صراع القرن الأفريقي: سباق على الموانئ والقواعد العسكرية – سعيد عيسى

د. سعيد عيسى
على الضفة الأفريقية لخليج عدن، تتزاحم اليوم حسابات لا يجمع بينها كثير سوى الموقع. إثيوبيا تبحث عن منفذ دائم إلى البحر، والصومال يتمسك بحدوده وسيادته، و”أرض الصومال” أو “صوماليلاند” تستخدم ساحلها للحصول على اعتراف دولي طال انتظاره، وإسرائيل ترى في الجهة المقابلة لليمن موقعاً بالغ الحساسية لأمنها. وبين هذه الأطراف تتحرك تركيا ومصر والإمارات، بينما تراقب واشنطن وبكين وموسكو وأوروبا ممرات التجارة بين آسيا وأوروبا، ومنها باب المندب.
وبينما أعاد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد التأكيد على أهمية وصول بلاده إلى البحر الأحمر، كانت التطورات في اليمن وإثيوبيا وإريتريا تضيف إلى المشهد ما يكفي لجعل السواحل الممتدة من بربرة إلى باب المندب جزءاً من معادلة أمنية واحدة. والموقع يفسر الكثير. فبربرة تقع على خليج قبالة اليمن، ولا تفصلها عن باب المندب إلا مسافة تجعل الميناء والمطار والمنشآت العسكرية القريبة منه ذات قيمة تتجاوز التجارة المحلية إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.
البحر أولاً
كانت مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا و”أرض الصومال” في كانون الثاني/ يناير 2024 نقطة الانفجار. أرادت أديس أبابا بموجبها الوصول إلى ساحل البحر الأحمر، واستخدام شريط بحري لأغراض تجارية وعسكرية، في مقابل تعهد بالاعتراف بـِ “أرض الصومال”. أما مقديشو فاعتبرت الاتفاق مساساً بسيادتها، ورفضت أن تتصرف هرجيسا (عاصمة أرض الصومال) في أرض تعتبرها جزءاً من الدولة الصومالية.
لكن اتفاق سنة 2024 لم يكن الكلمة الأخيرة. ففي كانون الأول/ديسمبر من السنة نفسها، أطلقت تركيا “إعلان أنقرة” بين الصومال وإثيوبيا، وأُعيدت صياغة مسألة الوصول الإثيوبي إلى البحر على أساس ترتيبات تحترم السيادة الصومالية. ومنذ ذلك الحين، أصبح الدور التركي أكثر تعقيداً من مجرد دعم مقديشو. فأنقرة تدرب القوات الصومالية، ولها مصالح اقتصادية، وفي الوقت عينه تحاول إبقاء قناة تفاوض مفتوحة مع أديس أبابا.
اختارت القاهرة مساراً مختلفاً، فعزّزت تعاونها العسكري مع مقديشو، في الوقت الذي كان فيه النزاع حول سد النهضة يتداخل مع حسابات البحر الأحمر. فمصر لا تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها خصماً في نزاع المياه فحسب، بل إن كل زيادة في قدرة أديس أبابا على الوصول إلى البحر الأحمر تعيد ترتيب موازين القوة في منطقة تمس الأمن المصري مباشرة.
أما إثيوبيا فتبدو أكثر إصراراً على كسر عقدتها كدولة حبيسة. ومع التوتر المتصاعد مع إريتريا والعودة إلى القتال في تيغراي، باتت مسألة البحر مرتبطة أيضاً بالحسابات الأمنية الداخلية والإقليمية لأديس أبابا. ولم يعد السؤال ما إذا كانت تريد البحر، بل من أين ستحصل عليه؟ ومن سيدفع ثمن ذلك سياسياً؟
بربرة تتقدم
في هذه المساحة، دخلت إسرائيل على خط مختلف. فاعترافها بـ”أرض الصومال” في كانون الأول/ ديسمبر 2025 أعطى هرجيسا مكسباً سياسياً لم تحصل عليه خلال عقود، لكنه في الوقت نفسه نقل العلاقة إلى مستوى آخر. فالموقع لم يعد مجرد ورقة تفاوضية في ملف الاعتراف، بل صار له قيمة أمنية في الحساب الإسرائيلي للبحر الأحمر واليمن.
وفي حزيران/ يونيو 2026، استضافت إسرائيل رئيس “أرض الصومال”، فيما أخذ التعاون بين الطرفين منحى أمنياً متزايداً. ثم جاء تصريح نتنياهو في 5 تشرين الأول/ أكتوبر من الشهر الحالي ليعبر عن استعداد إسرائيل لبناء قاعدة عسكرية في “أرض الصومال”. فإذا تحول هذا الاستعداد إلى اتفاق وتنفيذ، فسيكون لإسرائيل وجود عسكري مباشر على الساحل الأفريقي المقابل لليمن، في منطقة تقع عند تقاطع طرق الملاحة، وتتصل بالعمليات العسكرية في البحر الأحمر وباب المندب، وتتجاوز مضيق هرمز وصولاً إلى إيران.
لكن مقديشو ترفض هذا الاحتمال. فالرئيس حسن شيخ محمود أعلن رفض أي وجود إسرائيلي في بلاده، واتهم إسرائيل بالسعي إلى بناء قاعدة بحرية في بربرة واستخدام مطارها.
ولم تكن الإمارات بعيدة عن هذه المعادلة، وإن تكن من بوابة مختلفة. فاستثماراتها في ميناء بربرة جعلت الميناء أحد أهم المواقع التجارية على خليج عدن، فيما ارتبط اسمها أيضاً بتطوير منشآت ذات استخدامات أمنية وعسكرية. وهكذا أصبحت بربرة مكاناً تتقاطع فيه مصالح الإمارات وإسرائيل وإثيوبيا، بينما تملك تركيا ومصر أوراقاً متنوعة في مقديشو.
الكبار يدخلون
بالنسبة إلى واشنطن، تتعلق المسألة بالملاحة والإرهاب والمنافسة مع الصين، لكنها تتعلق أيضاً بمن يمتلك نقاط الارتكاز على ساحل قريب من اليمن. ولهذا تنظر الولايات المتحدة باهتمام إلى عروض “أرض الصومال” المتعلقة بالموانئ والمنشآت العسكرية، من دون أن يعني ذلك أنها تتخلى عن اعترافها الرسمي بسيادة الصومال.
لكن الصين تبدو أكثر حذراً. فلديها قاعدة في جيبوتي ومصالح تجارية واسعة في شرق أفريقيا، وما تحتاج إليه هو ألا يتحول باب المندب إلى منطقة حرب مفتوحة. وهي لا تبدو معنية بالدخول في مسألة الاعتراف بـِ “صوماليلاند” بقدر اهتمامها بحماية الطريق البحري الذي يربط تجارتها بأوروبا.
أما الاتحاد الأوروبي، فيتعامل مع المشكلة من زاوية الملاحة. فمهمة “أسبيدس” موجودة في البحر الأحمر وخليج عدن لحماية السفن الأوروبية، وأوروبا تريد إبقاء الطريق البحري مفتوحاً، لكنها لا تملك حتى اليوم مشروعاً سياسياً للتنافس على الساحل الأفريقي.
في حين تنظر روسيا إلى المشهد من الضفة الأخرى، فالسودان يمنحها، إذا استقر وجودها هناك، نقطة يمكن أن توسع منها حضورها في البحر الأحمر. وهذا يسمح لها بمراقبة إعادة توزيع النفوذ من قناة السويس إلى خليج عدن، من دون أن تكون لاعباً مباشراً في بربرة.
لهذا يصعب اختزال ما يجري في خلاف بين مقديشو وهرجيسا، أو في بحث إثيوبي عن منفذ بحري، فالمسألة أوسع بكثير. الموانئ أصبحت أوراقاً سياسية، والقواعد العسكرية امتداداً للسياسة الخارجية، والساحل نفسه جزءاً من ميزان القوى.
ومن بربرة إلى باب المندب، يجري اختبار جديد يتمثل في من يستطيع أن يحول موقعه الجغرافي إلى نفوذ سياسي، ومن يستطيع أن يمنع خصومه من فعل الشيء ذاته



