الملكية الهاشمية بين التأسيس ومسلسل إشكاليات الدولة العراقية.. في ذكرى تأسيس الدولة العراقية الحديثة – محمد المشهداني

محمد المشهداني – مناشير
تعود ذكرى تأسيس الدولة العراقية الحديثة إلى العام 1921، حين وُضع العراق أمام تجربة سياسية جديدة قادتها الملكية الهاشمية في مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ المنطقة. ولم تكن ولادة الدولة العراقية مجرد انتقال إداري من العهد العثماني إلى نظام سياسي جديد، بل كانت محاولة لبناء كيان سياسي حديث فوق أرض تتقاطع فيها الهويات المحلية والانتماءات الاجتماعية والمصالح الإقليمية والدولية.
وكان اختيار الشريف الأمير فيصل بن الشريف حسين ملكاً على العراق جزءاً من ترتيبات سياسية أوسع أعقبت الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية. لذلك، فإن قراءة تلك المرحلة لا ينبغي أن تقع في أحد طرفين: بين تمجيد التجربة الملكية الهاشمية باعتبارها ولادة مثالية للدولة، أو اختزالها بالكامل في كونها مشروعاً بريطانياً. فالحقيقة كانت أكثر تركيباً من ذلك بكثير.
فالملكية الهاشمية، رغم القيود التي أحاطت بها، أسهمت في وضع اللبنات الأولى لمؤسسات الدولة الحديثة، من الإدارة والجيش والشرطة والقضاء، إلى التمثيل السياسي والعلاقات الدبلوماسية والإطار الدستوري، في محاولة لنقل العراق من منطق الولايات والإدارة الإمبراطورية إلى منطق الدولة الحديثة ذات المؤسسات والسيادة.
لكن هذه العملية لم تكن سهلة. فقد بقيت السيادة العراقية، خلال سنوات التأسيس، محكومة بتوازنات دولية وإقليمية، وبنفوذ بريطاني واضح، إلى جانب معادلات داخلية معقدة لم تكن تسمح بقيام دولة مستقرة ومكتملة الشروط في وقت قصير.
وهنا تكمن أهمية تجربة الملك فيصل الأول، الذي أدرك مبكراً أن بناء العراق لا يقتصر على إنشاء المؤسسات الرسمية، بل يحتاج أيضاً إلى بناء شعور عام بالانتماء إلى دولة واحدة. وكانت المهمة شديدة الصعوبة، في مجتمع متنوع في تركيبته الاجتماعية والدينية والقومية والمناطقية، وفي وقت لم تكن فيه فكرة الدولة الحديثة قد ترسخت بصورة كاملة في الوعي السياسي والاجتماعي.
ومن هذه الزاوية، تستحق التجربة الملكية الهاشمية قراءة هادئة، بعيداً عن الحنين السياسي أو الخصومة الأيديولوجية. فقد حققت إنجازات مهمة في بناء مؤسسات الدولة، لكنها واجهت في المقابل أزمات عميقة تتصل بطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وحدود الاستقلال، والتفاوت الاجتماعي والسياسي، وقدرة النظام على إنتاج شرعية داخلية واسعة.
أما نهاية الملكية الهاشمية عام 1958، سواء وُصفت بأنها انقلاب أو ثورة، فلا يمكن قراءتها بمعزل عن تلك التناقضات. فالحدث الذي أسقط النظام الملكي لم يكن حادثاً منفصلاً عن مسار طويل من الأزمات والصراعات السياسية والاجتماعية والإقليمية، بل كان تعبيراً عن تراكمات جعلت النظام عاجزاً عن الاستمرار بالشكل الذي نشأ عليه.
ومع ذلك، فإن سقوط الملكية الهاشمية لم يكن نهاية مشروع الدولة العراقية. فقد دخل العراق بعدها في سلسلة من التجارب الجمهورية والانقلابات والتحولات الحادة، وأثبت تاريخه اللاحق أن المشكلة لم تكن في شكل النظام السياسي وحده، بل في سؤال أعمق: كيف يمكن بناء دولة تمتلك مؤسسات قوية، وسيادة حقيقية، وشرعية سياسية، وعقداً وطنياً يتسع لجميع مكوناتها؟
وبعد أكثر من قرن على تأسيس الدولة العراقية الحديثة، تبدو هذه الأسئلة أكثر حضوراً من أي وقت مضى. فالاحتفاء بذكرى العام 1921 لا ينبغي أن يكون احتفالاً بنظام سياسي بعينه، ولا مناسبة لتصفية الحساب مع مرحلة تاريخية، بل فرصة لإعادة التفكير في مفهوم الدولة نفسها.
لقد كانت الملكية الهاشمية واحدة من الحلقات الأساسية في مسار تكوين العراق الحديث، بكل ما لها وما عليها. ومن الإنصاف التاريخي أن تُقرأ التجربة ضمن سياقها، وأن نعترف بأن بناء مؤسسات الدولة كان إنجازاً حقيقياً، حتى وإن بقي ناقصاً ومثقلًا بالقيود.
وفي الوقت نفسه، لا بد من الإقرار بأن الاستقلال السياسي لا يكتمل بمجرد إعلان السيادة، بل يحتاج إلى مؤسسات راسخة، وإرادة وطنية، وعدالة سياسية، وثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع.
فالعراق الذي تأسس في عشرينيات القرن الماضي لم يكن مجرد حدود رسمتها السياسة الدولية، كما لم يكن مشروعاً مكتملاً صنعته إرادة محلية خالصة. لقد كان نتاج تفاعل معقد بين الداخل والخارج، وبين الإرث العثماني والنظام الدولي الجديد، وبين الطموحات الوطنية والمصالح الأجنبية.
ولهذا، فإن أفضل ما يمكن أن نتعلمه من ذكرى تأسيس الدولة العراقية الحديثة هو أن الدول لا تُبنى مرة واحدة. قد يولد الكيان السياسي في عام محدد، لكن بناء الدولة بمعناها الحقيقي يظل مشروعاً تاريخياً مستمراً.
وبين تأسيس الدولة عام 1921 والعراق اليوم، تبدلت الأنظمة والوجوه والشعارات، وتوالت الانقلابات والحروب والأزمات، لكن السؤال الأساسي بقي قائماً:
كيف نصنع دولة تكون أقوى من الأفراد، وأبقى من الحكومات، وأوسع من الانقسامات؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي الذي بدأ مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وما زال كتاباً مفتوحاً حتى اليوم.



