رسالة الى الرئيس الحريري

أسامة القادري
السيد الرئيس سعد الحريري المحترم
بعد التحية والسلام…
صحيح لا أعرفك جيداً عن قرب، ولست من “المطاحشين” لأخذ صورة تذكارية، ولكنني بحكم عملي كصحفي ميداني واكبت زياراتك إلى المناطق اللبنانية وتحديداً البقاعية، تأكد لي مدى حبك للناس ومدى حب الشارع إليك، كنجم تحول إلى “زعيم” وأمل لهم في غدٍ مشرق.
ولأنني صحفي حر ملتزم قضايا الناس، ولا أنحاز لأي فريق سياسي من داخل هذه السلطة، ولا لأي حليف من حلفائها، ولكن عملي الميداني يحتم عليّ قول كلمة شعب وجمهور ألتمسُ منه تعلقه في الأمل وحب الحياة الكريمة..
أكتب رسالتي مقالاً بلسان الشارع، عايشت واقع التيار في أكثر من مكان وفي الكثير من المحطات، وكنت ملجأ الكثيرين من المنتقدين لتصرف القيادة المناطقية لهم، وكانت سبباً أساسياً لفك ارتباط المئات بالتيار، وربما لأنني لم أكن أساير طرفاً، كانت مقالاتي ثقيلة على البعض.
السيد الرئيس لن أدخل بالتفاصيل حيث تسكن هلوسات البعض، ولأن تيار المستقبل هو جزء أساسي من مكونات هذا النظام السياسي، إن ما أقدمت حضرتك عليه أشبه بإنقلاب على الفاسدين داخل جسم التيار، يعبر عنه الشارع المستقبلي بكل فرح وإندفاع ويفتح باب العودة للعشرات، الذين أخرجهم التعاطي السلبي و”الدكاكيني” سابقاً وحالياً، ففي علم السياسة يُعتبر انقلاباً لإعادة الثقة الجماهيرية على إختلاف الأراء، لكنه منهاج جديد في واقع السياسة اللبنانية وأحزابها وتياراتها، وهذا الإجراء إذا أستكمل بنهج تفكيري واضح وسلوك وازن محدد الثوابت و الأهداف الوطنية، يسمى وعي سياسي وإنقلاباً على الحياة السياسية القائمة على “زغل” وتحريف معنى التفكير السياسي الذي هو في الأساس وعياً راقياً لتقدم المجتمعات وحداثتها.
السيد الرئيس هذه الظاهرة تسجل إيجاباً في سلوكيات الأحزاب إن خرجت من منظومتها الطائفية، لأنها تنطلق من مفهوم النقد الذاتي ووعي المشكلة والإعتراف بها دون مواربة ودون مبررات شخصية، فإن لم تنسحب هذه الممارسة الجريئة والإنقلابية على الأخطاء إلى العمل السياسي التنفيذي في السلطة تكون تراوح في مكانها.
لأن يا دولة الرئيس اللبنانيون بحاجة ماسة إلى إنقلاب فعلي على هذه السلطة التي تحاصص الفساد مذهبياً وطائفياً دون إستثناء أحد وتياركم منها، والإنقلاب لا يمكن أن يكون في المدى المنظور من خارج هذه السلطة المتشعبة الرؤوس والمشارب.
إن المحاسبة التي تجريها في غرف التيار الأزرق، ستسجل عليك مطالباً من الجمهور لمكافحة الفساد ومحاربته في كافة مفاصل الدولة، وتوقيف كل الصفقات التي أبرمت، والا يبقى التيار يراوح في أزمته وكذلك البلد لا يخرج من “الدوامة”، كما التيار كان وضعه على المحك، بسبب ترهل قيادته ومنسقيه سابقا وحالياً، وأدى بخسارته حجمه التمثيلي في البرلمان، وما يحتم عليك خروج ثورتك الى مفاصل الدولة لأن لبناننا الذي نعيش جميعاً تحت سمائه على “كف عفريت الإنهيار”، لا ينتج سوى المزيد من الفساد والتدهور والخسارة في جميع المحافل الدولية.
أما بخصوص واقع التيار بعد هذه الثورة، الحذر.. الحذر من الفراغ لأن الفراغ إن طال وتمدد أكثر يأخذ إلى الشلالية ومترسة المصطادين في اروقته، حينها يذهب التيار ويتضعضع الشارع ليجد صدر التطرف رحباً له، وهنا لا ينفع الندم وتصبح الحياة السياسية رغم رماديتها ظلامية.
لا أخفيك سراً السيد الرئيس أن هناك العشرات يراهنون على التعيينات من موقعهم وعلاقاتهم مع القيادة، لأن يوصلوهم إلى قيادة المنسقيات وتعيينهم أعضاء مكتب سياسي، مستبعدين فكرة الإنتخابات داخل المنسقيات، حتى أن بعضهم إعتمد على نسف أسماء منتمية للتيار منذ زمن بعيد تم شطبهم من قيود القيد وسجلات التيار في الإنتخابات السابقة للمنسقيات، هذا أتى بمنسقيات تحولت الى “شُلل” لم تعرف يوماً مبادرة العمل الحزبي التوعوي والتعبوي، وبذلك استغل البعض وجوده في هذه المكاتب حيث باع ما هو مؤتمن عليه من أسرار إلى الخارج حتى وصلت الى بيع أصوات المستقبليين بالجملة، بسوق المزاد العلني و”على عينك يا تيار”، فلا هيبة ردع لقيادتهم ولا التزام بقرار. إن دل هذا يا سيد الرئيس يدل أن التيار يحتاج بعد عملية التفكيك التي قمت بها إلى إعادة تركيب بهيكلية حزبية قائمة على الكفاءة الحزبية والمتابعة الدائمة والمستمرة والملتزمة سياسياً، وكما تقوم بالمحاسبة يجب أن يكون فيها ثواب لبعض عمل وجد. ولأن ميزان السياسة غائب يصبح الحرام حلال لدى الوصوليين، من الخطأ الحزبي أن يقوم التيار على أكتاف شخص، ومن المعيب جداً على تيار يعتبر من أكبر التيارات والأحزاب السياسية إستنزاف أمينه العام بجولات ترضية لهذا وذاك، إلى أن فقد هيبته الوظيفية الفعلية، لهذا دلالة على ترهل القاعدة وتفكك القيادة، وابتعادهم عن علة وجود التيار بأعمدته.
دولة الرئيس هل سألت نفسك ما حصيلة المقاعد لو خاض التيار معركته منفرداً في جميع الأقضية والمناطق اللبنانية، وهل أحد قال أن ذلك كان ربحاً أكثر للمقاعد، نعم كان التيار حصد مقاعداً أكثر وربما كان عددها 26 نائباً دون تحالف، وأيضاً كان الربح الأهم أن التيار لم يتنازل في السياسة من أجل تحالفات في قانون جيناته “المسخ”، هذا القانون يا دولة الرئيس وجد لتخوض الأحزاب التي تشبه وتمثل بعضها سياسياً، وهنا تسقط فرضية التحالف لأنه بالمفهوم الديمقراطي تحالف الأقوياء إلغاءً للحياة السياسية، لذلك وجد الحاصل للائحة ولذلك فرض التفضيلي، ولذلك تجد خاسر نال أكثر من 10 ألآف صوت، ورابح بصوت واحد، وبهذه السياسة الإنتخابية غير المتوازنة وغير العادلة والتي ما قامت على تنافس برنامجي، وضع التيار نفسه امام تحالفات من يختلف معهم بالسياسة هو بغنى عنها سبب لهم فوز على حسابه الجماهيري، إذاً هنا تفقد روح المنافسة السياسية، ويتسلل الإحباط الى الشارع وتتدنى نسبة الإقتراع وهذا ما حصل في غالبية الدوائرة المحسوبة عليه.
الكيدية يا دولة الرئيس لا يمكن أن تنتج عملاً سياسياً نهضوياً، من “المستقبليين”، هل تعلم أن تقيّم التحالفات وكيفية توزيع الأصوات ترجمت بكيدية وحقد لضرب مرشحي تيارهم لإظهار ضعف المرشحين وذلك لغاية في نفس يعقوب، هكذا حصل في البقاع الأوسط والبقاع الغربي، لغايات شخصية ثبت بالعين المجردة بالأرقام وبالنتائج أن التيار خسارته بثلاث، واحدة بعدد الأصوات التي نالها مجمتعة، فكان منهزماً أمام أخصامه وأخرى الخسارة الكبرى خسارته المعركة السياسية التي قام عليها، أما الثالثة والتي هي الأهم حزبياً فقدانه الإلتزام الحزبي وهيبة قرار القيادة. وفي كل هذه الحالات يخرج عن الإطار السياسي لأن السياسة ليست سلطة قائمة على السيطرة البشرية، انما هي علم كيفية الربط بين المجتمع وضرورة تطويره وبين السلطة القائمة، هذا ما كان غائباً كلياً عند المنسقين سابقين وحاليين الذين كانت كل همومهم كيف يغطون الواقع البنيوي للتيار الذاهب إلى التفكك أصلاً بورق التوت، كما هو حال البقاع وطرابلس وبيروت وغيرها، وما آلت إليه النتائج دون المبادرة إلى وضع حلول وخطط عملانية بعيداً عن “المال” من شأنها إعادة الإرتباط بالشارع وخلق أفكار مشاريع تساهم في إعادة التيار إلى حياته تنافساً أخلاقياً وديمقراطياً مع الأخصام.
السيد الرئيس كما كنت مبادراً إلى تفكيك هيكلية التيار التنظيمية، يناديك الشارع المحسوب على الحريرية السياسية التحلي بالصبر وإلى حين إجراء الانتخابات الداخلية أن تكون التعيينات مؤقتة لفترة لا تتجاوز العام تحضيراً لمؤتمر يستأهل إعادة الهيكلة.
مع فائق الإحترام والتقدير



