شنغهاي… هندسة العالم المتعدد – سعيد عيسى

د. سعيد عيسى
لم تعد منظمة شنغهاي للتعاون مجرد تجمع أمني آسيوي نشأ سنة 2001 لحماية الحدود ومواجهة الإرهاب والتطرف. فبعد خمسة وعشرين عاماً، أصبحت إحدى المنصات التي يمكن من خلالها قراءة التحول الجاري في النظام الدولي، من صعود آسيا إلى اتساع هوامش استقلال دول الجنوب العالمي، وتراجع قدرة قوة واحدة على التحكم منفردة بقواعد الأمن والاقتصاد والتجارة.
تضم المنظمة اليوم عشر دول، بينها الصين وروسيا والهند وإيران وباكستان ودول آسيا الوسطى وبلاروسيا. كما تضم شبكة واسعة من الدول الشريكة، بينها السعودية وقطر والإمارات ومصر وتركيا. وفي خطوة تعكس توسعها من منظمة إقليمية إلى منصة ذات امتداد دولي، اتجهت المنظمة في قمة تيانجين سنة 2025 إلى إعادة تنظيم هذه الشبكة عبر إنشاء صيغة سمتها “شريك في شنغهاي”، بدلاً من نظام المراقبين وشركاء الحوار. وتكمن أهمية شنغهاي ليس فقط في عدد أعضائها، إنما في الجغرافيا التي تجمعها.
شبكة لا محور
من الأخطاء الشائعة في السياسات الدولية تقديم شنغهاي باعتبارها “الناتو الشرقي” أو تحالفاً صينياً روسياً في مواجهة الولايات المتحدة. لكن واقعها أكثر تعقيداً، فهي تجمع بين الصين والهند، وهما تتنافسان على بسط النفوذ في آسيا، وتضم روسيا والهند في الوقت الذي تعمّق فيه الأخيرة شراكاتها مع واشنطن، كما تضم إيران إلى جانب دول ترتبط أمنياً واقتصادياً بالغرب.
لذلك لا تقوم شنغهاي على وحدة استراتيجية كاملة، بل على إدارة الاختلاف ضمن إطار واحد. وهنا تكمن أهميتها، فالنظام الدولي الجديد لا يتشكل حكماً عبر أحلاف جامدة، وإنما عبر شبكات متداخلة. فتستطيع الهند أن تتعاون مع الولايات المتحدة في “كواد”، وهي في الوقت نفسه تتعاون مع الصين وروسيا وإيران داخل شنغهاي. وبإمكان السعودية وقطر والإمارات الحفاظ على شراكاتها الأمنية، بينما توسع علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا. إنها سياسة لا تقوم على اختيار معسكر واحد، بل على تعدد الشراكات.
الممرات هي القوة
تتضح أهمية شنغهاي أكثر عندما تخرج من الجغرافيا السياسية التقليدية إلى جغرافيا الممرات. فالصين لا تحتاج إلى تحويل المنظمة إلى تحالف عسكري حتى تستفيد منها. ما تحتاجه هو فضاء آسيوي مستقر، تتقاطع فيه التجارة والطاقة والنقل والاستثمار.
ولهذا تعمل المنظمة على تطوير التعاون في المجالات المذكورة، كما أن لديها آليات متخصصة لتوسيع استخدام العملات الوطنية في التسويات التجارية. وهنا تلتقي شنغهاي مع مبادرة الحزام والطريق والممر الأوسط والممرات التي تربط الصين بآسيا الوسطى وبحر قزوين والقوقاز وأوروبا.
كما يلتقي هذا المسار مع طريق التنمية العراقي الساعي إلى ربط الخليج بموانئ العراق ثم بتركيا وأوروبا. فالمنافسة الدولية لم تعد فقط على من يملك الموانئ أو حقول النفط، بل على من يملك القدرة على ربطها بالأسواق.
ولهذا أصبحت الممرات الاقتصادية جزءاً من القوة الجيوسياسية نفسها. فمن يسيطر على مسارات البضائع والطاقة والبيانات والمدفوعات يمتلك قدرة متزايدة على التأثير في السياسة الدولية.
الخليج بين عالمين
السعودية وقطر والإمارات ومصر وتركيا ليست أعضاء كاملي العضوية في منظمة شنغهاي، لكنهم موجودون في شبكتها الخارجية. وفي الوقت عينه، أضحت السعودية والإمارات ومصر وإيران أعضاء في “بريكس”، إلى جانب الصين وروسيا والهند. وتصف بريكس نفسها بأنها منصة للتنسيق السياسي والديبلوماسي لدول الجنوب العالمي، مع هدف معلن يتمثل في زيادة تأثير هذه الدول في الحوكمة الدولية.
وهذا التقاطع بين شنغهاي وبريكس مهم للغاية. فإذا كانت شنغهاي تميل إلى بناء شبكة أمنية واقتصادية آسيوية، فإن بريكس توفر إطاراً أوسع للتنسيق الاقتصادي والسياسي بين قوى الجنوب العالمي. وبينهما تتحرك مشاريع الممرات والطاقة والتمويل والتجارة من خلال العملات المحلية.
وبذلك لا يجري بناء نظام شرقي بديل للنظام الغربي بالمعنى التقليدي، وإنما تتشكل تدريجياً بنية موازية تقلل الاعتماد على مركز واحد. وهذا ما يفسر أيضاً التحول الخليجي. فدول الخليج لا تستبدل واشنطن ببكين، ولا موسكو بواشنطن، وإنما تحاول أن تجعل علاقاتها الخارجية متعددة بما يكفي كي تخرج من عباءة القوة الواحدة.
الصين لا تقود وحدها
مستقبل شنغهاي لن تحدده الصين وحدها. فالهند تريد منع تحول آسيا إلى مجال نفوذ صيني، وروسيا تريد الحفاظ على حضورها في آسيا الوسطى، وإيران تبحث عن عمق اقتصادي وسياسي في مواجهة الضغوط الغربية المتواصلة عليها، بينما تحاول دول آسيا الوسطى الإفادة من المنافسة بين القوى الكبرى دون الارتهان لأي منها.
هذه التناقضات هي نقطة ضعف المنظمة، لكنها في الوقت نفسه قد تكون مصدر قوتها.
فشنغهاي لا تحتاج إلى التحول إلى اتحاد سياسي كي تكون مؤثرة. يكفيها أن تصبح مكاناً تتقاطع فيه مصالح قوى متنافسة، وأن تساعد على بناء قواعد تعاون في التجارة والنقل والطاقة والأمن والتبادل. وهذا ما يجعلها مختلفة عن الأحلاف التقليدية.
اختبار النظام
السؤال الذي يطرح نفسه ليس ما إذا كانت شنغهاي ستستبدل الولايات المتحدة، بل كيف يتغير شكل القوة عالمياً؟ الاتجاه لا يشير إلى بديل واحد، بل إلى توزيع النفوذ بين مراكز متعددة: الصين في الصناعة، والولايات المتحدة في التكنولوجيا والتمويل، والهند في النمو الديموغرافي، وروسيا في الطاقة، والخليج في رأس المال والموقع.
تمنح منظمة شنغهاي هذا التعدد إطاراً مؤسساتياً دون إلغاء للنظام القائم، بل تعيد توزيع الحركة داخله. وهكذا يتراجع منطق المركز الواحد لصالح شبكة تتقاطع فيها الصين وروسيا والهند وإيران، وتتصل بدول الخليج ومصر وتركيا، وتتداخل مع بريكس والحزام والطريق والممرات الإقليمية.
المنافسة القادمة لن تقتصر على الجغرافيا، بل ستمتد إلى الممرات والأسواق والطاقة والعملات وسلاسل الإمداد. وفي هذا السياق، تبدو شنغهاي مختبراً لنظام دولي أكثر تعددية



