قبر في بيروت بـ30 ألف دولار… حتى الموت بات مكلفاً!

مناشير
من مدافن الشهداء إلى الباشورة، أسعار القبور ترتفع وأهالي العاصمة يسألون: أين يدفن الفقراء موتاهم؟
لم يعد الموت في بيروت يضع العائلات أمام ألم الفقد وحده، بل بات يحمّلها عبئاً مالياً ثقيلاً، قد يصل إلى عشرات آلاف الدولارات لتأمين قبر لأحد أفرادها، في مشهد يطرح أسئلة جدّية عن حقّ أبناء العاصمة في دفن موتاهم بكرامة، بعيداً من الحسابات المالية القاسية.
فبحسب الأرقام المتداولة، يصل سعر القبر في مدافن الشهداء إلى نحو 20 ألف دولار، بعدما كان في حدود 15 ألفاً قبل عشر سنوات، بزيادة تقارب 33.3%. أمّا في مدافن الباشورة، فيبلغ السعر نحو 30 ألف دولار، مقابل نحو 15 ألفاً عام 2015، أي بارتفاع يصل إلى 100%.
هذه الأرقام لا تقلق أصحاب الدخل المحدود وحدهم، بل تطال أيضاً أبناء الطبقة الوسطى الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن تحمّل كلفة قبر جديد، خصوصاً العائلات التي لا تملك مدفناً عائلياً، فتتحوّل لحظة الوفاة إلى سباق مع الوقت لتأمين المبلغ المطلوب.
والأعباء لا تتوقف عند شراء القبر. فهناك نفقات الحفر والتجهيز والتغسيل والتكفين والنقل والدفن، فيما تتراوح كلفة خدمات الدفن لدى جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية بين 500 وألفي دولار، تبعاً للخدمات المقدّمة والوضع المادي للعائلة، وتُضاف إليها كلفة تعمير القبر التي تتراوح بين 500 وألف دولار.
لكن السؤال الأساسي يبقى: ماذا عن العائلات التي لا تملك هذه المبالغ؟
تتولى جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية إدارة مدافن الشهداء والباشورة، فيما سبق لبلدية بيروت أن ساهمت في تغطية نفقات دفن العائلات الفقيرة. غير أن واقع الأسعار اليوم يفرض إعادة طرح مسألة هذه المساعدات، ومدى استمرارها، وآليات الاستفادة منها، والمعايير المعتمدة لتحديد الإعفاءات والتخفيضات.
فهل لا تزال المساعدة البلدية متاحة للعائلات غير القادرة على الدفع؟ ومن يحق له الاستفادة منها؟ وهل توجد آلية واضحة وشفافة تراعي أوضاع الأسر الأكثر فقراً، أم تُترك العائلات لمواجهة هذه التكاليف في أصعب لحظات حياتها؟
المسألة تتجاوز الأرقام، لتلامس حقّاً إنسانياً واجتماعياً أساسياً. فأبناء بيروت الذين عاشوا في العاصمة وبنوا فيها عائلاتهم، لا ينبغي أن يجدوا أنفسهم أمام معضلة تأمين مكان لدفن موتاهم، أو مضطرين إلى البحث عن مدافن خارج مدينتهم لعدم قدرتهم على تحمّل الأسعار.
فإذا كان القبر في بيروت قد بات يكلّف عشرات آلاف الدولارات، فما مصير من لا يملك المال ولا مدفناً عائلياً؟
إنها أسئلة برسم جمعية المقاصد وبلدية بيروت، تستدعي إجابات واضحة حول الأسعار، والمساعدات، وحقوق العائلات العاجزة عن الدفع. فكرامة الإنسان لا تنتهي بوفاته، ولا يجوز أن تتحوّل كلفة دفنه إلى عبء يفوق قدرة أهله على الاحتمال.



