هل الأولوية لحماية النظام السياسي أم لحماية الفصائل؟

 

وهذه ليست مسألة إجرائية بل مسألة تحدد مستقبل الشيعية السياسية في العراق و المعسكر المؤيد لحكومة علي الزيدي الذي يبدو مقتنعا بأن أي مواجهة مع واشنطن في هذه اللحظة سيكون أتتحارا سياسيا و إقتصاديا خصوصا مع إحتمال فرض عقوبات أو تنفيذ ضربات دقيقة ضد قيادات معينة.

 

أما المعسكر الآخر الذي يضم شخصيات أكثر قربا من الجمهورية الإسلامية الإيرانية فيعتقد أن المشروع الأميركي يستهدف تفكيك النفوذ الشيعي المسلح في الكامل وأن التنازل اليوم سيقود إلى تصفية تدريجية لكل بنية المقاومة و لهذا السبب تتحدث التسريبات عن تهديدات متبادلة وعن صراع أجنحة قد يتحول إلى مواجهة مفتوحة إذا شعرت الفصائل بأنها تدفع نحو الزاوية الأخيرة.

 

 

الوزارات الأمنية قلب المعركة الحقيقي حيث كل الضجيج السياسي الحالي يدور فعليا حول نقطة واحدة وهي من يسيطر على المنظومة الأمنية المقبلة؟

 

كل الحديث عن تحويل وزارتي الدفاع والداخلية إلى هيئة أمن إتحادية موحدة ليس مجرد تعديل إداري و بل إعادة صياغة كاملة لفلسفة الأمن في العراق من

الفكرة الجوهرية هنا هي إنهاء تعدد مراكز القوة و منع أختراق الأجهزة من قبل الفصائل و تركيز القرار الأمني بيد رئاسة الحكومة و كل هذا يعني عمليا إنهاء المرحلة التي كانت فيها الفصائل المسلحة تمتلك نفوذا موازيا داخل مؤسسات الدولة.

 

ولهذا تبدو معركة الوزارات الأمنية أكثر أهمية من تشكيل الحكومة نفسها و لأنها ستحدد إن كان العراق متجها فعلا نحو دولة مركزية أم نحو هدنة مؤقتة قبل أنفجار جديد وهل تنجح خطة نزع السلاح؟.

 

حيث هنا السؤال الأكثر تعقيدا وليس سياسيا بل ميدانيا.

 

فإن الفصائل اليوم ليست مجرد تشكيلات عسكرية يمكن حلها بقرار حكومي بل شبكات إقتصادية وعقائدية وأمنية عميقة و لديها مصادر تمويل و نفوذ داخل المؤسسات و جمهور عقائدي و أرتباطات إقليمية و أذرع إقتصادية وإعلامية و لذلك فإن تفكيكها لا يشبه حل ميليشيات تقليدية بل يشبه تفكيك دولة داخل الدولة و أن أي محاولة سريعة أو خشنة قد تدفع نحو تمرد أمني و أغتيالات سياسية و أنهيار حكومي أو حتى صدام شيعي ـ شيعي محدود.

 

و لكن في المقابل يبدو أن واشنطن تراهن على أن جزءا مهما من البيئة الشيعية لم يعد مستعدا لتحمل كلفة إستمرار الفصائل المقاومة خصوصا بعد تزايد الضغوط الأقتصادية والخوف من العزلة الدولية.

 

إيران الخاسر الأكبر أم اللاعب الأكثر مرونة؟.

 

و رغم أن المشهد يبدو وكأنه مواجهة أميركية ـ إيرانية فإن طهران غالبا تتعامل في سياسة براغماتية أكثر مما يبدو في الخطاب الإعلامي حيث إيران تدرك أن البيئة العراقية تغيرت و أن نموذج الفصائل فوق الدولة بات يواجه رفضا داخليا وخارجيا متزايدا

و لذلك قد لا يكون هدفها الحفاظ على كل الفصائل كما هي بل الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ داخل النظام السياسي والأمني الجديد بمعنى آخر. ربما تقبل طهران في إعادة تموضع تكتيكية إذا ضمنت عدم تحول العراق إلى منصة معادية في الكامل و بقاء حلفائها داخل مؤسسات الدولة و إستمرار خطوطها الأقتصادية والسياسية الحيوية و لكن المشكلة أن بعض الفصائل المقاومة قد لا تقبل بهذا النوع من التسويات مما يجعل إحتمال مسلسل الأنشقاقات أو التمردات الفردية قائما بعدة.

من السيناريوهات وهي أحتمالات مفتوحة.

 

أولا _ سيناريو الأحتواء الناجح حيث ينجح الزيدي بدعم أميركي وإقليمي في تمرير الوزراء المتبقين و أحتواء الفصائل تدريجيا عبر التسويات والدمج الوظيفي مع تنفيذ محدود لعمليات أمنية ضد الجهات الأكثر تشددا و طبعا هذا السيناريو يمنح العراق فرصة نادرة لإعادة بناء الدولة.

 

ثانيا _ سيناريو الأنفجار الشيعي الداخلي حين تشعر الفصائل المقاومة بأنها مستهدفة وجوديا فتبدأ مرحلة تصعيد أمني وسياسي يؤدي إلى إسقاط الحكومة خلال أشهر حينها قد يدخل العراق مرحلة أضطراب أخطر من كل ما شهده منذ العام 2019.

 

ثالثا _ سيناريو التسوية الرمادية وهو الأكثر واقعية حتى الآن و في هذا السيناريو يتم تقليص نفوذ الفصائل المقاومة و لا إنهاؤه و تفرض قيود على السلاح دون نزعه في الكامل و تستمر التفاهمات بين واشنطن وطهران عبر بغداد وتبقى الدولة العراقية معلقة بين مشروعين متناقضين.

 

وهنا العراق أمام لحظة تأسيس جديدة مما يجري اليوم و ليس مجرد أزمة حكومة أو خلاف على حقائب وزارية و إنما صراع على تعريف الدولة العراقية نفسها و السؤال يقول

 

هل تكون دولة مؤسسات تحتكر السلاح؟

أم تبقى دولة هجينة تتعايش فيها السلطة الرسمية مع القوى المسلحة؟ و للمرة الأولى منذ سنوات يبدو أن هناك محاولة فعلية لإعادة رسم هذا التوازن في القوة السياسية والضغط الدولي معا .

 

و لكن التأريخ العراقي يقول إن تفكيك البنى المسلحة أسهل نظريا من تطبيقه عمليا خصوصا عندما تكون هذه البنى جزءا من النظام لا خارجه ولهذا فإن ما بعد العيد قد لا يكون مجرد موعد سياسي عابر بل بداية مرحلة عراقية جديدة في الكامل مرحلة ستحدد إن كان العراق يتجه نحو جمهورية الدولة أو تحت التهديدات السياسية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى