خبر عاجلسياسةمقالات

“تحولات السلطة والثروة في العراق بعد 2003 وأنعكاساتها على سياسات مكافحة الفساد” – محمد المشهداني 

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

“تحولات السلطة والثروة في العراق بعد 2003 وأنعكاساتها على سياسات مكافحة الفساد” – محمد المشهداني

 

 

 

محمد المشهداني _ مناشير

لا تبدو الحملة التي تتحدث عنها الأوساط السياسية في العاصمة بغداد مجرد عملية أعتيادية لملاحقة بعض المتهمين في الفساد أو أستعادة جزء من الأموال العامة المهدورة فإن المؤشرات المتراكمة منذ تشكيل الحكومة الجديدة توحي بأن العراق قد يكون أمام لحظة سياسية مختلفة وهي لحظة تتجاوز مفهوم مكافحة الفساد التقليدي لتدخل في إطار إعادة تشكيل مراكز القوة الأقتصادية والسياسية والأمنية التي تشكلت خلال أكثر من عقدين من الزمن، فحين يجري الحديث عن 50 شخصية نافذة وعن أموال تتراوح بين 150 و350 مليار دولار وعن شبكات مالية و إستثمارية تمتد من العاصمة بغداد إلى عدة عواصم إقليمية ودولية فإن القضية لا تعود كمجرد ملفات قضائية بل تتحول إلى معركة على طبيعة الدولة العراقية نفسها وعلى هوية النظام الأقتصادي والسياسي الذي سيتشكل خلال السنوات المقبلة.

و السؤال المركزي هنا هل ستنجح الحكومة العراقية في أعتقال بعض الشخصيات أو أستعادة بعض الأموال؟. و هل نحن أمام بداية تفكيك منظومة النفوذ التي نشأت بعد العام 2003. أم أمام إعادة تدويرها بعدة أسماء وأدوات جديدة؟.

حيث أن الفساد في العراق من ظاهرة إدارية إلى بنية حكم منذ سقوط النظام البعث العراقي في العام 2003. لم يكن الفساد مجرد أنحراف إداري أو حالات فردية معزولة بل أصبح جزءا من البنية السياسية والإقتصادية التي حكمت البلاد و لقد نشأ نموذج يقوم على توزيع النفوذ بين الأحزاب والقوى السياسية المختلفة وتحولت الوزارات والمؤسسات إلى مراكز قوة مالية أكثر من كونها مؤسسات خدمية ومع مرور الوقت تشكلت طبقة أقتصادية جديدة لم تكن موجودة سابقا ضمت رجال أعمال ومقاولين ومتعهدين ومسؤولين سابقين وحالين راكموا ثروات هائلة مستفيدين من عقود الدولة والمشاريع الحكومية والامتيازات السياسية.

هذه الطبقة لم تكن منفصلة عن النظام السياسي بل كانت جزءا عضويا منه ولهذا السبب فإن أي حملة حقيقية ضد الفساد لا تعني ملاحقة أفراد فقط بل تعني الأصطدام بعدة شبكات معقدة من المصالح والعلاقات التي تمتد من السياسة و الأقتصاد و الإعلام والأمن و أن الأرقام الضخمة بين الحقيقة والمبالغة السياسية حيث أن الأرقام المتداولة حول الأموال المنهوبة تثير الكثير من الجدل هناك من يتحدث عن 150 مليار دولار وآخرون يرفعون السقف إلى 250 مليار و فيما تصل بعض التقديرات إلى 350 مليار دولار.

أقتصاديا يصعب التحقق من هذه الأرقام بصورة دقيقة و لكنها تعكس حجم المشكلة أكثر مما تعكس قيمة الأموال الفعلية فحتى لو أفترضنا أن الرقم الحقيقي لا يتجاوز 50 أو 70 مليار دولار فإن ذلك يظل رقما هائلا بالنسبة لبلد يعاني من أزمات بنيوية في البنية التحتية والخدمات والبطالة والإسكان ومن اللافت أن بعض الشخصيات المتورطة في الملفات الأخيرة كانت تدير قطاعات إستراتيجية مثل الموانئ والنفط والأستثمار وهو ما يعني أن الفساد لم يعد محصورا في العقود الصغيرة أو المشاريع الثانوية بل وصل إلى مفاصل الأقتصاد الوطني نفسه.

 

و لماذا الآن؟. وهو السؤال الأكثر أهمية يتعلق في التوقيت و لماذا تُفتح هذه الملفات الآن بعد سنوات طويلة من الحديث عن الفساد؟

 

حيث هناك عدة تفسيرات محتملة وهي التفسير

الأول يتعلق في الأزمة المالية المتفاقمة التي تواجه الدولة العراقية فإن الحكومة تدرك أن نموذج الأقتصاد الريعي القائم على النفط لم يعد قادرا على الإستمرار بالشكل نفسه خصوصا مع تضخم النفقات العامة و أرتفاع أعداد الموظفين والمتقاعدين وفي ظل محدودية الخيارات المالية تصبح الأموال المنهوبة هدفا مغريا.

و أما التفسير الثاني فيتعلق في محاولة الحكومة الجديدة بناء شرعية سياسية خاصة بها فكل حكومة عراقية منذ العام 2003. رفعت شعار مكافحة الفساد و لكن القليل منها إستطاع تحويل الشعار إلى إجراءات ملموسة و لذلك فإن نجاح الحكومة الحالية في هذا الملف قد يمنحها زخما شعبيا وسياسيا كبيرا.

أما التفسير الثالث وهو الأهم ربما فيرتبط في إعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام السياسي نفسه

فإن ابحملات الكبرى ضد الفساد غالبا ما تكون أيضا وسيلة لإعادة توزيع النفوذ بين مراكز القوة المختلفة من الأقتصاد والسلاح وهي معركة واحدة بأدوات مختلفة و اللافت في المشهد الحالي هو الترابط الواضح بين ملف الفساد وملف السلاح حيث أن الحكومة لا تتحدث عن أسترداد الأموال فقط بل تتحدث أيضا عن تعزيز دور القطاع الخاص وجذب الأستثمارات الأجنبية و حصر السلاح بيد الدولة وهذه الملفات تبدو للوهلة الأولى منفصلة ولكنها في الواقع مترابطة بشكل وثيق.

فإن المستثمر الأجنبي لا يأتي إلى بيئة تهيمن عليها جماعات مسلحة خارج سيطرة الدولة والقطاع الخاص و لا يمكن أن ينمو في أقتصاد تحكمه شبكات النفوذ السياسي والأمني والدولة لا تستطيع فرض القانون الأقتصادي إذا لم تكن تمتلك أحتكار القوة المسلحة لهذا تبدو معركة الفساد والسلاح وجهين لعملة واحدة فنجاح أحدهما يعتمد إلى حد كبير على نجاح الآخر.

الفصائل العراقية أمام مفترق طرق وهو حيث

تشير المعطيات إلى وجود أنقسام حقيقي داخل الفصائل المقاومة بشأن مشروع حصر السلاح وأن

بعض الفصائل تبدو مستعدة للتعاون أو على الأقل لإبداء مرونة سياسية و بعضها الآخر يراقب التطورات بحذر في حين ترفض جهات أخرى أي مسار يمكن أن يؤدي إلى تقليص نفوذها العسكري أو السياسي

و هذا الأنقسام يعكس إدراكا متزايدا بأن البيئة الإقليمية والدولية تتغير و العراق لم يعد قادرا على الإستمرار في المعادلات نفسها التي حكمت مرحلة الحرب على تنظيم داعش الإرهابي أو سنوات الصراع الإقليمي المفتوح.

و كما أن الضغوط الأقتصادية تجعل من الصعب تمويل البنى المسلحة في الطرق التقليدية نفسها

لذلك فإن بعض القوى بدأت تدرك أن التحول نحو العمل السياسي والإقتصادي قد يكون أقل كلفة وأكثر أستدامة.

و هل يستطيع القطاع الخاص إنقاذ العراق؟.

الرؤية الأقتصادية الجديدة تقوم على فكرة مركزية مفادها أن الدولة العراقية لم تعد قادرة على لعب دور المشغل الأكبر وصاحب العمل الأول كما كانت تفعل لعقود و هذه الفكرة تمثل تحولا جذريا في فلسفة إدارة الأقتصاد و لكن نجاحها ليس مضمونا

فإن القطاع الخاص العراقي ما زال يعاني من عدة مشاكل كبيرة تتعلق في التمويل والبنية التحتية والبيروقراطية والفساد، و كما أن جزءا كبيرا من القطاع الخاص نفسه نشأ في ظل البيئة السياسية القائمة وهو مما يعني أن الفصل بين الأقتصاد و السياسة لن يكون سهلا، وبالتالي فإن أي إصلاح أقتصادي حقيقي يحتاج إلى إصلاح مؤسساتي وقانوني وإداري عميق و أن معضلة أسترداد الأموال حتى لو نجحت الحكومة في تحديد أماكن الأموال المنهوبة فإن أستعادتها ستكون عملية معقدة وطويلة.

فإن الكثير من هذه الأموال جرى تحويلها إلى عقارات وشركات و أستثمارات خارج العراق

وكما أن أستردادها يتطلب تعاونا دوليا و أتفاقيات قانونية وإجراءات قضائية قد تستغرق لعدة سنوات و

لهذا السبب يرى بعض الخبراء أن الأهم من أسترداد الأموال هو وقف النزيف المستمر فمنع سرقة مليار دولار جديدة قد يكون أكثر أهمية من أستعادة مليار سرق قبل عشر سنوات.

السيناريوهات المحتملة وهي يمكن تصور ثلاث سيناريوهات رئيسية لما سيحدث خلال المرحلة المقبلة.

السيناريو الأول _ النجاح الكبير حيث تتمكن الحكومة من تنفيذ حملة واسعة و أستعادة جزء مهم من الأموال وفرض قيود على السلاح المنفلت وفتح المجال أمام إصلاح أقتصادي تدريجي و في هذه الحالة قد يدخل العراق مرحلة جديدة مختلفة نسبيا عن السنوات الماضية.

السيناريو الثاني _ النجاح الجزئي حيث تنجح الحكومة في تحقيق بعض الإنجازات الرمزية وتعتقل عددا من الشخصيات و لكنها تصطدم لاحقا بمقاومة سياسية ومؤسساتية تحد من قدرتها على الذهاب أبعد من ذلك وهذا السيناريو يبدو الأكثر واقعية في الوقت الحالي.

السيناريو الثالث _ التعثر والفشل تتحول الحملة إلى صراع سياسي بين القوى المتنافسة و تستخدم فيها عدة من ملفات الفساد لتصفية الحسابات أكثر من أستخدامها لبناء دولة القانون وفي هذه الحالة ستتآكل الثقة الشعبية بسرعة وقد يتحول الملف إلى حلقة جديدة من حلقات الصراع السياسي التقليدي.

وهنا تبدأ لحظة أختبار الدولة العراقية في جوهر الأمر لا تتعلق القضية بخمسين حوت فساد أو بمئات المليارات من الدولارات فقط بل القضية تتعلق في السؤال الأكبر الذي يواجه العراق منذ العام 2003.

وهو هل تستطيع الدولة أن تستعيد سلطتها من الشبكات السياسية و الأقتصادية والأمنية التي تشكلت داخلها؟.

الحملة الحالية تمثل أختبارا حقيقيا لهذا السؤال.

فإذا نجحت فإن العراق قد يدخل مرحلة جديدة من إعادة بناء الدولة والإقتصاد.

و أما إذا فشلت فستكون مجرد فصل إضافي في تأريخ طويل من الوعود الكبيرة والنتائج المحدودة

ولهذا فإن الأشهر المقبلة قد لا تحدد مصير حملة مكافحة فساد فحسب بل قد تحدد أيضا شكل العراق السياسي والإقتصادي لعقد كامل قادم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى