فضيحة تهز قصر عدل بعبدا… هاتف موقوف يكشف شبكة سمسرة قضائية تقودها عاملة تنظيفات

مناشير
لم تبدأ واحدة من أخطر قضايا السمسرة القضائية داخل قصر عدل بعبدا بشكوى من مواطن، بل من هاتف موقوف في قضية مخدرات، قادت محتوياته المحققين إلى كشف شبكة كانت تنشط من داخل العدلية، وتوهم المراجعين بقدرتها على تسريع المعاملات وتأمين إخلاءات سبيل والحصول على وثائق ومعلومات قضائية مقابل مبالغ مالية.
وفي قرار ظني صدر في 21 تموز 2026، ظنت قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضية ندى الأسمر بعاملة تنظيفات في قصر عدل بعبدا وعدد من الأشخاص بجرائم صرف النفوذ والاحتيال وانتحال الصفات والسمسرة غير المشروعة ونشر وثائق قضائية سرية، فيما منعت المحاكمة عن جميع المدعى عليهم بجرم تبييض الأموال لعدم توافر عناصره القانونية، وأحالتهم إلى القاضي المنفرد الجزائي في بعبدا.
وبحسب القرار، استغلت عاملة التنظيفات عملها داخل قصر العدل وعلاقاتها بالموظفين والمراجعين للإيحاء بقدرتها على متابعة الملفات القضائية، وتأمين مستندات وقرارات وأذونات لمواجهة الموقوفين، مقابل مبالغ مالية، كما كانت تتولى تقديم شكاوى فقدان مستندات ومتابعة طلبات إخلاء السبيل وتصوير وثائق قضائية، إضافة إلى إعادة استخدام الطوابع المالية بعد نزعها من بعض المعاملات.
وكشف التحقيق، من خلال محتويات هاتفها، عن رسائل صوتية وصور لقرارات وأحكام قضائية ومستندات مرتبطة بتحقيقات جزائية، إلى جانب محادثات تتعلق بمتابعة ملفات قضائية، وهو ما اعتبرته القاضية نشاطاً منظماً يتجاوز حدود “المساعدة” إلى استغلال النفوذ والإيهام بالتأثير في القضاء.
وأظهرت إفادات عدد من الأشخاص أنهم دفعوا مبالغ تراوحت بين 50 و150 دولاراً لقاء تقديم طلبات إخلاء سبيل أو متابعة ملفات موقوفين، بعدما شاع بين السجناء وذويهم أنها قادرة على إنجاز هذه المعاملات من داخل العدلية.
ومن أخطر ما كشفه القرار، أن العاملة أرسلت بعد توقيفها رسالة إلى ابنها تطلب منه إخفاء مستندات موجودة في منزلها، إلا أن تفتيش المنزل أسفر عن ضبط دفاتر أذونات مواجهة، ونماذج طلبات قضائية، ودفتر يتضمن أرقام دعاوى.
كما تبين، وفق التحقيقات، أنها كانت تحتفظ بمفاتيح عدد من مكاتب القضاة داخل قصر عدل بعبدا، في واقعة أثارت تساؤلات واسعة حول آليات الرقابة داخل العدلية، ودفع ذلك إلى الظن بإحدى الموظفات بالتدخل في جرمي صرف النفوذ والاحتيال بعدما اعتبر القرار أنها ساعدت في تسهيل بعض الأفعال وإخفاء معالمها.
وامتدت التحقيقات إلى عدد من الأشخاص العاملين في محيط قصر العدل في تخليص المعاملات وكتابة الشكاوى، حيث ظنت القاضية ببعضهم بجرائم التدخل في صرف النفوذ والاحتيال وانتحال الصفات، بعدما اعتبرت أنهم تقاضوا أموالاً من المواطنين وأوهموهم بقدرتهم على التأثير في مسار القضايا.
وفي المقابل، رفض القرار توصيف الوقائع على أنها تشكل جرم تبييض أموال، معتبراً أن التحويلات المالية الإلكترونية التي جرت لا تكفي وحدها لإثبات هذا الجرم، لعدم وجود عمليات معقدة تهدف إلى إخفاء المصدر غير المشروع للأموال أو تمويهها.
وبذلك، أحيل جميع من تقرر الظن بهم إلى القاضي المنفرد الجزائي في بعبدا لمحاكمتهم، في قضية تثير علامات استفهام كبيرة حول كيفية تمكن عاملة تنظيفات من الوصول إلى مكاتب القضاة والاطلاع على وثائق قضائية حساسة، وبناء شبكة استمرت في استغلال الموقوفين وذويهم من داخل قصر العدل نفسه.



