حين يصبح الناس خارج السياسة: الجنوب بين العدوان والنزوح وأزمة الدولة – زكــي طــه

كتب زكــي طــه في بيروت الحرية
كان يوم أمس واحداً من الأيام التي تختصر مأساة لبنان كلها في مشهد واحد: غارات إسرائيلية، شهداء وجرحى بينهم أطفال ونساء، قرى تتعرض للقصف، وطرق تمتلئ مجدداً بالنازحين الباحثين عن مكان يقيهم الموت.
لم يكن المشهد جديداً. وهذا تحديداً ما يجعله أكثر إيلاماً. فالناس الذين حملوا ما تيسر لهم وغادروا منازلهم لا يعرفون إن كان نزوحهم لساعات أو أيام أو أشهراً، ولا إلى أين سيذهبون، ولا من سيتولى رعايتهم. بعضهم سبق أن خسر منزله أو عمله، وبعضهم عاش النزوح أكثر من مرة. والمشهد يعيد إنتاج السؤال نفسه: إلى أين؟
لقد شهد الجنوب في 15 آب تصعيداً إسرائيلياً هو من الأعنف منذ تفاهمات حزيران، سقط خلاله أحد عشر شهيداً وعشرات الجرحى، بينهم نساء وأطفال، بالتزامن مع موجة نزوح جديدة.
لكن الأخطر أن هذا القتل يجري فيما تستمر عمليات التدمير داخل الأراضي المحتلة، ويصبح منع العودة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جزءاً من وقائع تفرضها إسرائيل على الأرض. فالاحتلال لا يكتفي بالسيطرة العسكرية، بل يعمل على إنتاج جغرافيا أمنية جديدة، فيما تظهر الوقائع الميدانية حجماً واسعاً من تدمير المنازل والبنى التحتية والأراضي الزراعية، بما يهدد قابلية مناطق بكاملها للحياة والعودة إليها.
وهنا تخرج قضية الجنوب من كونها مجرد ملف عسكري لتصبح قضية وطنية واجتماعية وإنسانية في آن واحد.
احتلال يريد الأرض وسلاح يتحصن بوظيفته
لا يحتاج لبنان إلى كثير من الأدلة لمعرفة طبيعة المشروع الإسرائيلي. إسرائيل دولة احتلال، ومشروعها يقوم على القوة وفرض الوقائع، وهي تعلن أن انسحابها مرتبط بشروطها الأمنية، فيما يؤكد مسؤولوها استعدادهم للبقاء طويلاً في الأراضي اللبنانية التي يحتلونها.
ومعرفة طبيعة العدو لا تعفي اللبنانيين من مساءلة سياساتهم. ففي مواجهة الاحتلال، يستمر حزب الله في التمسك بسلاح تجاوز منذ زمن وظيفة المقاومة الوطنية إلى الارتباط باستراتيجية إيران وصراعاتها ومفاوضاتها الإقليمية. وفي المقابل، يراهن جناح آخر من السلطة على الولايات المتحدة لكي تضغط على إسرائيل وتنتزع منها ما لم يستطع لبنان انتزاعه بقواه الذاتية.
وهكذا يصبح البلد عالقاً بين رهانين لا يملك قرارهما. فالولايات المتحدة تتحرك انطلاقاً من مصالحها وتحالفها مع إسرائيل، وإيران تتحرك انطلاقاً من مصالح دولتها وموقعها في مفاوضاتها مع واشنطن. أما اللبنانيون، الذين يفترض أن يكونوا أصحاب القضية، فتحولوا إلى من يتلقى نتائج سياسات الآخرين.
والأكثر خطورة أن الاحتلال والسلاح باتا يتغذيان أحدهما من الآخر: إسرائيل تستخدم وجود السلاح لتبرير استمرار الاحتلال والعدوان، فيما يستخدم استمرار الاحتلال لتبرير الاحتفاظ بالسلاح ووظيفته الإقليمية. والخاسر في الحالتين هو لبنان.
حرب أخرى في الداخل
وسط ذلك كله، يبدو المشهد الداخلي وكأن البلد لا يعيش حرباً واحتلالاً ونزوحاً.
التحريض الطائفي يتصاعد. الاتهامات والشتائم والتخوين تتبادلها الضفاف المختلفة. بعضهم يتعامل مع أبناء الجنوب باعتبارهم مسؤولين جماعياً عما جرى، وبعضهم الآخر يريد تحويل معاناتهم إلى وسيلة لإعادة شدهم إلى العصبية الطائفية وإلى خيارات سياسية دفعوا هم أنفسهم أثمانها الباهظة.
وهكذا نقترب من حرب أهلية باردة، تتقدم فيها لغة الجماعات على لغة الوطن، فيما إعلام أحزاب الطوائف، بدلاً من أن يكون مساحة للدفاع عن المجتمع في مواجهة العدوان، يتحول في كثير من الأحيان إلى أداة للتحريض بين اللبنانيين.
وهنا ينبغي أن يكون الموقف قاطعاً: الجنوبيون ليسوا حزب الله. والنازحون ليسوا مسؤولين عن قرارات الحرب والسلم. بينهم مؤيدون للحزب ومعارضون له، وبينهم من لا يعنيه السجال السياسي أصلاً. لكنهم جميعاً مواطنون لبنانيون لهم الحق في الأمن والسكن والعمل والتعليم والعلاج والعودة إلى أرضهم.
تحميلهم المسؤولية الجماعية عما جرى ليس موقفاً سياسياً، بل عقاب جماعي آخر يضاف إلى ما يمارسه الاحتلال. وفي المقابل، لا يجوز استخدام تضحياتهم لمنع السؤال عن السياسات التي ساهمت في تحويل مناطقهم إلى ساحات صراع إقليمي، أو لمنع النقاش حول ضرورة استعادة الدولة لقرار الحرب والسلم.
فالعدالة للناس تقتضي الدفاع عنهم، كما تقتضي احترام حقهم في مساءلة كل من ساهم في مأساتهم.
أين الدولة؟
هنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: أين الدولة اللبنانية من مواطنيها؟ ليس المطلوب بيانات إدانة جديدة. فالبيانات لا تؤمن منزلاً لعائلة شردها العدو، ولا مقعداً مدرسياً لطفل نازح، ولا دواء لمريض، ولا دخلاً لعائلة فقدت مصدر رزقها.
الدولة مطالبة بخطة وطنية طارئة، لا بإدارة يومية للنزوح. خطة تبدأ بإحصاء النازحين وحاجاتهم، وتأمين السكن والإيواء والرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية، وتمتد إلى تعويض أصحاب الأعمال والمزارعين والمتضررين، ووضع تصور متوسط الأجل لحياة عشرات الآلاف من العائلات التي قد لا تستطيع العودة قريباً.
وقبل كل ذلك، عليها أن تتعامل مع حق العودة بوصفه قضية سيادية. فإذا كان تدمير القرى ومنع إعادة إعمارها يؤديان إلى إفراغ الأرض من سكانها، فإن إبقاء أهلها خارجها ليس مسألة إنسانية فقط، بل مسألة تتصل بمصير الأرض نفسها.
ومن هنا تصبح إعادة الإعمار جزءاً من الدفاع عن السيادة، مثلها مثل تحرير الأرض وانتشار الجيش.
الناس ليسوا تفصيلاً وأرقاماً
لقد اعتادت قوى السلطة إدارة الانهيار بدلاً من مواجهته. واليوم يتكرر الأمر مع الحرب والنزوح. الجميع يتحدث عن السلاح والتفاوض وإيران وأميركا وإسرائيل، فيما يكاد يغيب السؤال عن الذين فقدوا بيوتهم وأعمالهم، وعن الأطفال الذين تتعطل دراستهم، وعن العائلات التي تستنزف مدخراتها لتأمين سكن، وعن قرى قد تصبح العودة إليها مستحيلة إذا استمر تدميرها.
وهذا الغياب ليس تفصيلاً. فالسياسة التي لا ترى الناس تتحول إلى صراع على السلطة والنفوذ، والوطنية التي لا تحمي الإنسان تفقد معناها. فالنازح مواطن وصاحب حق وصاحب قضية.
ولهذا تقع مسؤولية خاصة على دعاة المعارضة والقوى اليسارية والديمقراطية المستقلة، وعلى النقابات والبلديات والهيئات الاجتماعية والشباب في القرى والمدن، كي تتحول قضية النازحين والمتضررين إلى قضية عامة، وأن تساعد أصحابها على تنظيم صفوفهم وصوغ مطالبهم والتحرك من أجل حقوقهم، بعيداً عن الوصاية الحزبية والطائفية.
لا خلاص لأحد منفرداً
الصورة التي رسمتها طرق الجنوب أمس مؤلمة جداً وأكثر بلاغة من كل السجالات. عائلات مختلفة في السياسة والموقف وربما في الانتماء الطائفي، كانت تسلك الطريق نفسها، هرباً من الخطر نفسه، وتحمل القلق نفسه.
وهذه الحقيقة البسيطة هي ما تضيعه السياسة اللبنانية كل يوم. الخطر لا يميز بين اللبنانيين، ولا خلاص لأي جماعة منفردة. لا الأميركي حريص على لبنان أكثر من مصالحه، ولا الإيراني، وبالتأكيد ليس الإسرائيلي الذي يحتل أرضه ويقتل أبناءه ويدمر قراه.
ولذلك لا يكون البديل بالانتقال من ارتهان إلى آخر، ولا بإسقاط التفاوض والعودة إلى سلاح أثبت عجزه عن حماية الأرض والسكان، ولا بالتعويل على مفاوضات تديرها الولايات المتحدة وفق حساباتها وتحالفاتها.
البديل يبدأ من الداخل: إعادة بناء المجال الوطني المشترك، واستعادة الدولة لدورها، وإنهاء الاحتلال، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بها، وحماية الناس وإعادة النازحين وإعمار قراهم، ورفض تحويل أي جماعة لبنانية إلى عدو لجماعة أخرى. فالشتائم ليست سياسة، والتخوين ليس مقاومة، والتحريض لا يبني وطناً.
وفي بلد يقف أبناؤه اليوم أمام سؤال المصير، تصبح إعادة الاعتبار للإنسان ولمصالح الناس وحقوقهم المدخل الضروري لإعادة الاعتبار للسياسة نفسها، سياسة بوصفها مسؤولية وطنية غايتها حماية المجتمع وإنقاذ البلد، لا إدارة انقساماته حتى الانهيار



