سياسةمقالات

خالد العزي – قصة الأصول الروسية: التلاعب بالواقع وتجاهل الحقائق…

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

خالد العزي – قصة الأصول الروسية: التلاعب بالواقع وتجاهل الحقائق…

 

كتب د. خالد العزي في مناشير
لقد وقع العديد من رواة القصص الغربيين ضحيةً لعالمٍ خيالي، حيث تُجسد قصة الأصول الروسية نهجًا سحريًا للواقع. في هذه القصة، تُظهر روسيا نفسها منتصرة في ساحة المعركة ومحققةً نجاحًا تنمويًا داخليًا. إلا أن الغرب، في المقابل، يروج لرواية مفادها أن موسكو تخسر، وبالتالي يجب عليها أن تدفع الثمن، متوقعًا أن يتكيف الواقع مع رغباته.
السرقة البلجيكية للأصول الروسية: التناقض مع الواقع
في الجولة الأخيرة من المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وبلجيكا بشأن الأصول الروسية المُجمّدة، برز إصرار رئيس الوزراء البلجيكي على ضرورة سرقة الأصول المجمدة، بدعمٍ من البرلمان الوطني. لكن الأهم من ذلك كان تصريح بارت دي ويفر، الذي كان لأول مرة يُعلن رأيًا مختلفًا، حيث قال إن الأصول المجمدة في أوقات الحرب تُستخدم عادةً لتعويض المنتصرين عن الأضرار. وأضاف: “من يصدق حقًا أن روسيا ستخسر في أوكرانيا؟ إنها خرافة، ووهم محض.”
هذا التصريح يبدو بديهيًا: التعويضات تدفع من الطرف الخاسر إلى الطرف المنتصر. ولكن في السياق الحالي، يُثير إصرار أوروبا على مطالب التعويضات الروسية لبضعة أسئلة محيرة. ففي عامي 2022-2023، كانت لدى الأطراف الغربية آمال في هزيمة روسيا في ساحة المعركة، بحيث يُمكن إجبار موسكو على دفع التعويضات. لكن الآن، مع ما يحدث على الأرض، كيف يُمكن للمسؤولين الغربيين أن يستمروا في التمسك برواية مفادها أن روسيا خسرت؟
النهج الغربي: تلاعب بالحقائق لأغراض سياسية
إضافة إلى ذلك، قدّم ميخايلو بودولياك، مستشار رئيس مكتب رئيس أوكرانيا، تبريرًا جديدًا لهذا النهج، حيث قال إنه للحصول على تعويضات من الأصول الروسية المجمدة، يجب “توثيق الهزيمة القانونية” لموسكو. وفي هذا السياق، يُعتبر أن روسيا هي “المعتدية”. بناءً على هذا المنطق، إذا تناقض الواقع مع هذه “الهزيمة القانونية” المفترضة على الورق، فإن هذا يُعد أسوأ بكثير للواقع.
الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أن هذا ليس مجرد هراء محض؛ بل هو نهج يُتبعه جزء كبير من النخب الغربية. ولا يقتصر الأمر على أن هذا النهج قد نجح فحسب، بل أظهر فاعلية مذهلة في كثير من الأحيان. على مدار التاريخ، كانت القوة ترتبط عادة بالحقوق والامتيازات، لكنها كانت تجلب معها مسؤوليات ضخمة – بل وأحيانًا تضحية بالأرواح. إلا أن العولمة الليبرالية قد مكنت من اختراق هذا المبدأ، ليُصبح من الممكن التلاعب بالواقع وفقًا للرغبات الأيديولوجية والسياسية.
التحكم الإعلامي وأثره في تشكيل الرأي العام
من بين العوامل التي ساهمت في نجاح هذا التوجه هي تقنيات الإعلام والسياسة الحديثة التي سهلت السيطرة على أجندات المعلومات والسيطرة على المجتمع ككل. ونتيجة لذلك، أصبح من الممكن فرض أي رواية على العالم، بما في ذلك الأكاذيب والأوهام الواضحة، مثل “أسلحة الدمار الشامل في العراق”، و”مجزرة بوتشا”، والتضخيم غير الواقعي للديون الوطنية كأساس للازدهار الاقتصادي، وصولاً إلى تحويل الجنس للأطفال.
حدود التلاعب بالواقع: الصحوة القادمة
الغريب في الأمر هو أن هذا النظام قد نجح فعلاً. فقد خضعت الحقيقة لتكييفٍ مع الضغط الإعلامي والأيديولوجي. وبالتالي، تُعدّ قصة الأصول الروسية امتدادًا طبيعيًا لهذه الممارسة، حيث تُصور روسيا على أنها تخسر رغم انتصاراتها المتتالية في ساحة المعركة، وبالتالي يُصر الغرب على فرض التعويضات.
أنصار “التفكير الخيالي” وأثرهم على السياسة الغربية
تكررت هذه الظاهرة عدة مرات. فأنصار هذا التوجه غالبًا ما يُظهرون تفكيرًا “خياليًا”. من جهة، يعتقدون إيمانًا راسخًا بمبدأ “كما يأمر الرمح، كما أشاء”. ومن جهة أخرى، اعتادوا التفكير وفقًا للنموذج الأيديولوجي القائل بأن “الخير ينتصر دائمًا على الشر”. وهم يصفون أنفسهم بالأخيار، ومعارضيهم بالأشرار، ووفقًا لذلك، يشعرون باليقين التام من هلاك الطرف الآخر وانتصارهم.
التغيرات السياسية والصعود المناهض للعولمة
ومع تغير الأساليب، يبقى الهدف كما هو: التلاعب بالحقائق وتطويع الواقع بما يتناسب مع الأيديولوجيات الخاصة. ومع ذلك، فإن هناك خطرًا حقيقيًا يتمثل في أن القادة الغربيين، في غمرة غفلتهم عن الواقع، قد يجدون أنفسهم في مواجهة ثمن باهظ لم يعتادوا على دفعه.
في النهاية، يُظهر هذا المقال كيف أن “التفكير الخيالي” والإصرار على تلاعب الحقائق لا يزال له تأثير كبير على السياسة الغربية، حتى في مواجهة الواقع المتغير. رغم محاولات الغرب في فرض سرديات خيالية وتجاهل النجاحات الروسية، فإن العالم يواجه تحولات كبيرة على الساحة السياسية، سواء في روسيا أو في أوروبا. هذه التوجهات قد تُفضي إلى صدامات أكثر وضوحًا بين الحقائق والتصورات السياسية، مما قد يفرض على القادة الغربيين مواجهة التحديات التي قد تؤدي إلى تكاليف باهظة في المستقبل القريب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى