حقيقة زيادة الـ6 رواتب.. من أين ستأتي الأموال؟
حقيقة زيادة الـ6 رواتب.. من أين ستأتي الأموال؟

بولين أبو شقرا
أقرّ مجلس النواب فتح اعتماد إضافي بقيمة 56 ألفاً و500 مليار ليرة في موازنة عام 2026، لتغطية الزيادة الممنوحة للعسكريين وموظفي القطاع العام والمتقاعدين، بمفعول رجعي اعتباراً من الأول من آذار. وبذلك، حُسم الجانب القانوني من القرار، فيما بقي السؤال الأهم من دون جواب واضح: كيف ستؤمّن الدولة هذه الأموال، وهل تستطيع الاستمرار في دفعها خلال الأشهر المقبلة؟
قبل البحث في التمويل، لا بد من تصحيح الالتباس المتعلق بحجم الزيادة. فتجمع روابط القطاع العام، العسكريين والمدنيين، أكد أن ما أُقر ليس ستة رواتب إضافية وفق قيمة الراتب الحالي، بل ستة أضعاف من الراتب الأساسي المحتسب قبل انهيار سعر صرف الليرة.
وبحسب المعلومات، فإن القرار لا يعني ضرب ما يتقاضاه الموظف حالياً بستة، بل إضافة ستة أجزاء محسوبة على أساس الراتب القديم. فالراتب الذي كان يعادل 60 جزءاً قبل الأزمة، لم يبقَ من قيمته الفعلية بعد الانهيار سوى جزء واحد، ثم رفعته التعويضات والزيادات السابقة إلى نحو 13 جزءاً. ومع الزيادة الجديدة، يصبح مجموع ما يتقاضاه الموظف أو المتقاعد نحو 19 جزءاً من أصل 60.
وبذلك، توازي الزيادة الجديدة وحدها نحو 10 في المئة من قيمة الراتب قبل عام 2019، فيما يبقى إجمالي ما يحصل عليه الموظف، بعد احتساب الزيادات السابقة والجديدة، دون ثلث القيمة التي كان يتقاضاها قبل الانهيار. لذلك، فإن عبارة “ستة رواتب” المتداولة لا تعكس القيمة الفعلية للزيادة، ولا تعني أن رواتب موظفي القطاع العام ارتفعت ست مرات.
لكن تصحيح المصطلح لا يلغي المشكلة المالية. ففتح الاعتماد يسمح لوزارة المال قانوناً بالصرف، لكنه لا يشكل بحد ذاته مورداً جديداً للخزينة. بمعنى آخر، أقرّ المجلس النفقات المطلوبة، فيما يبقى على الحكومة تأمين الإيرادات التي ستغطيها.
وكان وزير المال ياسين جابر قد أوضح أن الرسم الإضافي المفروض على البنزين يشكل المصدر الوحيد المقرّ حالياً لتمويل الزيادة، مع تأكيده أن عائداته لا تكفي لتغطية كامل الكلفة. أما زيادة الضريبة على القيمة المضافة من 11 إلى 12 في المئة، التي كانت جزءاً من خطة التمويل الحكومية، فلم تُقرّ.
وفي هذا السياق، تؤكد مصادر متابعة لـ”لبنان24″ أن الأموال التي كانت قد رُصدت خلال المرحلة السابقة، ولا سيما بعد فرض الرسم على البنزين، صُرفت لتغطية التزامات ونفقات مترتبة على الخزينة، ولم تعد موجودة كرصيد جاهز يمكن استخدامه لتمويل الزيادة الجديدة.
وتشير المصادر إلى أن إقرار الاعتماد لا يعني أن كامل المبلغ أصبح متوافراً نقداً، بل إن وزارة المال ستضطر إلى تأمينه تدريجياً من الإيرادات التي تدخل إلى الخزينة. وهذا قد يسمح بدفع المستحقات في المرحلة الأولى، لكنه لا يقدم حتى الآن ضمانة مالية لاستمرار الدفع بالمستوى نفسه من دون تأمين موارد إضافية.
المشكلة لا تتعلق باستحقاق الموظفين للزيادة، بعدما فقدت رواتبهم معظم قدرتها الشرائية، بل بكيفية تحويلها من مساعدة مؤقتة إلى نفقة ثابتة وقابلة للاستمرار. فالزيادة ستضاف شهرياً إلى كلفة الرواتب والتعويضات، ولن تكون دفعة استثنائية تنتهي مع تسديد المستحقات المتراكمة منذ آذار.
وفي أوساط موظفي القطاع العام، يُنظر إلى القرار باعتباره المرحلة الأولى من مسار يفترض أن يستكمل برفع تدريجي للأجور حتى نهاية عام 2026، وصولاً إلى إقرار سلسلة رواتب جديدة خلال عام 2027. إلا أن الانتقال إلى المرحلتين الثانية والثالثة يحتاج إلى خطة تمويل أكبر بكثير من الرسم المفروض على البنزين.
وأمام الحكومة خيارات محدودة: زيادة التحصيل الضريبي والجمركي، مكافحة التهرب، إعادة ترتيب الإنفاق العام، أو فرض ضرائب ورسوم جديدة. أما تمويل الرواتب عبر زيادة العجز أو اللجوء إلى حلول نقدية، فسيعيد الضغط على الليرة والأسعار، وقد يؤدي عملياً إلى خسارة الموظفين جزءاً من الزيادة التي حصلوا عليها.
وهكذا، انتقل ملف رواتب القطاع العام من عقدة الإقرار إلى عقدة التمويل. الموظفون حصلوا على زيادة جزئية لا تعيد إليهم سوى جزء محدود من خسائرهم، فيما حصلت الحكومة على الإجازة القانونية للصرف. أما المال المطلوب للاستمرار، فلا يزال بحاجة إلى جواب واضح وخطة تمتد إلى ما بعد الدفعة الأولى.



