خبر عاجلسياسةمقالات

سنة على سقوط الكذبة… سوريا التي حكمها الوهم..!  – اسامة القادري

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

سنة على سقوط الكذبة… سوريا التي حكمها الوهم..! 

أسامة القادري – مناشير

قبل عامٍ تماماً، قرّر العالم ـ أو لعلّ شقّه المتحكّم ـ أن يرفع يده عن السوريين، وأن يضع حدّاً لخمسة عقود من الاستبداد الذي حوّل البلاد إلى ثكنة خوفٍ وأقبيةٍ أمنية. في لحظاتٍ خاطفة تبدّل المشهد، وبدأت المحافظات السورية تتساقط تباعاً بيد الثوار، قبل أن يستوعب السوريون أنفسهم حجم الانقلاب التاريخي الذي حدث. وما هي إلا ايام حتى أُعلنت هزيمة الطاغية، وصعود “هيئة تحرير الشام”، ثم لاحقاً تسميتها بـ”الأمن العام”، وكأن شيئاً لم يكن، ثم اعلن في اليوم التالي تنصيب احمد الشرع (ابو محمد الجولاني) رئيساً لسوريا، ليطلق عليه لقب ” الفاتح”.

كان المجتمع الدولي راضياً طيلة عقود عن أداء الأسد الأب والابن في قتل السوريين وتجويعهم وتشريدهم، قبل أن تقرّر الدولة العميقة في لحظة ما التخلي عن أداتها… وإسقاطها. فالفيديوهات المسرّبة التي ظهرت لبشار الأسد ومستشارته لونا الشبل لم تكن “فضيحة إعلامية”، ولا مادة ترفيهية على منصّات التواصل. كانت وثيقة إدانة تاريخية، محكمةً علنية نطق فيها الشريط بالحكم النهائي على رجل حكم سوريا ربع قرن بلا شرعية، ولا كفاءة، ولا شخصية سياسية تصلح لإدارة بلدية… فكيف بدولة بحجم سوريا؟

ظهر الأسد كما عرفه السوريون تماماً:
سلطة مصنوعة في دهاليز الأجهزة، ورئيس مفبرك لا يحمل من مؤهلات الحكم سوى ما لُقّن له وما كُتب له.

ظهور المقاطع ـ المصوّرة عام 2018 ـ بالتزامن مع مرور عام على سقوط النظام، بدا أشبه بتوقيتٍ قدريّ يفضح المستور:
كيف يمكن لبلدٍ يحمل إرثاً حضارياً يمتد لآلاف السنين أن يُقاد بهذا المستوى من التفاهة السياسية؟
كيف تُختزل دولة كاملة في عقلٍ مرتبك، مضطرب، عاجز عن إكمال جملة؟

ظهر الأسد كما عرفه السوريون تماماً:
سلطة مصنوعة في دهاليز الأجهزة، ورئيس مفبرك لا يحمل من مؤهلات الحكم سوى ما لُقّن له وما كُتب له.

من طالب طب عابر في لندن… إلى “رئيس جمهورية” خلال أشهر قليلة.
فبعد وفاة باسل الأسد، وريث حافظ المدلّل، جاءت عملية التوريث على عجل. لم يكن انتقالاً سياسياً بقدر ما كان عملية تجميل وراثية لدولةٍ حُوِّلت إلى شركة عائلية: رتب تُفصّل على المقاس، مناصب تُوزّع كغنائم، ومؤسسات تُدار كأنها مزارع خاصة.

ثم جاءت لحظة 2011. وهناك سقطت كل الأقنعة.
لم يتصرّف كرئيس يرى شعبه يغلي طلباً للكرامة، بل كـ شخص مذعور، مأزوم نفسياً، مدفوع بثأر داخلي ضد أي صوت يهدّد الصورة المصنوعة له. لم يسمع هتاف المدن، بل ارتعاش الكرسي. لم يرَ شعباً، بل رأى خطراً شخصياً.

ومن هنا اندلعت الكارثة الكبرى:
سوريا تحوّلت إلى ساحة حرب… لا دولة.
مئات آلاف الشهداء والجرحى، عشرات آلاف المعتقلين، وتشريدٌ وصل إلى كل بيتٍ في البلاد.

الفيديوهات المسربة كانت أكبر من مادة فضائحية.
كانت وثيقة تكشف هشاشة الحكم، وفراغ الرأس، وضياع الدولة.
رئيس يسخر من جنوده، يعبّر عن حقده على الغوطة ـ التي قُتل أطفالها بالكيماوي ـ ويسخر حتى من حلفائه: بوتين، حزب الله، ومن جمهوره وصورته… ومن نفسه.

وفي لبنان، لم تمرّ المشاهد مرور الكرام.
فاللبنانيون الذين عاشوا ثلاثة عقود تحت وصاية النظام السوري يعرفون جيداً معنى سقوطه. يعرفون الاغتيالات والسجون، ويعرفون الليل الطويل الذي خيّم على السياسة والإعلام. لذلك كانت فرحتهم فرحة خلاص… لا مجرد متابعة لحدث إقليمي.

لم يكن انهيار النظام مفاجئاً.
كان تحصيلاً بديهياً لحكم قائم على الوراثة والقتل والنهب، وارتهان السيادة لإيران وروسيا وشبكات المرتزقة.

لم يَبْنِ الأسد دولة ديكتاتورية قوية كما فعل الطغاة عبر التاريخ…
بل بنى خراباً، وفوضى مسلّحة، ومساحة مستباحة بلا مؤسسات، بلا قانون، بلا مستقبل.

واليوم، بعد أن تكشّفت المأساة بالصوت والصورة، يبقى السؤال:
كيف يُعاد بناء وطن دمّره رجل لم يمتلك يوماً مؤهلات السياسة، ولا الحد الأدنى من رجاحة العقل؟

هذه ليست نهاية مرحلة.
هذه نهاية كذبة عمرها ربع قرن.
وبداية كتابة سوريا الجديدة: بلا وراثة، بلا أصنام، بلا رئيس يختبئ خلف خطابٍ مرتبك أو فيديو مسرّب.

سوريا الجديدة يجب أن تُكتب بإرادة شعبها وحده… شعبٍ كسر حاجز الخوف وحطم قيود الكلمة، على أمل أن تعود البلاد كما حلم بها أحرارها يوماً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى