بين الزيارة والوصاية… هل بلغت السياسة اللبنانية سنّ الرشد؟ – أسامة القادري

أسامة القادري
لم تكن المشكلة يوم زار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لبنان في الزيارة نفسها، بل في المشهد الذي رافقها. فبين البروتوكول الرسمي والاستعراض السياسي، عاد اللبنانيون ليشاهدوا وجوهًا لم تتعلّم شيئًا من التاريخ، ولم تستخلص عبرة من عقود دفعت البلاد خلالها أثمانًا باهظة بسبب ارتهان قرارها للخارج.
المفارقة أن بعض من اندفعوا إلى تقديم مشاهد الاحتفاء المبالغ بها هم أنفسهم أو من يشبههم ممن طالما رفعوا شعارات السيادة والاستقلال عندما كانت مصالحهم تقتضي ذلك، ثم أسقطوا تلك الشعارات فور تبدّل موازين القوى. وكأن المشكلة بالنسبة إلى هذه المنظومة لم تكن يومًا في الوصاية نفسها، بل في هوية الوصي فقط.
قبل أكثر من عقدين خرج الجيش السوري من لبنان، وكان اللبنانيون يظنون أن تلك الصفحة قد طُويت، وأن الطبقة السياسية ستتعلم أخيرًا أن الدولة لا تُدار بالتبعية ولا تُبنى على الولاءات العابرة للحدود. لكن ما شهدناه يؤكد أن عقلية الوصاية ما زالت تعيش داخل جزء كبير من المنظومة السياسية، تبحث دائمًا عن مركز نفوذ جديد، وعن راعٍ جديد، وعن عاصمة جديدة تمنحها شرعية افتقدتها في الداخل.
المشكلة ليست في دمشق، ولا في باريس، ولا في واشنطن، ولا في الرياض، ولا في طهران، ولا في أي عاصمة أخرى. المشكلة في طبقة سياسية أدمنت الارتهان للخارج حتى باتت عاجزة عن ممارسة السياسة بوصفها فعلًا وطنيًا مستقلًا. كلما تبدلت موازين الإقليم، بدلت هذه الطبقة اتجاه بوصلتها، وهرولت نحو اللاعب الأقوى، وكأن لبنان مجرد ساحة تنتظر الوصي التالي.
لقد دفع اللبنانيون ثمن هذه الثقافة دمًا وخرابًا واغتيالات وانقسامات. من اغتيال الزعيم الوطني كمال جنبلاط، إلى المفتي حسن خالد، والرئيس رشيد كرامي، والرئيس رينيه معوض، وصولًا إلى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسلسلة الاغتيالات التي استهدفت شخصيات سياسية وإعلامية وأمنية، ظل لبنان يدفع كلفة تحويله إلى ساحة تصفية حسابات بين المحاور، فيما كانت المنظومة السياسية تتقن فن التموضع مع موازين القوى الخارجية أكثر مما تتقن بناء الدولة.
فالسيادة ليست شعارًا يُرفع في المهرجانات ولا بيانًا يُتلى أمام الكاميرات. السيادة تعني أن يكون القرار في بيروت، لا في أي عاصمة أخرى
والمشهد نفسه تكرر في محطات عديدة، سواء مع زيارات مسؤولين سوريين في السابق أو مع زيارات مسؤولين غربيين وعرب، ومن بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. واي مبعوث سعودي او ايراني في كل مرة تتصرف فئات من الطبقة السياسية وكأن الخلاص يأتي من الخارج، لا من المؤسسات الدستورية ولا من إرادة اللبنانيين.
هذه ليست سياسة، بل ثقافة تبعية مزمنة. ثقافة تجعل بعض السياسيين يتعاملون مع كل مسؤول أجنبي بوصفه مرجعًا سياسيًا، لا ضيفًا رسميًا. ولذلك لا يعود مستغربًا أن يبقى لبنان غارقًا في أزماته، طالما أن جزءًا كبيرًا من طبقته السياسية لم يبلغ بعد سنّ الرشد الوطني.
فالسيادة ليست شعارًا يُرفع في المهرجانات ولا بيانًا يُتلى أمام الكاميرات. السيادة تعني أن يكون القرار في بيروت، لا في أي عاصمة أخرى. وتعني أن يُستقبل أي مسؤول أجنبي باحترام يليق بالأعراف الدبلوماسية، لا بحفاوة تحمل رسائل سياسية تتجاوز الدولة ومؤسساتها.
إن أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس زيارة هذا المسؤول أو ذاك، بل استمرار منظومة سياسية لا تؤمن بالدولة إلا عندما تخدم مصالحها، ولا تبحث إلا عن وصاية جديدة كلما سقطت الوصاية السابقة. وما دام هذا النهج قائمًا، سيبقى لبنان يدور في الحلقة نفسها، وستبقى الدولة مشروعًا مؤجلًا، بانتظار أن يقرر أهل السلطة، للمرة الأولى، أن ولاءهم النهائي يجب أن يكون للبنان وحده، لا لأي خارج، مهما تبدلت الأسماء والعواصم.
زر الذهاب إلى الأعلى