خبر عاجلفسحة ثقافةمقالات

عفيف دياب يقود «بيجو 504» في كلّ الاتجاهات

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

عفيف دياب يقود «بيجو 504» في كلّ الاتجاهات

من كفرشوبا إلى العرقوب، تستعيد رواية «بيجو 504» (دار الفارابي) لعفيف دياب فصولاً من تاريخ الجنوب اللبناني، حيث تداخلت الثورة الفلسطينية والحرب الأهلية والاعتداءات الإسرائيلية..

منى سكرية – الأخبار

من كفرشوبا إلى العرقوب، تستعيد رواية «بيجو 504» (دار الفارابي) لعفيف دياب فصولاً من تاريخ الجنوب اللبناني، حيث تداخلت الثورة الفلسطينية والحرب الأهلية والاعتداءات الإسرائيلية. عبر شخصيات حقيقية ومتخيّلة، تكشف الرواية أسرار الأحزاب وخيبات المناضلين وصراعات القيادات، وتنبش ذاكرة مرحلة حافلة بالتناقضات والأسئلة التي ما تزال مفتوحة حتى اليوم، بين النضال والخذلان

بين الذاكرة وحفظ حقوقها، والخوف من عتب النسيان واستحقاقاته، دخل عفيف دياب في منزلة بين منزلتين من هذين الواجبين، كعهدٍ أخلاقي جذّرته حشرية المهنة وإتقانها من جهة، ومبدؤه في نقاوة النضال الذي يرغب فيه من جهة أخرى. هكذا عاجلنا دياب من بداية السرد في روايته «بيجو 504» (دار الفارابي ــ الغلاف للفنانة التشكيلية سُكينة حويلا)، بتظهير المشهد الواقعي: ترك الدولة لأبناء القرى الأمامية المتاخمة لفلسطين المحتلة بلا ملاجئ تقيهم اعتداءات إسرائيل منذ عام 1948، عندما واجه «أبو زغيب» عصابات الهاغانا، في مواجهة انتهت باستشهاده، وصولاً إلى بدايات تغلغل الانتساب إلى أحزاب تلك المرحلة، بعد هزيمة الـ67، من البعثي إلى الشيوعي إلى الثورة الفلسطينية.

يوم بدأ تسلّل الفدائيين والتنافس على حضورهم في العرقوب، يسأل ياسر عرفات متفاجئاً: «متى وصل الحكيم؟ وهل وصل قبلنا؟ وهل نحن وصلنا قبله؟ هل مجموعته كبيرة أم مجموعتنا أكبر؟ هل معه سلاح نوعي؟» (ص 76). ثم جاءت لقاءات بينهما لتأكيد القرار الفلسطيني المستقل، وإجماع الطرفين على انتقاد القيادة العليا في سوريا لابتعادها عن العمل الثوري. ولاحقاً، مع انخراطهما في الحرب الأهلية اللبنانية، اعترف حبش بأنهم لم يرغبوا في دخولها: «وقد ظلمنا كثيراً وظلمناكم بمظلوميتنا. لقد تورطنا كما تورّط اليسار في حرب داخلية»، متهماً دولاً عربية بفرضها على الثورة، وهي دول «كنا نعتقد أنها تقدمية وثورية» (ص 172).

من كفرشوبا إلى «بيجو 504»

أقلع ابن بلدة كفرشوبا «بقلمه» ومخزون عقود من حوادث شكّلت مداميك أحداث لاحقة، مزجت ثورة فلسطينية بحرب أهلية لبنانية باعتداءات إسرائيلية مبكرة على قرى الجنوب اللبناني الأمامية، وما تزال مستمرة، فأثمرت قيادته عملاً روائياً بعنوان «بيجو 504». تسمية تكشف عن دلالة التصويب والبدء بالقصّ المركّز.
كان سرداً أثار فينا اندهاشاً أولياً لطبيعة الأسماء الواردة بكامل هويتها، كما أجّج في دواخلنا حشرية تخمين هوية باقي الشخصيات وأبطال النص. سرد دياب تصريحاً لا تلميحاً، كمن يدلي باعترافات يريد نثرها أمام الملأ، تطهيراً لاعتمالات تجرح أسئلته عن مرحلة شابها الكثير من التساؤلات. أوردها عبر أسماء وشخصيات، بعضها محض خيال وبعضها الآخر فرض حضوره الحقيقي، كما يذكر.

الشهيد الأخضر العربي… وخذلان القيادة

تحضر قصة الشهيد الأخضر العربي (اسمه أمين سعد)، وخذلانه من قيادته، وقد استشهد في 3 كانون الأول (ديسمبر) 1969، وكان «زينة الشبّان لم يخن قضيته لحظة واحدة ولا فلسطين التي أحبها وغرق بعشقها»، فأوصى بسلاحه للفدائيين. ولكن جرى لاحقاً استرداد الكلاشينكوف وركنه في المستودع بقرار من «القيادة العليا».

حكاية من مدّ وجزر مع عدو صهيوني ما يزال يفلش خرائطه وطموحاته

هنا لملمت حواسنا جهودها للانتباه بدرجة عالية. فالرواية لا تخضع لمعايير الكتابة الأدبية ومسطرتها ومساطرها، بل يشعر القارئ بأهمية أن تُروى تلك الوقائع، مثلها في مجيء ياسر عرفات وجورج حبش إلى العرقوب في الليالي تسلّلاً، و«طبيب بريجنيف» ونهايته التصاعدية المأساوية في سياق السرد، وصولاً إلى نقد ذاتي مبكر مارسه وعي ناضج لأشخاص انتسبوا إلى أحزاب ثم استقالوا أو أقيلوا لتمرّدهم الضمني على الانحراف. وقد أبقى عفيف دياب أسماءهم الحقيقية سرّية، فلم نعثر على مدى القرب والقرابة بينه وبينهم.

شخصيات وأسرار من زمن الأحزاب

من هو جميل، ابن بلدة كفرشوبا وكاتم أسرار عرفات، «الخائف من تكرار مقتلة الأردن على أرض لبنان، وهو سعى إلى عمل ما في الشام» (ص 97)، تكشفه الصفحة 132 عبر «دعم عرفات لانقلاب ضد القيادة العليا في سوريا»، ما يتيح لنا التخمين أنها ربما حصلت أوائل السبعينيات من القرن الماضي؟
ومن هي مريم التي نفّذت عملية قذرة، برع دياب في توصيفها كما في مسلسلات الرعب، أثناء سلوكها طرقات كفرشوبا المدمّرة لاسترجاع إحدى الأمانات التي أبكت زوجها الرفيق البعثي المستقيل قبل حادثة «البيجو 504»؟

ومن هو راجي، مؤسس الحزب الثوري، الذي انتهت مسيرته بيأس من سلوكيات الأحزاب اليسارية، فابتدع نكات كوميدية سوداء، ثم هاجر إلى حضن الإمبريالية في أميركا للعمل عند أهل زوجته، بعدما وصلت به الحياة إلى العمل سائق أجرة لتأمين لقمة العيش؟
ومن هو رمزي الذي حاول رئيس الحزب الحليف للحزب الشيوعي إنقاذ حياته بأصعب عملية سرّية (كان وليد جنبلاط يومها رئيساً للحزب التقدمي الاشتراكي)، أثناء اجتياح إسرائيل عام 1982 وحصارها بلدة المختارة؟
أما الاتحاد السوفياتي، فقد نال نصيبه من وقائع أثارت غيظ هؤلاء الرفاق وتساؤلاتهم، في تغطيته لدخول القيادة العليا إلى لبنان، والاكتفاء ببيان إدانة للعدوان الإسرائيلي على لبنان عام 1982، رغم معرفتهم بأدق تفاصيل حصول هذا الاجتياح بين لحظة وأخرى: «لكنهم يرفضون دعمنا ومدّنا بالسلاح النوعي، أمرهم غريب يا رفيق» (ص 181).

كفرشوبا… حكاية لم تنتهِ

بتاريخ الخامس من كانون الثاني (يناير) 1975، شنّ «الجيش» الإسرائيلي حرب تدمير شامل على القرية، وتوعّد رئيس أركانه «أن يحوّل القرية إلى ملعب كرة قدم» (ص 80).
تغييب اسم القرية، وإن كنا نفترض أنها قرية دياب، كفرشوبا، لم يَحُل دون تماسك النص وسرديته الحكائية المتصاعدة، وفي طياتها الكثير من وقائع ما نزال نشهد أخطر مرتكزاتها: العدو الإسرائيلي باعتداءاته المتكررة على جنوب لبنان منذ احتلاله فلسطين.

فكتب جميل، الذي لم يذكر اسمه الحقيقي، بعد معركة قريته وتدمير البيوت، في مجلة «فلسطين الثورة»: «هنا على أرض المعركة المستمرة من أجل فلسطين، نغتسل بقطرات عرق تعب الترحال… لاجئون سبقونا إلى خيام، وها نحن نلتحق بهم وتصير أجسادنا أوتاد خيمة واحدة… ذات خريف وصباح قلنا للعروس: لكِ القدس وبرتقال يافا… ومهر عرسك ما تبقّى من بلاد الشام» (ص 85). لم تنتهِ الحكاية عند حدود كفرشوبا المطلة على جليل فلسطين الأعلى، محتمية بشروق شمس جبل الشيخ وجولانه. حكاية من مدّ وجزر مع عدو صهيوني ما يزال يفلش خرائطه وطموحاته على الملأ… وما تزال العيون ترصد وتقاوم وتقدّم قرابين الشهادة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى