خبر عاجلسياسةمقالات

سقوط قلعة الشقيف “شقيف ارنون”.. – خالد العزي

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

سقوط قلعة الشقيف “شقيف ارنون”.. – خالد العزي

 

 

د. خالد العزي

 

في طفولتنا، كانت قلعة الشقيف أكثر من مجرد موقع أثري أو عسكري، كانت رمزًا ومنظرًا طبيعيًا يرافق تفاصيل حياتنا اليومية. كانت القلعة بالنسبة لنا بمثابة “ميزان الحرارة الشتوي”، فعندما كانت تغطيها الغيوم والضباب الكثيف المعروف محليًا باسم “الغطغطية”، والذي يحجب الشمس بسبب ارتفاع القلعة الشاهق، كنا نعرف أن الليل أو النهار سيكون قاسي البرودة. لذلك، كنا نرتدي ثيابًا أكثر دفئًا ونأخذ احتياطاتنا قبل الذهاب إلى المدرسة، وقتها لم يكن لدينا ميزان حرارة لمعرفة أحوال الطقس كما هو الحال اليوم.

 

وكانت “الغطغطية”، على القلعة أيضًا تشكل إشارة مهمة للمزارعين للاهتمام بالأرض والمواشي، إذ ارتبطت بحياة الناس اليومية وطقوسهم الزراعية. وكان الأهالي يرددون مثلًا شعبيًا يقول: “القلعة لبست فروتها ولحقت ربعها”، في إشارة إلى الغيوم التي تغطي القلعة إيذانًا بقسوة الطقس.

 

وفي الصيف، كانت “الغطغطية” التي تلف القلعة وتحجب الرؤية تدل بالنسبة لنا على أن النهار سيكون شديد الحرارة، وأن يومًا قاسيًا من الشوب وارتفاع درجات الحرارة ينتظرنا منذ ساعات الصباح الأولى.

 

وفي ظلّ الحرب في الجنوب عام 1975، تحوّلت القلعة إلى خطّ مواجهة بين قوات منظمة التحرير الفلسطينية وأحزاب الحركة الوطنية وجيش لبنان العربي، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراع اتّسمت بالقصف المتواصل والاشتباكات وحملات التهجير التي طالت القرى المحيطة. واستمرّ هذا الواقع حتى عام 1982، حين بدأ الاحتلال مرحلة جديدة هدفت إلى تغيير معالم الخريطة السياسية والعسكرية في المنطقة.

 

أما اليوم، فقد سقطت قلعة الشقيف مجددًا، ورفع الجنود الإسرائيليون العلم الإسرائيلي فوق القلعة، فيما سيطر لواء الغولاني على الموقع بعد عدة أيام من القصف المبرح الذي طال القلعة وبلدة أرنون. ومع سقوط القلعة، سقط جزء من الصورة الراسخة في وجدان الناس، تلك التي حملتها القلعة منذ أيام صلاح الدين في حروبه ضد الصليبيين، لما تمثله من قيمة معنوية وتاريخية كبيرة.

 

لكن السؤال بقي حاضرًا: هل ينهض الفصيل الفلسطيني من بين خنادق الدم التي ارتسمت داخل القلعة ليعاتب الشبان الجدد الذين تركوا القلعة للعدو؟

 

في عام 1982، دخلت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان ضمن عملية “سلامة الجليل”، التي وصلت إلى بيروت في السادس من حزيران من العام نفسه. إلا أن قلعة الشقيف بقيت صامدة بوجود فصيل فلسطيني واصل القتال حتى اللحظات الأخيرة، حيث قُتل جميع المقاتلين في الخنادق داخل منطقة أرنون، فيما بقي أهالي البلدة شهودًا على تلك الملاحم.

 

وقد سيطرت قوات فتح، وتحديدًا الكتيبة الطلابية، على مجريات المعارك داخل القلعة لمدة 17 يومًا. وبعد انتهاء المعركة، ذهب الأهالي لدفن الجثث التي كانت الكلاب قد بدأت تنهشها بسبب شدة المعارك وطول فترة القتال.

 

ويروي الوزير الإسرائيلي السابق وقائد لواء الغولاني، كابي أشكنازي، الذي دخل إلى قلعة أرنون بعد السيطرة عليها، أن القوات الإسرائيلية خسرت الكثير من الجنود قبل الوصول إلى القلعة، وأن عدة كتائب إسرائيلية شاركت في الهجوم الدموي عليها.

 

كما يشير أشكنازي في أحد الأفلام الوثائقية إلى أن مناحيم بيغن وأرييل شارون حضرا لتسلّم القلعة بعد سقوطها، ويقول إنه أدى التحية لوزير الدفاع ورئيس الوزراء، قبل أن يسأله بيغن عن أحوال الجنود وكيف تمت السيطرة على القلعة، وما إذا كان المقاتلون قد استسلموا. فأجابه أشكنازي بأن أحدًا من المقاتلين لم يستسلم، وأنهم قُتلوا جميعًا بعد نفاد ذخيرتهم.

 

والجدير بالذكر أن دخول الجيش الإسرائيلي إلى قلعة الشقيف جرى عبر الطريق نفسه الذي استُخدم في عام 1982، من جهة زوطر الشرقية، والمعروف بما يُسمى “ركبة الليطاني”، وهي المنطقة التي مهّدت الطريق عبر قطع التواصل مع القرى التي تُعتبر خط الدفاع الأول لمجرى الليطاني من الجهة الشرقية الشمالية.

 

واليوم، في عام 2026، يتكرر السيناريو ذاته بتاريخ 30 مايو، عبر الطريق نفسه وبالهدف نفسه، وهو السيطرة على القلعة التي تمتلك أهمية أمنية وعسكرية كبيرة في فرض الشروط الأمنية على المنطقة، تحت عنوان حماية الشمال الإسرائيلي من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

 

وفي الوقت نفسه، خسر المقاتلون مناطق استراتيجية واسعة كانت تتحكم بمناطق شمال الليطاني وجنوبه، بينما يعمل الجانب الإسرائيلي على تنفيذ خططه الخاصة القائمة على الضغط على الحكومة اللبنانية، وبالتالي إجبارها على السير بالشروط الإسرائيلية.

 

وفي هذا السياق، تبدو قلعة الشقيف نقطة الارتكاز الفعلية للإطباق على منطقة جنوب الزهراني، نظرًا لموقعها الجغرافي والعسكري الحساس، الذي يمنح من يسيطر عليها قدرة واسعة على مراقبة التحركات والتحكم بالممرات الحيوية في جنوب لبنان.

 

بالوصول إلى القلعة التي عشنا في ظلّها أفراحنا، وجدنا الزجاج يتكسّر أمام الدمار والتجريف الممنهج، الذي لا يستهدف الحجر فقط، بل يحاول جرف الذاكرة والأحلام أيضًا، حيث يمتزج جرف الحجر بالبشر ويترك أثرًا عميقًا في وجدان الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى