“المقاو.مة والإصلاح رؤية التيار الصدري” لحصر السلاح وتقوية الدولة – محمد المشهداني

محمد المشهداني _ مناشير
منذ سنوات ظل ملف السلاح خارج إطار الدولة العراقية واحدا من أكثر الملفات حساسية تعقيدا و ليس فقط لارتباطه في الأمن الداخلي بل لأنه بات يتقاطع مع الصراعات الإقليمية والدولية ويؤثر بصورة مباشرة على صورة العراق السياسية و الأقتصادية وموقعه الجيوسياسي وفي خضم هذه التعقيدات يبرز موقف زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر بوصفه أحد أكثر المواقف الوطنية للنقاش خصوصا فيما يتعلق في إعادة تنظيم جناحه العسكري _ سرايا السلام ودمجها ضمن الأطر الرسمية للدولة العراقية أو تحويل جزء كبير من نشاطها إلى مسارات مدنية وإنسانية و تطوعية و إن هذا التوجه لا يمكن قراءته بوصفه خطوة تكتيكية عابرة أو أستجابة ظرفية لضغوط خارجية كما يحاول البعض تصويره بل هو أمتداد لرؤية سياسية وأمنية تبناها سماحة السيد مقتدى الصدر منذ سنوات طويلة تقوم على فكرة مركزية مفادها أن الدولة العراقية لا يمكن أن تستعيد عافيتها وهيبتها وسيادتها بوجود تعدد في مراكز القوة والسلاح مهما كانت النوايا أو الشعارات المرفوعة.
لقد كان السيد الصدر من أوائل الشخصيات الشيعية العراقية التي طرحت بشكل واضح وصريح شعار حصر السلاح بيد الدولة وهو شعار لم يكن سهلا في بيئة عراقية ما بعد العام 2003. حيث تشكلت عشرات الفصائل المسلحة تحت عناوين المقاومة أو محاربة الإرهاب أو حماية المذهب و لكن السيد مقتدى الصدر أدرك مبكرا أن إستمرار هذا الواقع سيقود العراق تدريجيا إلى التحول لساحة صراع مفتوحة تتنازعها القوى الخارجية وتستنزفها الحسابات الإقليمية. ومن هنا. فإن أي خطوة في إتجاه دمج سرايا السلام ضمن إطار الدولة تعد من وجهة نظر التيار الصدري تطبيقا عمليا لمبدأ طالما نادى به و لأن من يدعو إلى بناء دولة قوية عليه أن يبدأ بنفسه قبل مطالبة الآخرين فإن المعادلة السياسية والأخلاقية تفرض على صاحب المشروع الإصلاحي أن يكون أول الملتزمين بما يدعو إليه و لا أن يطالب خصومه فقط في التغيير بينما يحتفظ هو بأستثناءات خاصة.
وفي هذا السياق يمكن فهم الخطوة أيضا باعتبارها محاولة لإغلاق واحدة من أخطر الذرائع التي تستخدم ضد العراق إقليميا و دوليا فخلال السنوات الأخيرة تصاعد الحديث في الأوساط الأميركية والغربية والخليجية عن الفصائل المرتبطة بالخارج و السلاح الغير المنضبط وأصبح هذا الملف يستخدم كورقة ضغط سياسية و أقتصادية ضد العراق وهنا قد أدرك السيد الصدر أن إستمرار هذا الواقع يمنح خصوم العراق فرصة لتبرير العقوبات أو الحصار أو حتى التدخلات العسكرية والأمنية تحت عنوان حماية الإستقرار الإقليمي. ومن هنا تأتي أهمية البعد الإستراتيجي في هذه الخطوة إذ إنها تسحب من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وإسرائيل جزءا مهما من الخطاب الذي يستخدم لتبرير الضغط على العراق فعندما يصبح السلاح خاضعا لمؤسسات الدولة وعندما يتم تفكيك صورة الجماعات المنفلتة فإن قدرة تلك الأطراف على تسويق رواية العراق المختطفة تتراجع بصورة كبيرة.
و كما أن هذه الخطوة تحمل رسالة واضحة إلى العالم العربي و الخليجي تحديدا مفادها أن العراق لا يريد أن يكون منصة لأستهداف جيرانه ولا ساحة لتصفية الحسابات بين المحاور المتصارعة فإن الكثير من المخاوف الخليجية _ العربية خلال السنوات الماضية كانت مرتبطة بوجود فصائل مسلحة يعتقد أنها قد تستخدم ضمن مشاريع إقليمية تتجاوز حدود العراق و لذلك فإن إعادة ضبط هذا الملف تعني عمليا تقليل أحتمالات الصدام الإقليمي على الأرضي العراقية.
واللافت هنا أن السيد مقتدى الصدر يحاول من خلال هذا التوجه إعادة تعريف الهوية السياسية للشيعة العراقيين أمام العالم فإحدى أخطر المشكلات التي واجهها العراق بعد العام 2003. هي أختزال المكون الشيعي في صورة الأذرع الإيرانية وهي صورة عملت الآلة الإعلامية الإسرائيلية والغربية وبعض الإعلام العربي على ترسيخها بصورة مكثفة و لكن السيد الصدر يسعى إلى تكريس مفهوم مختلف وهو يقوم على أن شيعة العراق هم مكون وطني عربي وإسلامي عراقي الجذور والأنتماء وليسوا مجرد إمتداد لمشاريع خارج الحدود ولهذا السبب فإن مشروع دمج السلاح في الدولة بالنسبة للتيار الصدري لا ينفصل عن مشروع استعادة الهوية الوطنية العراقية فكلما قويت الدولة تراجعت الحاجة للهويات الفرعية المسلحة وكلما تعززت المؤسسات تقلصت قدرة الخارج على أختراق الداخل عبر حجة الفصائل أو الجماعات المرتبطة به.
و كذلك فإن شعار التيار الصدري الشهير وهو
لا شرقية ولا غربية وهنا ليس مجرد خطاب تعبوي بل يمثل فلسفة سياسية متكاملة تقوم على فكرة إستقلال القرار العراقي عن جميع المحاور الدولية والإقليمية فهو يرفض أن يكون العراق تابعا للمشروع الأميركي _ البريطاني و كما يرفض أن يتحول إلى ساحة نفوذ إيراني أو غيره ولذلك فإن إعادة تنظيم السلاح تدخل ضمن محاولة بناء حياد عراقي يحمي البلاد من التحول إلى وقود لصراعات الآخرين و إن التجربة العراقية خلال العقدين الماضيين أثبتت أن الدول الضعيفة تتحول دائما إلى ساحات تصفية الحسابات وأن تعدد القوى المسلحة يؤدي تدريجيا إلى إضعاف هيبة القانون والمؤسسات وقد شهد العراقيون كيف أن الصدامات المسلحة الداخلية، والخلافات بين الفصائل والتداخل بين العمل السياسي والعسكري و كل ذلك أسهم في إنهاك الدولة وتعطيل التنمية وإضعاف ثقة المواطن بالنظام السياسي ومن هنا فإن دعم الجيش والشرطة والمؤسسات الأمنية الرسمية لا يعني في الضرورة التنكر لتضحيات الفصائل المقاومة التي قاتلت الإرهاب بل يعني الأنتقال من مرحلة الضرورة إلى مرحلة الدولة فحين أجتاح تنظيم داعش الإرهابي أجزاء واسعة من العراق ظهرت الحاجة إلى تشكيلات قتالية سريعة ومؤثرة و لكن بعد أنتهاء الخطر الوجودية يصبح من الطبيعي أن تعود الدولة لتكون الجهة الوحيدة المحتكرة للسلاح.
و كما أن دعوة السيد مقتدى الصدر لتحويل جزء من نشاط جناحه العسكري _ سرايا السلام إلى العمل المدني والإنساني والتطوعي تكشف عن محاولة لإعادة توجيه الطاقات الشعبية نحو البناء المجتمعي بدلا من الأستنزاف العسكري المستمر فإن المجتمعات لا تبنى في السلاح فقط بل بالتعليم والخدمات والإغاثة والتنمية والعمل التطوعي. ومن هنا جاء مشروع البنيان المرصوص الإنساني التطوعي بوصفه محاولة لنقل الحضور الشعبي للتيار الصدري من الطابع العسكري إلى الطابع المجتمعي
ولا يمكن إغفال أن مدينة سامراء المقدسة بقيت حالة خاصة ضمن هذا الترتيب نظرا لخصوصيتها الدينية والأمنية المرتبطة في حماية المراقد المقدسة والتوازنات الحساسة في تلك المنطقة و هذا يعكس أن المسألة لا تدار في عقلية شعاراتية مطلقة بل وفق حسابات واقعية تتعلق في الأمن و الأستقرار.
إن قراءة هذه الخطوات بمعزل عن السياق العراقي العام ستكون قراءة ناقصة فإن العراق اليوم يقف عند مفترق طرق حاسم إما أن ينجح في التحول إلى دولة مؤسسات ذات سيادة فعلية وإما أن يبقى ساحة مفتوحة للصراعات الخارجية والتجاذبات المسلحة ولذلك فإن أي مشروع لإعادة تنظيم السلاح داخل إطار الدولة يمثل بغض النظر عن المواقف السياسية المختلفة وهي جزءا من معركة بناء الدولة العراقية الحديثة ومع ذلك فإن نجاح هذا المشروع يبقى مرتبطا بشرط أساسي وهو أن يطبق على الجميع دون أنتقائية أو أزدواجية فإن الدولة لا يمكن أن تستعيد هيبتها إذا بقيت بعض القوى فوق القانون أو خارج منظومة المساءلة و كما أن المواطن العراقي لن يثق بأي مشروع إصلاحي إذا شعر أنه يستخدم لتصفية حسابات سياسية دون غيرها.
في المحصلة يبدو أن السيد مقتدى الصدر يحاول تقديم المشروع بوصفه زعيما شيعيا عراقيا يحمل مشروع الدولة الوطنية أكثر من مشروع الفصيل المسلح و يريد أن يضع العراق في موقع متوازن بين الشرق والغرب بعيدا عن الأستقطابات الحادة وهو يدرك أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة السلاح بقدر ما ستكون مرحلة الأقتصاد والسيادة والأستقرار وبناء المؤسسات ولهذا فإن دمج سرايا السلام أو إعادة تعريف دورها لا يمكن أختزاله في قرار تنظيمي داخلي بل هو رسالة سياسية عميقة مفادها أن العراق بحاجة اليوم إلى دولة قوية لا إلى تعدد الدول داخل الدولة وأن مستقبل الشيعة العراقيين هو مستقبل العراق كله ولن يحمى إلا عبر المؤسسات الوطنية الجامعة القادرة على حماية السيادة ومنع الأنهيار وإبعاد البلاد عن نيران المحاور و الإقليمية و الدولية .



