خبر عاجلفسحة ثقافة

«بيجو 504»… حين يكتب الرفيق عفيف دياب ذاكرة الذين قاوموا وعاشوا بصمت _ مسعود محمد 

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

«بيجو 504»… حين يكتب الرفيق عفيف دياب ذاكرة الذين قاوموا وعاشوا بصمت _ مسعود محمد

 

 

مسعود محمد

 

لم يتسنَّ لي بعد قراءة رواية «بيجو 504» للصديق والرفيق عفيف دياب، ذلك الإنسان الذي عرفته مناضلاً حمل قناعاته بصمت، وعاش بعيداً عن ضجيج الادعاء، ولم يجعل من تاريخه النضالي وسيلة للتباهي أو طلب الاعتراف. لكنني اطّلعت على ما كُتب عن روايته، وعلى القراءات التي تناولتها، فوجدت نفسي أمام عمل أتطلع بشغف إلى قراءته، ليس فقط لأن صاحبه صديق عزيز، بل لأنني أعرف أن وراء الكلمات رجلاً يحمل في ذاكرته الكثير مما عاشه جيل كامل من المناضلين اللبنانيين والفلسطينيين والعرب.

ثمة أشخاص لا تحتاج إلى قراءة مذكراتهم كي تدرك أن حياتهم تستحق أن تُروى. يكفي أن تعرف شيئاً من مسيرتهم، ومن صمتهم الطويل، ومن الطريقة التي حافظوا بها على إنسانيتهم وسط الحروب والانكسارات، حتى تشعر بأن وراء هدوئهم حكايات لم تُكتب بعد. وعفيف دياب، في نظري، واحد من هؤلاء.

لم يكن عفيف بالنسبة إليّ مجرد صحافي أو صاحب موقف سياسي. إنه ابن تجربة وطنية ويسارية عرفت معنى الالتزام، ودفعت أثماناً باهظة من أعمار أصحابها وأحلامهم. ولذلك فإن صدور روايته عن دار الفارابي في بيروت ليس حدثاً أدبياً عابراً بالنسبة إليّ، بل مناسبة لاستعادة جيل آمن بأن تغيير العالم ممكن، وأن الدفاع عن الأرض والكرامة والحرية يستحق التضحية.

سيارة تعبر ذاكرة وطن

 

اختار عفيف لروايته عنواناً قد يبدو للوهلة الأولى غريباً: «بيجو 504». سيارة عرفتها طرقات لبنان، وحملت عائلات ومسافرين ومناضلين، وعبرت القرى والمدن والحواجز، قبل أن تتحول في الذاكرة السياسية اللبنانية إلى رمز آخر، أشد قسوة وإيلاماً.

فقد ارتبطت هذه السيارة، في جانب من ذاكرة الحرب، بحضور الأجهزة الأمنية السورية، وبالخوف الذي كانت تثيره سيارات رجال الاستخبارات، وبمرحلة تداخلت فيها شعارات المقاومة والتحرير مع ممارسات الوصاية والقمع والتدخل في شؤون القوى الوطنية.

ومن هنا تبدو رمزية العنوان لافتة. فالسيارة التي صُنعت لنقل البشر تتحول إلى وعاء لذاكرة الخوف، وإلى شاهد على مرحلة كانت فيها المسافة بين الرفيق والمحقق، وبين الحليف والوصي، أقصر مما تخيل كثير من المناضلين.

وما استوقفني في القراءات المنشورة عن الرواية أن عفيف لا يكتفي، كما يبدو، باستعادة المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، بل يدخل أيضاً إلى المناطق الأكثر حساسية في تاريخ الحركة الوطنية اللبنانية، والعلاقة مع المقاومة الفلسطينية، والحضور السوري الذي ترك بصماته الثقيلة على الحياة السياسية والأمنية.

إنها ذاكرة لا يمكن اختزالها في الأبيض والأسود. فقد عرف ذلك الجيل مناضلين صادقين، وتضحيات حقيقية، وأحلاماً كبيرة، لكنه عرف أيضاً الأخطاء والانقسامات والهيمنة والخسارات التي لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.

 

مريم وعبدو… حين تصبح العائلة صورة عن الوطن

 

بحسب ما قرأته عن الرواية، تعود أحداثها إلى قرية جنوبية لبنانية حدودية، وتتحرك بين أواخر ستينيات القرن الماضي والاجتياح الإسرائيلي عام 1982.

 

وفي قلب الحكاية تقف مريم وزوجها عبدو، شخصيتان تجمعهما الحياة والحب والانتماء إلى الأرض، وتفرقهما أحياناً الأسئلة السياسية واختلاف النظرة إلى المقاومة والحرب والمستقبل.

 

مريم، التي تميل إلى اليسار، ليست مجرد امرأة تنتظر عودة الرجال من المعارك، بل شخصية تحمل أسئلتها ومخاوفها واعتراضاتها. أما عبدو، المرتبط بالفكر القومي العربي وبالتجربة النضالية، فيبدو واحداً من أبناء ذلك الزمن الذين وجدوا أنفسهم بين واجب المقاومة ومرارة التحولات السياسية.

وحولهما تتحرك شخصيات أخرى: سعدى، الأم التي تختزن الوجع والانتظار؛ وراجي الذي تدفعه الخيبات إلى الهجرة؛ ورامز الطبيب العائد من الاتحاد السوفياتي ليعالج جرحى المقاومة؛ وأم وليد التي تحمل خسارة عائلتها في زمن الحروب.

هذه الشخصيات، كما تقدمها القراءات المنشورة، تجعل من الرواية أكثر من حكاية عن المقاتلين والبنادق. إنها حكاية البيوت التي انتظرت، والأمهات اللواتي فقدن، والنساء اللواتي حاولن حماية ما تبقى من الحياة، والشباب الذين ذهبوا وراء أحلامهم ولم يعودوا كما كانوا.

ولعل هذا الجانب الإنساني هو ما يشدني أكثر إلى قراءة العمل، لأن تاريخ الحروب لا يُكتب فقط بأسماء القادة والعمليات العسكرية والاتفاقيات، بل أيضاً بأسماء أولئك الذين لم يجدوا مكاناً في الكتب، مع أنهم دفعوا الثمن الأكبر.

 

«الرفيق س»… الاسم الذي سبق الرواية

 

أكثر ما أثار وجداني وأنا أتابع ما نُشر عن عفيف، تلك الشهادة التي كتبها محمد حجيري في «المدن» تحت عنوان «الرفيق س والبيجو 504».

 

فقد استعاد حجيري مرحلة كان فيها عفيف معروفاً بين رفاقه باسم حركي هو «الرفيق س»، وكان اسمه يتردد مقروناً بالشجاعة والمثالية والالتزام النضالي.

كم من رفيق عرفناه باسم حركي، ولم نعرف اسمه الحقيقي إلا بعد سنوات؟ وكم من مناضل عاش حياتين، إحداهما للناس والأخرى للقضية، ثم خرج من سنوات السرية إلى الحياة العادية حاملاً ذاكرة لا يستطيع التخلص منها؟

 

لقد كانت تلك الأسماء الحركية جزءاً من ثقافة سياسية كاملة، حين كان الانتماء إلى قضية يتطلب أحياناً التخلي عن الاسم الشخصي، وعن الحياة الطبيعية، وربما عن المستقبل نفسه.

 

والجميل في شهادة حجيري أنه لا يستعيد عفيف المناضل وحده، بل يستعيد عفيف الإنسان الذي حلم بالعودة إلى بلدته الحدودية، وزرع أشجار الكرز والكستناء والزيتون، وانتظر أن تكبر الأشجار كي يعود إلى الأرض ويترك وراءه تعب المدينة.

 

ما أجمل أن تنتهي أحلام المناضل بزراعة شجرة!

وما أقسى أن تظل الحروب تطارد الإنسان حتى في حلمه البسيط بأن يعيش على أرضه، ويجلس في ظل شجرة زرعها بيديه.

هنا أجد عفيف الذي أعرفه، أو الذي أحب أن أراه: رجلاً لم تقتل السياسة فيه الإنسان، ولم تنجح الخيبات في اقتلاع محبته للأرض.

الرواية في عيون الذين قرأوها

 

تابعت باهتمام ما كُتب عن «بيجو 504»، ولفتني أن القراءات، على اختلاف أصحابها، التقت عند البعد الإنساني للعمل.

ففي «الشرق الأوسط»، تناولت كريستين حبيب الرواية بوصفها استعادة لجنوب لبنان بين نكسة حزيران 1967 واجتياح عام 1982، وركزت على الخيبات التي خلّفتها العقائد السياسية والحروب المتعاقبة، وعلى الدور الذي منحته الرواية للمرأة الجنوبية، ليس باعتبارها ضحية فقط، بل بوصفها شريكة في النضال وصاحبة وعي نقدي.

أما الشاعرة والناقدة لينا الدسوقي، فقد رأت في قراءتها المنشورة في «مناشير» أن عفيف استطاع أن يعيد تشكيل مرحلة تاريخية كاملة بلغة سلسة ومشهدية إنسانية، وأن يجعل الذاكرة حاضرة في وجدان القارئ.

وذهبت الإعلامية مي عبد الله، في «المدارنت»، إلى قراءة الرواية بوصفها مراجعة مفتوحة لحسابات الماضي، متوقفة عند الثمن الذي دفعه الناس من أرضهم وأحلامهم، وعند السؤال الذي لا يزال يلاحق اللبنانيين: كيف نحمي الحقوق والكرامة من دون أن تتحول حياة الناس إلى حرب لا تنتهي؟

 

وفي «الجمهورية»، استعاد عمر صلح، قبل أن يقرأ الرواية، رمزية سيارة «بيجو 504» في ذاكرة جيل كامل، من النزوح والحواجز إلى زمن الأجهزة الأمنية. وهي شهادة تؤكد أن العنوان وحده يكفي أحياناً لإيقاظ ذاكرة سياسية واجتماعية واسعة.

ثم جاءت شهادة أسامة القادري في «مناشير»، عقب توقيع الرواية، لتعيد التذكير بعفيف المناضل والصحافي المنحاز إلى قضايا الناس، والذي يحمل ذاكرة غنية استطاع أن ينقل جانباً منها إلى الأدب.

وما يجمع هذه الشهادات، في تقديري، أنها ترى في «بيجو 504» محاولة لاستعادة زمن لا يزال حاضراً في نفوس الذين عاشوه، حتى لو تبدلت الأسماء والشعارات والرايات.

 

عفيف دياب في معرض بيروت… حين يحتفي الأصدقاء بذاكرة رفيق.

وفي مساء الجمعة 16 تشرين الأول 2026، شهد معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، في دورته السابعة والستين، توقيع رواية «بيجو 504» في جناح دار الفارابي، بين السابعة والتاسعة مساءً، في قاعة «سي سايد أرينا» على الواجهة البحرية لبيروت.

ولم يكن التوقيع مجرد مناسبة لإطلاق كتاب جديد. فقد أفادت التغطيات الصحافية بأن الحفل شهد حضوراً واسعاً من الأصدقاء والزملاء والوجوه الثقافية والأدبية والصحافية، إلى جانب عائلة الكاتب ومحبيه.

وأنا أتخيل عفيف بين أصدقائه، يوقّع روايته، أفكر في المسافة الطويلة بين «الرفيق س» الذي عاش جانباً من حياته في عالم العمل النضالي، وبين عفيف دياب الذي يجلس اليوم أمام قرائه حاملاً كتاباً باسمه الحقيقي.

كم من السنوات تفصل بين المشهدين؟ وكم من الأصدقاء غابوا، وكم من الأحلام تبددت، وكم من الرفاق لم تسعفهم الحياة كي يكتبوا حكاياتهم؟

إنها لحظة تستحق الفرح، لا لأن رواية جديدة أضيفت إلى المكتبة اللبنانية فحسب، بل لأن رجلاً من جيل التجارب الصعبة قرر أن يمنح الذاكرة فرصة أخرى للحياة.

ولعل بيروت، التي عرفت عفيف صحافياً ومناضلاً، هي المكان الأجمل لهذا اللقاء. بيروت التي كانت عاصمة للصحافة العربية، وملتقى للمناضلين والمثقفين الفلسطينيين والعرب، ومسرحاً لأحلام كبرى ولحروب قاسية، تستقبل اليوم واحداً من أبنائها وهو يحاول أن ينقذ شيئاً من الذاكرة من النسيان.

 

حين يراجع المناضل تجربته دون أن يتنكر لها

 

ما يشدني إلى «بيجو 504»، قبل قراءتها، ليس فقط ما تحمله من وقائع سياسية، بل ما توحي به من استعداد لمساءلة التجربة.

فليس سهلاً على مناضل أن يعود إلى زمن آمن فيه بقضية، وأن ينظر إليه بعين أخرى، أكثر هدوءاً وربما أكثر حزناً.

وليس سهلاً أن يكتشف الإنسان أن صدق النوايا لا يكفي دائماً لصناعة النتائج العادلة، وأن الشعارات الكبرى قد تتحول أحياناً إلى عبء على الذين حملوها، وأن القضية المحقة يمكن أن تتعرض للاستغلال من قوى تدّعي الدفاع عنها.

 

لكن المراجعة ليست خيانة للذاكرة، كما أن النقد ليس تنكراً للتضحيات.

بل لعل الوفاء الحقيقي لأولئك الذين رحلوا هو أن نمتلك الشجاعة لطرح الأسئلة التي لم يستطيعوا طرحها، وأن نعيد الاعتبار للإنسان الذي كثيراً ما ضاع بين الشعارات والبنادق والحسابات الإقليمية.

ومن هنا تبدو أهمية تناول الرواية للعلاقة مع الأجهزة السورية، إذا كانت القراءات قد نقلت هذا الجانب بأمانة. فالتاريخ اللبناني لا يمكن فهمه دون قراءة نقدية للمرحلة التي تداخل فيها الاحتلال الإسرائيلي مع الوصاية السورية، وتقاطعت فيها مصالح الأنظمة مع انقسامات القوى الوطنية والفلسطينية.

 

ولا أريد أن أنسب إلى عفيف موقفاً نقدياً محدداً قبل قراءة نصه كاملاً. لكنني أعتقد أن مجرد فتح هذه الذاكرة روائياً يمثل مساهمة مهمة في النقاش حول تاريخ لبنان الحديث.

 

إلى عفيف… بعض المحبة قبل القراءة

 

صديقي ورفيقي عفيف،

لم أقرأ روايتك بعد، ولذلك لن أدّعي أنني أحطت بعالمها أو عرفت جميع أسرار شخصياتها، ولن أكتب عنها بوصف من أصدر حكماً أدبياً نهائياً.

لكنني قرأت ما كتبه الآخرون عنها، واستعدت من خلاله شيئاً من صورتك التي أعرفها وأحترمها.

أعرف أنك من أولئك الذين لم يجعلوا من نضالهم سلّماً إلى المناصب، ولا من ماضيهم وسيلة للظهور. وأعرف أن الصمت الذي يرافق أمثالك ليس فراغاً، بل قد يكون امتلاءً بالذكريات، وبأسماء الرفاق، وبالحكايات التي لا يريد أصحابها أن تتحول إلى استعراض.

 

لهذا أفرح بروايتك، وأفرح أكثر بأنك قررت أن تكتب.

فالكتابة، في نهاية المطاف، ليست مجرد استعادة للماضي، بل إنقاذ لما يمكن إنقاذه من الذاكرة، ومحاولة لمنح الذين غابوا صوتاً جديداً.

وأتطلع إلى قراءة «بيجو 504» قراءة متأنية، لا بعين الصديق وحدها، بل بعين من يريد أن يفهم كيف عاش ذلك الجيل، وكيف أحب وقاوم واختلف وانكسر، وكيف بقي بعض أبنائه أوفياء لقيمهم الإنسانية رغم كل ما جرى.

وأتمنى أن تكون هذه الرواية بداية لأعمال أخرى، لأن الذاكرة التي يحملها عفيف دياب أكبر من أن تختصرها رواية واحدة.

مبروك يا رفيقي العزيز. لقد عشت كثيراً مما يستحق أن يُروى، وحان الوقت أن نقرأ ما اخترت أن تقوله.

 

ولعل أجمل ما يمكن أن أتمناه لك، بعد كل تلك السنوات، أن تكبر أشجار الكرز والكستناء والزيتون في أرضك، وأن تجد أخيراً الوقت لتجلس تحت ظلالها، بعيداً عن صوت الطائرات والحروب، تكتب ما تبقى من حكاياتك.

فالأرض التي أحببتموها تستحق أن يعيش أبناؤها فيها، لا أن يظلوا يدافعون عن حقهم في العودة إليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى